التحدي المزدوج للعدالة والتنمية المغربي

حجم الخط
0

التحدي المزدوج للعدالة والتنمية المغربي

محمد الهاشميالتحدي المزدوج للعدالة والتنمية المغربي نشر المعهد الجمهوري الأمريكي التابع للحزب الجمهوري استطلاعا لرأي الناخبين المغاربة لرصد نوايا التصويت في الانتخابات المزمع اجراؤها السنة المقبلة، ولعل أبرز ما أفرزته نتائج الاستطلاع هو حصول حزب العدالة والتنمية الاسلامي علي 47% من نوايا التصويت مما أشعل حملة انتخابية سابقة لأوانها وأعاد الي الواجهة النقاش حول الموقف من اسلاميي النظام وعلاقة الديني بالسياسي في النسق السياسي المغربي بشكل عام.وبالرغم من أن نتائج الاستطلاع تنسجم بشكـل كبير مع الاتجاه السيـاسي العام الراهن في العـالم العربي الذي يرجح كفة الاسـلاميين كما تشهد علي ذلك الانتخابات الأخيرة في كل من مصر والأراضي الفلسطينية، فان الاستطلاع المذكور يثير ملاحظتين أساسيتين:الملاحظة الأولي تقنية لكنها لا تخلو من دلالات سياسية عميقة، نتيجة 47% التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية ليست سوي نتيجة اضافة 10% الي 84% ثم قسمة 94% علي 2 لتصبح النتيجة 47%. وتفسير ذلك أن الاستطلاع شمل سؤالين وليس سؤالا واحدا حيث كان السؤال الأول: اذا أجريت الانتخابات غدا لمن ستصوت؟ وحصل العدالة والتنمية علي 10% من نوايا التصويت ثم أردف السـؤال الأول بسؤال ثـان: اذا كان لا بد أن تصوت في انتخابـات تجري غدا فلمن ستصوت؟ وحصل علي84%. وبذلك يتضـح بجلاء أن الاستطلاع كان موجها، ان لم نقل مضلـلا والا فكيف يمكن تفسيـر حجب هذه التفاصيل التقنيـة، مع أنهـا حـاسمة في نتيجة الاستطـلاع، والاكتفاء بتسـريب نسبة 47% للرأي العام؟أما الملاحظة الثانية فتتعلق بردود فعل مختلف الفرقاء السياسيين، فاذا كان من الطبيعي ومن المفهـوم أن يسعي منافسو وخصوم العدالة والتنمية الي التقليل من شأن نتائج الاستطـلاع والتأكيد علي استمرار قدرتهـم علي تعبئة النـاخبين حول برنامجهم الانتخابي (خاصة حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) فان المثير للانتباه هو رد فعل العدالة والتنمية في حد ذاته والذي تبني نفس الخطاب المقلل من شأن الاستطلاع. الا أن هذا الموقف يصبح مفهوما اذا ما وضع في سياق التجربة القاسية التي عاشها الحزب مع ضغوطات وزارة الداخلية لدفعه لتحجيم مشاركته في انتخابات 2002 والتي تصاعدت عقب أحداث الدار البيضاء الارهابية حينما تصاعدت الأصوات التي تحمله المسؤولية الأدبية عن هذه الأحداث وذهبت الي حد المطالبة بحله. فقد كان لهذه المرحلة الصعبة كبير الأثر في اعادة تشكيل الوعي السياسي لهذا الحزب واعادة تحديد أولوياته وتجديد سبل التعاطي مع معطيات وتقلبات الظرفية السياسية بالمغرب، فقد أصبح الحزب يدرك أن السياق الدولي الموسوم بالحرب علي الارهاب اضافة الي مركزية دور الدين في تأسيس شرعية النظام يجعلان اعتماد المرجعية الدينية ينطوي علي قدر كبير من الحساسية رغم أن الحزب لا يطرح نفسه كمنافس أو بديل للنظام كما هو الشأن بالنسبة لحركة العدل والاحسان المحظورة. وبغض النظر عن صحة أو خطأ الأرقام الواردة في استطلاع الرأي المذكور، فالمؤكد أن حزب العدالة والتنمية أصبح يشكل، وبلا شك، الرقم الصعب في المعادلة السياسية الراهنة بالمغرب وذلك بفعل تضافر عاملين أساسيين: 1 ـ مراهنة الحزب علي العمل الاجتماعي كمدخل للتعبئة السياسية مما يجعله الأقرب الي شرائح واسعة من الفقراء والمهمشين..2 ـ جاذبية الخطاب الديني للحزب مع ما يحمله من شعارات حالمة تدغدغ مشاعر العديد من ضحايا الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية. واذا أضفنا الي هذين العاملين طبيعة السلوك الانتخابي لدي أغلبية الناخبين المغاربة والذي يقوم علي العلاقة الشخصية والاتصال المباشر بالمرشح كأساس للتصويت، فان الحزب يبدو قادرا علي تغطية عجزه البرامجي بفضل حضوره التواصلي المباشر. وعمومـا، فالنجـاح المترقب للحزب في الانتخابات القادمة سيجعله أمام تحديين كبيرين، يتعلق الأول بامكانية انجاح تصوره لطريقة تدبير الشأن العام في حين يرتبط الثاني بالسياق الانتقالي للبلاد بشكل عام. يتجلي التحدي الأول في انجاح الانتقال من موقع المعارضة الي الحكومة مع ما يقتضيه ذلك من ضرورة تكييف خطابه السياسي مع متطلبات المرحلة الجديدة، فاذا كان الحزب قد استفاد من الفراغ الذي خلفه دخول أحزاب المعارضة الي الحكومة ليصبح اللاعب الوحيد في المعارضة، فان الدخول المحتمل للحزب الي الحكومة سيجعله أمام محك حقيقي لقياس مدي قدرته علي تطبيق تصوره للاصلاح دون التراجع عن شعارات الديمقراطية والانفتاح التي يرفعها الحزب، فرغم أنه تجاوز بنجاح الضغوط التي استهدفته عقب أحداث الدار البيضاء، فانه يدرك جيدا أن خصومه، وان فشلوا في اقصائه، فانهم نجحوا علي الأقل في جعله يصدر عن موقف دفاعي حيث وجد الحزب نفسه مطالبا، في مناسبات عديدة بتقديم تبريرات وتوضيحات حول بعض التصريحات أو المواقف التي يتخذها بعض قيادات الحزب كما حدث مع مصطفي الرميد الرئيس السابق للفريق البرلماني للحزب، بل أكثر من ذلك اضطر الي اتخاذ قرارات تنظيمية حاسمة للتخفيف من حدة التوتر في علاقته مع المخزن كما حدث مع تنحية الرميد من رئاسة الفريق. كما أن الحزب أبان عن ضعف واضح في التنسيق مع نواته الدينية (حركة التوحيد والاصلاح) وهو ما تجلي في انسحاب زعيمها أحمد الريسوني واستقالة بطعم الانشقاق لمحمد خليدي الذي أسس حزبا جديدا، اضافة الي سعي الحزب باستمرار الي توضيح موقفه من أسلوب تعاطي جريدة التجديد مع بعض القضايا (مثل قضية تسونا مي، الموقف من قضية المرأة وبعض قضايا الحريات العامة)، وقد أدي اتساع الهوة بين مواقف الحزب والخط التحريري للجريدة الي اتخاذ الحزب قرارا باصدار جريدة أسبوعية في الأسابيع القليلة القادمة مما قد يساعده علي تجاوز الضعف الكبير الذي شاب استراتيجيته الاعلامية. أما التحدي الثاني فيفرضه السياق السياسي العام في المغرب والذي تحكمه هواجس ورهانات الانتقال مما يجعل، وبدون شك، تحدي انجاح النموذج الاسلامي للعدالة والتنمية ليس سوي الوجه الآخر لتحد أكبر هو انجاح الانتقال الديمقراطي بالمغرب، وذلك لسبب بسيط هو أن الانتخابات المتوقع أن يفوز بها العدالة والتنمية تختلف بدون شك عن سابقاتها لكونها تعتبر انتخابات الفرصة الأخيرة بالنسبة لمستقبل الانتقال نحو الديمقراطية كجزء من بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي يحظي بترويج غير مسبوق حتي من طرف الأجهزة الايديولوجية للدولة. فاذا كان الجميع يتفق أن عملية الانفتاح السياسي التي انخرط فيها المغرب منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي أدخلته مرحلة الانتقال الديمقراطي، فان التردد والمد والجزر والطابع المحتشم لايقاع الانتقال عوامل أضفت بظلال من الشك حول مآل هذا الانتقال، ويبدو أن البعض ينسي أو يتناسي أن الانتقال الديمقراطي، قبل أن يكون عبارة عن تحولات في البناء السياسي والمؤسساتي لدولة ما، هو براديغم يتحدد من خلال مجموعة من المفاهيم ذات دلالة اجرائية قابلة القياس الأمبريقي تسمح بتحديد درجة تقدم بلد ما في مسلسل الانتقـال بحيث لا تعتبر الاجراءات المختلفة المجسدة لهذه التحولات كجزء من سيرورة الانتقـال الا بمقدار استجابتها للمتطلبات النظرية للبراديغم والذي يبدأ بمرحلة الانفتاح وينتهي بمرحلة الترسيخ، واذا كان من السهـل تحديد مرحلة البداية في الحالة المغربية فان صعوبات الترسيخ تجعل المغرب يستقر في ما أصبح يعرف بالمنطقة الرمادية The Gray zone التي توجد بها عدد من الأنظمة الثالثة التي قامت باصلاحات أساسية أخرجتها من دائرة الاستبداد في نفس الوقت الذي تعيش فيه اختلالات عميقة في حياتها السياسية وبنائها المؤسساتي تحول دون ادراجها في خانة الأنظمة الديمقراطية. وبناء عليه فان نجاح أو فشل الحكومة القادمة سيكون مشروطا بالخروج من هذه المنطقة الرمادية وهو أمر بدأ الوعي به يتبلور لدي بعض التنظيمات الحزبية مستعملة أسلوب المذكرات الاصلاحات في مخاطبة المؤسسة الملكية حول تصورها للتعديل الدستوري المرتقب كخطوة أساسية في اتجاه الخروج من منطقة اللااستبداد واللاديمقراطية.واذا كانت مسألة الديمقراطية لا تثير أي مشكلة بالنسبة للأحزاب اليسارية التي تتبني النموذج الديمقراطي الحداثي، علي الأقل علي مستوي الخطاب، فان اخراج المغرب من المنطقة الرمادية الي الديمقراطية علي يد العدالة والتنمية رهين بخروج الحزب من المنطقة الرمادية التي يقبع فيها بدوره حيث سيــجد الحزب نفسه مطالبا بتوضيح اختياراته داخليا وخارجيا. فعلي الصعيد الداخلي سيكون الحزب مطالبا بالرد علي اتهامات خصومه بازدواجية خطابه والتي تتجلي في اختزاله الديمقراطية في بعدها الأداتي دون اعتناقها كعقيدة سياسية من جهة، وفي غياب التطابق بين الصورة التي يروجها الحزب عن نفسه وبين الصورة التي يقدمها لجماهيره من جهة أخري.أما علي الصعيد الخارجي فان الحزب مطالب باستيعاب قواعد الاستراتيجية الجديدة التي تتعامل بها الولايات المتحدة وحلفاؤها مع التيارات الاسلامية والقائمة علي التمييز بين من تعتبرهم معتدلين ومن تصفهم بالارهابيين، حيث أن الاحتواء السياسي للفئة الأولي يسهل الاحتواء العسكري للفئة الثانية كما يتضح ذلك من الاستراتيجية القومية لمحاربة الارهاب التي قدمها الرئيس بوش بعد أحداث 11 من ايلول (سبتمبر) 2001. ونظرا لكون المغرب حليفا للولايات المتحدة في حربها علي الارهاب فان العدالة والتنمية سيكون مطالبا للاستجابة لدفتر التحملات الأمريكي لتعزيز مكانته ضمن التيار الاسلامي المعتدل وذلك عبر توضيح موقفه من القضايا الخمس التالية: أولا: مسألة تطبيق الشريعة حيث أن قبول الحزب اعتماد القنوات البرلمانية العادية للتشريع يجعل أغلب الأدبيات الأمريكية تصنفه ضمن التيار المعتدل الي جانب حركة الاخوان في مصر. ثانيا: مسألة استعمال العنف، حيث يسود الاعتقاد أنه منهج ثابت في التغيير لدي الاسلاميين وأن ادانة العنف من طرف المعتدلين لا يعدو أن يكون موقفا تكتيكيا فرضته متطلبات المرحلة. ثالثا: الموقف من التعددية السياسية: فاذا كان الاسلاميون يتبنون شعار الاسلام هو الحل صراحة أو ضمنيا فان ذلك يثير مخاوف من ألا يقبلوا بوجود حلول أخري وخاصة تلك التي لا تنهل من المرجعية الاسلامية. رابعا: مسألة الحريات المدنية والسياسية وخاصة ما يتعلق بحقوق الأقليات الدينية والاتجاه نحو اخضاع حقوق الأفراد لمصلحة الجماعة وهو ما يشكل نفيا للتطرية الليبرالية في بعديها الاقتصادي والسياسي.خامسا: مسألة حقوق المرأة ووضعها الاعتباري داخل المجتمع والتي شكلت احدي أبرز حلبات الصراع بين التيارين الاسلامي والعلماني. هذه هي القضايا التي تشكل ما تسميه بعض دوائر البحث الأمريكية المنطقة الرمادية في فكر الاسلاميين حيث لا زال موقفهم منها يشوبه الكثير من الغموض. واذا كان حزب العدالة والتنمية قد أجري سلسلة من المراجعات بغرض تكييف تصوره مع متطلبات المرحلة فان الانخراط الفعلي في تصريف معطيات هذا التصور في اطار العمل الحكومي سيشكل المحك الحقيقي للحكم علي هذا التصور. ہ باحث في العلوم السياسيةجامعة محمد الخامس ـ الرباط8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية