فيما يبدو أن التصريح الرسمي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن سبب تحضيرات تركيا لدخول إدلب قبل فترة قريبة بالتنسيق مع روسيا، وإيران، والذي تركز على أن هدفه الرئيسي هو منع الأكراد من التمدد، والوصول إلى البحر، ومنعهم من تشكيل حزام متصل جنوب تركيا، هو التصريح الأكثر صراحةً من بين كل التصريحات، والتفسيرات، والتحليلات التي تحاول تفهم مصدر القرار التركي المحفوف بالمخاطر والمفاجئ في الدخول لإدلب التي تكتظ بالجماعات المتشددة. والتي تدير جلها جبهة النصرة التي تسمى حالياً بهيئة تحرير الشام، والمعروفة بقوتها، والمعروفة بتحصنها المثالي في المحافظة. القرار التركي الذي يأتي استكمالاً للعديد من التفاهمات الصادرة في أستانة بين تركيا، وروسيا، وإيران، لا يبدو فيما هو واضح هو قرار بسيط، ولا هو تدخل سلس كالتدخل السابق لها في جرابلس الذي حصل دون أي مقاومة تذكر من «داعش». والذي حصل حينها لهدف واضح ومعلن من قبل أنقرة هو منع قوات سورية الديمقراطية من التقدم أكثر بعد انتصارهم في معركة «منبج» في شمال شرق حلب.
تقطيع أوصال المنطقة الكردية المنشودة
كان الأكراد وحدهم عند نشوب معركة «كوباني» الشهيرة، وبدأ التدخل الأمريكي واضحا للعيان في المعركة بعد قيام الطائرات الأمريكية بإيصال الأسلحة جواً في اليوم الخامس والأربعين من المعركة، وبعد الدعم الأمريكي الذي كلل بالضغط على تركيا لتسهيل مرور البيشمركه القادمين من إقليم كردستان مع الأسلحة الثقيلة لدعم اخوانهم الأكراد في المعركة التي انتهت بانتصارهم على «داعش». والتي تبعتها تبعات كبيرة كانت مفصلاً في العلاقة التركية الأمريكية، والتركية الروسية، والتركية الإيرانية، في الملف السوري من وقتها. كانت تركيا تصر على تقطيع أوصال المنطقة الكردية المنشودة في سوريا. كانت كوباني (عين العرب) منقطعة عن شقيقتيها (الجزيرة وعفرين). وكان غض النظر عن تحركات «داعش» في تل أبيض الحاجز الأولي في وجه الأكراد لربط مناطقهم بعضها ببعض، وتمكن الأكراد بدعم الأمريكان من طرد «داعش» من تل أبيض، وربطها بكوباني، وبقيت لهم عفرين البعيدة. عند عبور الأكراد نهر الفرات، وتحريرهم لمنبج كانت تركيا قد حسنت علاقاتها مع الروس بعد قضية إسقاط الطائرة الروسية، وتدخلت في شمال سوريا، ووصلت إلى الباب حيث قوات النظام والجماعات الحليفة لها وضعت الحدود حينها للتقدم التركي جنوب المدينة. دخلت تركيا، ومنعت التواصل المباشر بين كوباني وعفرين، ولكنها لم تمنع التواصل الوسيط الذي يمر من مناطق سيطرة النظام جنوب منطقة السيطرة التركية، ولم تنجح في المنع الكلي المطلوب رغم التدخل المباشر في الصراع السوري الساخن.
معركة الرقة
ظلت تركيا الدولة الشمالية لسوريا تخاطب واشنطن لمنع قوات سوريا الديمقراطية، والتي هي تشكيل عسكري (عربي كردي) تتهم تركيا جناحها الأقوى وحدات حماية الشعب، بالتبعية لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره عدوها الأول، تلك التبعية التي تنفيها الوحدات عن نفسها من التقدم بإتجاه عاصمة «داعش» في سوريا الرقة. قوات سوريا الديمقراطية كسبت معركة التحالف مع واشنطن نتيجة انضباطها الواضح، ونتيجة دمجها لعناصر متعددة من عرب المناطق التي يتم تحريرها، والتي يتم التحضير لتحريرها. الكسب جاء بالإضافة لما تم ذكره بسبب الشك الغربي الكلي من تصرفات أنقرة المهادنة مع بعض الجهات المتشددة السنية في سوريا. كان الغرب يطرح السؤال التالي دائماً: لماذا تركيا تغلق الحدود بوجه المناطق الكردية الآمنة نسبياً، وتغض النظر عن المعابر التي تديرها الجهات المعارضة المتشددة في إدلب وتل أبيض؟
التخيل التركي المنصب على ان النظام المستبد في دمشق سيسقط بسرعة، وقدرتها من خلال الجهات المعارضة التي تدعمها على ملء الفراغ المقبل، وخيار اللاجئين المستخدم ضد الاتحاد الأوروبي، وغيرها من الملفات التي تملك، جعلها تشعر بالغرور الذي أنتهى بها بوضع ضعيف، ولتكون في صف الروس الحلفاء المباشرين للنظام ضد واشنطن الحليف العتيد للحكومات التركية المتعاقبة منذ الخمسينيات. إصرار تركيا على التعامل مع الأكراد السوريين على هوى علاقتها مع أكرادها الداخليين، حوّل تركيا إلى رجل مسجون وراء الحدود لا يعرف سوى ملاحقة الشاب الصاعد في شمال سوريا بأي شكل كان، وبأي خسارة ممكنة.
ظلت تركيا تقدم العروض لواشنطن في مسعاها لمنع قوات سورية الديمقراطية من التقدم في الرقة دون جدوى. العرض وصل إلى مستوى تسليح قوات معارضة قريبة منها، وتقديم الدعم الجوي المطلوب لها، في مقابل فض الشراكة الأمريكية مع قوات سورية الديمقراطية، وهذا كله كان يرسخ لدى الغرب عدائية تركيا غير المفهومة لجهات قريبة من الأكراد، وقريبة من واشنطن في الوقت نفسه. كانت تركيا تخسر مواقفها الرافضة مع كل جديد، ومع كل تقدم للقوات القريبة من واشنطن في شمال وشرق سوريا، والتي وصلت طلائعها إلى محافظة دير الزور المهمة مع قرب تحرير الرقة من «داعش» بشكل نهائي. فشلت تركيا مجدداً في ردع الغرب من وقف التعامل مع «قسد» ومنع مشاركتها في قيادة معاركة الرقة ضد تنظيم «داعش» الإرهابي.
معركة إدلب والتفاهمات
تتحضر تركيا لدخول إدلب المحافظة الشمالية الغربية المكتظة بالمدنيين القادمين إليها بعد عمليات الترحيل التي قام بها نظام دمشق للجماعات المعارضة المسلحة وعوائلهم من ريف دمشق، وحمص، وغيرهما. الدخول التركي الذي بدأ باستطلاعات مسبقة، جزء من عملية تقطيع جديد صرح بها أردوغان للحزام الكردي (المفترض) لجنوب تركيا مع سوريا. التقطيع الذي لم ينجح بالتمام في شمال حلب بدأ يتحسس الطريق في محافظة إدلب بعد الفشل المتكرر في تنفيذ وعود اجتياح القوات التركية، وبعض الجهات المرتبطة بها سورياً، لمنطقة «عفرين» التابعة لفيدرالية الشمال المعلنة من قبل الإدارات الذاتية الكردية، والتي تعتبر جزءا من خريطة الحماية الروسية في المحفل السياسي السوري، والذي بدوره يشكك بجدية الروس السماح لتركيا بالسيطرة الشاملة على إدلب على المدى البعيد. تركيا تخسر في دخولها إدلب صداقة العديد من الجهات المعارضة المسلحة التي بدأت تشكك بدورها المفترض دعما للمعارضين ضد نظام دمشق بعد التقارب مع روسيا، وإيران، وهما اللتان ترحبان بالدخول التركي لإدلب تحت يافطة محاربة القاعدة في سوريا رغم وقوفهما مع نظام دمشق في المطلق. الجهات المعارضة القريبة من تركيا محرجة من تغطية روسيا للعمليات جواً كما هو معلن من موسكو فكيف يعتبر العمل دعما للثورة إذا كانت الدولة التي تدعم النظام للعظم هي من تغطي العملية؟ الحراك التركي أصبح لا يقبل الشك في مسعاه والمختزل ببضعة كلمات واضحة تقول: «تثبيط الأكراد وتحجيم دورهم مهمتنا في سوريا والباقي سراب». تاهت ملحمة السيطرة التركية على نظام ما بعد الأسد، وخفت نبرة دعم الثورات، وضعف خطاب احتواء اللاجئين بعد عمليات الابتزاز بورقتهم مع الغرب، وإغلاق الحدود في وجه الباقين المحاصرين تحت حكم الجهات السلفية.
على ما يبدو ان إصرار تركيا على محاربة الأكراد السوريين، ومعهم حلفائهم من العرب، والمسيحيين، أضعفت البوصلة التركية في المحفل السياسي المتعلق بسوريا. يستغل الجميع ملف الأكراد للتعامل مع تركيا. الروس يحمون عفرين حالياً، ويلوحون باحتمالية أن تقوم قوات سورية الديمقراطية بعمليات في إدلب ضد النصرة تحت الغطاء الروسي، منطلقة من معاقلها في عفرين، وبموافقة أمريكية متوقعة، ويتحدثون عن نظام اتحادي للبلاد في حين يصافحون الأتراك الذين يرتابون بأي نظام لا مركزي سياسي لسوريا في أستانة. كل هذا الحراك في ما وراء نهر الفرات كون ما قبل نهر الفرات تستقبل بشكل دوري الحافلات المدججة بالدعم لقوات سورية الديمقراطية، والقادمة من واشنطن بثبات، مؤشر واضح عن اليأس التركي بالمجمل في الملف السوري الذي كان من المفترض أن تكون تركيا الجارة الشمالية، وذات الوزن في المنطقة تملك فيها الدور الأكبر من تقطيع الأوصال الذي تعمل عليه حالياً، وفيما يبدو أنها لم تنجح فيه حتى الآن حيث ستجابه في إدلب المحطة الجديدة للتقطيع مخاطر أكثر بكثير من جرابلس والراعي والباب على الأقل عسكرياً حسب الكثير من المتابعين. وبعد أن فقدت فرصة الظهور كصديق في ما وراء نهر الفرات حتى نهر دجلة بصورة شبه نهائية، على المدى المتوسط.
براء صبري