هذه مختارات شعرية (35 قصيدة، من مجموعات مختلفة)، وفقرات من إشارات وشهادات نقدية تثمّن تجربة الشاعر الفلسطيني الرائد عزالدين المناصرة، وتبيّن موقعه في حركة الشعر العربي المعاصر. وعبر 11 مجموعة شعرية، و25 مؤلفاً في النقد والتاريخ والفكر، رسّخ المناصرة شخصيته كواحد من أبرز شعراء الحداثة العربية المعاصرة، فضلاً عن انتمائه إلى الصفّ الأوّل في شعر المقاومة الفلسطينية، وأنشطته الأكاديمية في فلسطين ومصر ولبنان وبلغاريا وتونس والجزائر والأردن.
عن المناصرة، يقول الناقد والأكاديمي الأردني إبراهيم السعافين: «ظلّ عزالدين المناصرة، في خيالي، ذلك الشاعر الشاب في ستينات القاهرة التي تفيض روحه عذوبة، ونفسه جاذبية وبساطة وطيبة، يتدفق بالنشاط الذي لا يهدأ، وبالحماسة الآسرة، لكلّ ما هو خيّر ونبيل. عاش في أقطار شتى، وهي تشهد له بأنه من الشعراء الذين كان لهم صوت واضح، وأثر مهم في حركة الشعر العربي الحديث، طيلة خمس وثلاثين سنة مضت. إنه بلا شك شاعر قدير متميز». مواطنه الشاعر الفلسطيني الراحل أحمد دحبور قال عنه: «المناصرة مليء بامرئ القيس والمتنبي وأبي تمام، وغيرهم. وهو يستحضرهم ويجمعهم إلى شخوص العصر، بل يذهب في الزمن إلى ما هو أبعد، إذْ يعيد الاعتبار للنصّ الكنعاني القديم، ليقدم قصيدة رعوية نثرية خاصة به تماماً، كما في «مذكرات البحر الميت» و»كنعانياذا»، التي هي بمثابة علامة فارقة في مدار التجريب. وهو بذلك يقدّم علاقة إيهامية للتقارب بين الشعر الحرّ التفعيلي، وقصيدة النثر».
هنا مقاطع من قصيدة «بالأخضر كفنّاه»:
نزف المطر على شجر الأرز المتشابك بين الأخوينْ
وازدحمت في الساحات طيور البينْ
ثم حملناه على الأكتافْ
بكت المُزُن البيضاء بدمع شفافْ
دمه أخضر (ثمّ أغيّر قافيتي)
زغرد سرب حمامْ
والبدوية تنتظر حبيباً،
سيزور الشامْ.
بالأخضر كفنّاهْ
بالأبيض كفنّاهْ
بالأسود كفنّاهْ
يا أمّي تأخذني عيناك إلى أين:
كان خليلياً من صيدون
حمصياً من حبرون
بصرياً من عمّان
وصعيدياً من بغدادَ،
جليلياً من حوران
كان رباطياً من وهران.
مطر في العينين، وتحت القلب دفنّاه.
عشب في الرمل، وفوق القلب رخامْ.
بالأخضر كفنّاه
بالأحمر كفنّاه.
والبدوية تنتظر حبيباً، سيزور الشامْ.
يا أمّي تأخذني عيناك إلى أين:
شجر كضفائر أمّي يحميني
من مطر الأيام الصعبةْ
أخضرُ أخضرُ، يغشاني
مثل مياه خليج العقبةْ
وجذوري تنغل في قاع الكنعانيينْ
كان فتى من ورق النعناع وصمت العنّاب
وله وجه حنطي أسمر
صلباً وجريئاً كالزيتون…
وزارة الثقافة الفلسطينية، البيرة 2017