واشنطن ـ «القدس العربي»: رائد صالحة : يواجه التحالف الأمريكي – التركي مشكلات خطيرة للغاية، يمكن ان تزداد سوءا، إذ علقت الولايات المتحدة في الأسبوع الماضي خدمات تأشيرات غير المهاجرين في تركيا، ما دفع أنقرة للانتقام من خلال انهاء برنامجها الخاص باصدار تأشيرات دخول للأمريكيين الذين يسافرون مباشرة من الولايات المتحدة إلى تركيا.
الأسباب الظاهرة للقرار الأمريكي جاءت بسبب اعتقال الحكومة التركية لمتين طوبوز، الذي يعمل في السفارة الأمريكية في أنقرة ولكن من الخطأ الاعتقاد ان استهداف موظفي السفارة الأمريكية كان السبب الوحيد للإجراءات الأمريكية، وفي الواقع، ناقشت واشنطن لأشهر طرق الاستجابة المحتملة للسياسات التركية التي تهدف، على حد تعبير العديد من المحللين الأمريكيين، إلى إجبار وزارة العدل الأمريكية على تسليم فتح الله غولن، وهو يعيش في المنفى الأمريكي ومتهم من قبل السلطات التركية بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تموز/يوليو، والانتقام من القضية التي تناقشها محكمة المقاطعة الجنوية في نيويورك ضد رضا زراب وخليط من المسؤولين الأتراك بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية ضد إيران.
هناك اعتقاد سائد في تركيا بفكرة تقول ان الولايات المتحدة متورطة في محاولة الانقلاب الفاشلة أو ساعدت في التخطيط لها، في حين لم تقم الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية بأي إجراء لتفكيك هذا الاعتقاد. ووفقا للمحلل ارون ستين من مجلس الأطلسي لشؤون الشرق الأوسط، فان العلاقات الأمريكية – التركية مشبعة بالسرديات الخاطئة والحديث عن خيانة ومحاولات لتعزيز نظرية المؤامرة من الطرفين ناهيك عن تعبير كثيف من الجانبين عن الأسف من عدم وجود دعم متبادل.
وبالنسبة لصناع القرار في الولايات المتحدة، هناك تحديات واضحة بشأن كيفية استخدام الأدوات الدبلوماسية لتغيير مسار السياسة التركية وسط التزام بالدفاع المشترك في حال هجوم على شركاء حلف الناتو، ووفقا للعديد من المحللين الأمريكيين فان الولايات المتحدة لا تملك المرونة اللازمة لمتابعة النموذج الروسي، حيث استخدمت موسكو ضغطا اقتصاديا وعسكريا فعالا لإحداث تغييرات في السياسة التركية بعد اسقاط أنقرة لطائرة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015. واستخدمت موسكو اسلوب الاكراه على نحو فعال لانها لم تكن حليفة لتركيا وكانت قواتها العسكرية تشارك بالوكالة ضد المصالح التركية في سوريا، وبعد ذلك، بدأت حالة من إعادة التفكير في السياسة الروسية ومرحلة جديدة من التقارب حتى يومنا هذا.
من المرجح ان يبقى التحالف الأمريكي – التركي على قيد الحياة رغم الندب الغائرة في وجه العلاقات في الوقت الحاضر، وبغض النظر عن التغييرات الخطيرة واستمرار جذور التوترات، من غير المرجح ان تسمح واشنطن بانشقاق في حلف شمال الأطلسي أو الانتقال إلى مرحلة عداء مع أنقرة.
والأهم من ذلك كله، ان النزاع الدبلوماسي القائم بين تركيا والولايات المتحدة لم يؤثر على العمليات العسكرية، إذ قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية كولونيل روبرت مانينغ «يمكننى ان اؤكد ان هذه التطورات لم توثر على عملياتنا أو موظفينا» مشيرا إلى ان قاعدة انجرليك الجوية ما زالت تقوم بدور هام في دعم الناتو وجهود التحالف، وأضاف مانينغ ان تركيا ما زالت حليفة وثيقة للناتو وان الولايات المتحدة ستواصل التنسيق مع أنقرة في الأنشطة العسكرية المشتركة والمنفصلة. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية دعمها للتحركات التركية الهادفة إلى حماية وقف إطلاق النار في إدلب اذ قال اريك باهون، المتحدث باسم البنتاغون لشؤون الشرق الأوسط «ندعم جهود تركيا حليفتنا في حلف شمال الأطلسي في مكافحة الإرهاب ومساعيها الرامية إلى حماية حدودها».
العملية التركية في إدلب جلبت مشاعر من عدم اليقين في واشنطن بشأن الحرب الدموية في سوريا، وجلبت، أيضا، الكثير من الأسئلة المهمة، بما في ذلك: إلى أي مدى ستستمر الولايات المتحدة في دعم حلفائها المحليين في شرق سوريا؟ وهل ستحافظ على دعم المجموعة بعد هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» في الرقة؟ قوات نظام الأسد تسيطر حاليا على غالبية السكان والمراكز الحضرية الكبرى، في حين تتناثر قوات المعارضة في جيوب غير مستقرة في جميع أنحاء البلاد، وفي الوقت نفسه، أتاحت عملية أستانا، وهي منصة للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار بمشاركة من روسيا وإيران وتركيا، للأسد جبهات هادئة أثناء الحرب والانشغال بالقتال ضد «داعش» في الشرق بالقرب من دير الزور. ويبدو ان معركة الاستيلاء على آخر المناطق المتبقية للتنظيم في الشرق قد أصبحت محور اهتمام نظام الأسد، وهذا له تداعيات مباشرة على السياسة الأمريكية في البلاد مع تحول العمليات الشرقية إلى سباق ضد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة.
هل ستلقي التوترات الأمريكية بظلالها على العملية التركية في إدلب والتي تهدف بصراحة إلى هدم أي مشروع كردي مستقل في سوريا في المستقبل القريب؟ أجاب العديد من المحللين الأتراك على هذا السؤال بالايجاب، وقالوا ان الولايات المتحدة تسعى لحملة جديدة تهدف إلى مد الحزام الكردي إلى البحر الأبيض المتوسط وحماية حليفها الجديد في منطقة عفرين (حزب الاتحاد الديمقراطي) الذي تعده تركيا منظمة إرهابية. ولكن الخبراء في الولايات المتحدة استبعدوا تأثيرات محددة على العملية بسبب التوترات الحالية، وقالوا ان الحسابات الأمريكية مختلفة عن التركيةن ولكن واشنطن لن تحاول إعاقة العملية في إدلب ولن تحاول العبث في التفاهمات الإيرانية والروسية والتركية بشأن مناطق خفض التصعيد.