ماذا بعد اعتراف الملك بفشل المشروع التنموي المغربي 

حجم الخط
33

احتل المغرب سنة 2006 في تقرير التنمية البشرية، الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، المركز 123 عالميا. وبعد مرور عشر سنوات 2016 احتل المركز 129. وهذا يعني تراجع وتقهقر المغرب ست درجات خلال هذه المدة التي تزامنت مع بداية ونهاية عقد كامل، على مبادرة التنمية البشرية التي تبنتها الدولة المغربية للرقي بحياة المغاربة في مجالات استراتيجية مثل التعليم والصحة والشغل.
واعترف رئيس الدولة، الملك محمد السادس في خطاب افتتاح البرلمان يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، بمحدودية النموذج التنموي المغربي، وعدم نجاحه في تلبية مطالب الشعب المغربي، خاصة فئاته المحتاجة والفقيرة التي ما فتئت تتعزز رقميا وعددا مع مرور السنوات، حتى أصبحت هي الفئة الكبيرة في البلاد. وتبقى المفارقة أن ما بدر من الملك من اعتراف بفشل النموذج التنموي أو قصوره ردده، ومنذ سنوات، عدد من المحللين غير المتملقين للسلطة، وانهالت عليهم الاتهامات بالتمرد والعصيان، وحتى الخيانة. ومثل الكثير من الدول، تسود في المغرب ثقافة التملق، التي وإن لم تصل إلى مستوى بعض الدول المشرقية، التي ترفع خطابات الحاكم إلى مرتبة التقديس، ولكنها أصبحت مقلقة، لاسيما من طرف بعض «الخبراء الجامعيين» الذين يمتلكون شجاعة غير أخلاقية للجزم أحيانا بأن اللون الأبيض هو أسود والعكس صحيح، إذا اقتضى الأمر. وهي ثقافة تعرقل أي تطور لأنها تتحول إلى سد وجدار أمام النقد البناء الرامي للإصلاح والتوجيه.
منطقيا، بعد مرور أكثر من عقد على مبادرة التنمية البشرية، كان يجب على المغرب الآن جني ثمار هذا النموذج التنموي، الذي رعته الدولة المغربية وأسهبت في الدعاية له، إلى مستوى يخيل للمرء أن الأمر يتعلق بمشروع مارشال 2. ومن باب المقارنة، تبنت دول مثل المغرب مشاريع تنموية سنة 2006 وحققت سنة 2016 قفزة نوعية، ونذكر منها دولة الإكوادور التي تحتل المركز 88 عالميا في التنمية البشرية سنة 2016 بعدما كانت ما وراء المئة منذ عقد. إن السر في تقدم الإكوادور هو استثمارها في المعرفة والصحة، وهذا ترتب عنه تحسين فرص العمل. ومن باب المقارنة، بينما سمح المغرب سنة 2005 بمغادرة عشرات الآلاف من الكوادر في مختلف القطاعات، ومنها من الجامعة المغربية، تعاقدت الإكوادور مع آلاف الأساتذة الجامعيين من الخارج لتطوير الجامعة في هذا البلد الأمريكي اللاتيني.
لقد فشل المشروع التنموي في المغرب لأسباب متعددة، نجملها في اثنين، *أولا، غياب الدراسات المعرفية العميقة المرتبطة بالواقع المغربي، والرهان على دراسات تقنية لمكاتب أجنبية تقدم الوصفات نفسها لكل دول العالم المتخلف، حيث تكتفي بتغيير اسم البلد والمعطيات الجغرافية. ومن باب الصدف العجيبة، تراجع المغرب تنمويا تزامن مع اعتماده المبالغ فيه على الدراسات التي تنجزها المكاتب الأجنبية، أو مكاتب وطنية لكنها في الغالب وكيلة لمكاتب أجنبية وفي خدمة القطاع الخاص. وتركز هذه المكاتب على مشاريع لا علاقة لها بالتنمية الاجتماعية، بل ليست حتى بالتنمية الاقتصادية بل هي مشاريع مالية لفئة قليلة من النافذين في هرم الدولة والحقل السياسي، وجعلت من المغرب بورصة للقيم لتحقيق الأرباح بدون أدنى وازع وطني واجتماعي.
*ثانيا، ضعف ثقافة النقد لمشاريع الدولة المغربية، خاصة تلك التي تشرف عليها السلطات العليا في البلاد، والملك محمد السادس. في هذا الصدد، كان ملك البلاد قد قال في خطاب ثورة الشعب والملك خلال أغسطس 2014 بانتقال المغرب إلى مصاف الدول الصاعدة. وعاد في خطاب افتتاح البرلمان خلال أكتوبر 2014 الى تمجيد المشروع التنموي المغربي الى مستوى استشهاده بحديث نبوي مفترض، أثار الكثير من اللغط والجدل «اللهم كثّر حسادنا» وجاء في الخطاب حرفيا «وأستحضر هنا، قول جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم كثر حسادنا. لأن كثرة الحساد، تعني كثرة المنجزات والخيرات. أما من لا يملك شيئا ، فليس له ما يحسد عليه».
وهكذا، بعد ثلاث سنوات من حلم الدولة الصاعدة، يتراجع المغرب في ترتيب التنمية البشرية على المستوى العالمي ويعترف الملك نفسه بفشل النموذج المغربي في تلبية ليس طموحات المغاربة، بل المطالب البسيطة من صحة وتعليم وشغل، أي الحد الأدنى من شروط العيش الكريم. هذه المطالب هي التي تهدد استقرار المغرب بسبب شبح ثورات اجتماعية، مثلما يحدث في الريف والآن في زاكورة. لم يعد المغاربة يرغبون في صناديق شفافة في الانتخابات بل في ما سيأكلونه وأين سيتعالجون إذا مرضوا وأين سيعملون.
من خلال خطاب الملك الجمعة الماضية، الدولة المغربية بدأت تعي بتدهور الأوضاع في المغرب، وبدأت تقر بصعوبة العيش الكريم للشعب، ولاسيما الشباب في الحصول على الشغل والصحة، وهو اعتراف إيجابي، لكن لم ترق الدولة بعد الى تسطير مشروع تنموي حقيقي قائم على المعرفة العميقة باحتياجات البلاد، لأن الذين أشرفوا على مشاريع الأمس التي أدت بالبلاد إلى الأزمة، هم من سيشرفون على مشاريع المستقبل. التنمية في المغرب يجب ألا تكون حقل تجارب متكررة لأن الأمر يتعلق بمستقبل أجيال.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي» 

ماذا بعد اعتراف الملك بفشل المشروع التنموي المغربي 

د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية