المهدي المنجرة (1933- 2014 ) المفكر المغربي وعالم المستقبليات الشهير، درس معطيات الماضي والحاضر لاستشراف المستقبل، فاستشرف أحداثاً عالميةً كثيرةً، فبالإضافة إلى حديثه عن حرب الخليج الأولى، التي سماها الحرب الحضارية، قبل وقوعها، تنبأ بالربيع العربي منذ 2006 في كتابه «الانتفاضة في زمن الذلقراطية»، كما أنه تنبأ بالأزمات الاقتصادية والمالية التي تعصف بالعالم منذ 2008، من خلال أطروحته « الميغا إمبريالية»، له الأسبقية في استعمال مصطلح «صدام الحضارات» على صموئيل هنتنغتون، ولكن تحت مسمى آخر، وهو الحرب الحضارية، وهذا باعتراف هنتنغتون نفسه، عند تحليله انتقال الحروب إلى مرحلة يسود فيها الصراع الإثني والاختلافات الثقافية في عصر ما بعد الحرب الباردة، بمعنى آخر أن الدين والثقافة والإثنية هي العوامل المحددة لأي تكتل في أي حرب أو تعاون في المستقبل، ما ينجر عن ذلك إعادة تحرير الحرب وتعريفها من جديد على أنها حرب حضارات، فالمصالح الاقتصادية والسياسية لم تعد هي المحرك الأساسي للمعتدين، وإنما الفاعل الرئيسي في ذلك هو الخصام الحضاري والاختلاف الثقافي، في هذا الصدد كتب هنتنغتون: «العلامة المغربي المهدي المنجرة أطلق على حرب الخليج أنها الحرب الحضاراتية الأولى، وهي في الحقيقة الحرب الحضاراتية الثانية، الأولى كانت الحرب الأفغانية السوفييتية 1979 ـ 1989، كلا من الحربين بدأت بغزو دولة لدولة أخرى، ولكنها تحولت بشكل واسع، وأعيد تحريرها كحرب حضارات».
هذا الاعتراف دليل على موضوعية هنتنغتون العلمية، وشجاعته في إيعاز ملكية الفكرة إلى صاحبها، وقد تطرق المنجرة في كتابه «قيمة القيم» إلى هذا الاعتراف قائلا: «يعترف هنتنغتون في الفصل العاشر من كتاب «صدام الحضارات «بأنني كنت أول من استعمل عبارة الحرب الحضارية». إن استشرافاته المنذرة بالمآسي التي قد تصيب البشرية في مقبل الأيام، وإرشاداته الوقائية التي من شأنها أن تنقذ العالم من الخراب، وتخفف من حدة الآلام فيه، أدت بالوزير الفرنسي ميشال جوبير لأن يطلق عليه وصف «المنذر بآلام العالم».
الحرب الحضارية: خطاب وقائي
بنى المنجرة رؤيته المستقبلية على معطيات مهمة، كانت ـ بحق – تشكل مرحلة مفصلية في حياة البشرية، فالغرب المزهو بقوته وعنجهيته، في حقيقة الأمر، يعاني أزمة حادة في داخله، أزمة متعددة الجوانب تاريخية قيمية، اقتصادية مالية، وحضارية، ما جعل هنتنغتون يطلق إنذاره المدوي بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، بأن العالم في ظل هذه المتغيرات الدولية والتحولات العالمية مقبل لا محالة على صراع بين الحضارات، هنا يعلن المنجرة تميزه في أطروحته، فهو يرى أن رؤيته وقائية بنائية، الغاية منها «ترسيخ قيم العدالة الإنسانية، وتفادي الكوارث اللا إنسانية في حق البشرية جمعاء بنبذ الكراهية والتحريض، وضمان استمرارية تاريخية للقيم المثلى». بينما خطاب هنتنغتون خطاب دفاعي ذرائعي، فيه يقرر أن الخطر سيأتي من العالم غير اليهودي ـ المسيحي، وهو في الأساس «خطاب يستند إلى الدفاع عن النفس، ويمكن فهمه على الأمد الطويل ضمن الدراسات المستقبلية». بعبارة أخرى، يحاول المنجرة تأسيس عالم السلام والأمن والعدل والقيم الإنسانية المثلى، في حين يسعى هنتنغتون إلى تأسيس عالم الحرب والعنف والخوف، وعليه، فإن التدخل الذي حدث ضد العراق بعد نهاية الحرب الباردة مباشرة، ليس الهدف منه، كما يبدو في الظاهر، العراق بصفة خاصة، إنما العراق رمز فقط، لأن المقصود الرئيسي من ذلك التدخل هو الإسلام، والعالم الذي يتخذ منه مرجعية في القيم والتشريعات.
انطلاقاً من هذا التوصيف، يصل المنجرة إلى نتيجة مفادها أن التدخل في العراق كان ضد الإسلام، لأن الغرب صار في موقف دفاعي عن النفس، لأنه أحس بالخطر على حضارته وسيادة قيمه، فأقدم على الحرب، للأسف، بدون أن يكترث إلى تلك القيم الحضارية، التي تدعو إلى التعايش والتواصل بين الشعوب، إذ يقول في ذلك: «لقد تبين لي أن الغرب أحس بالخطر على حضارته وسيادة قيمه، فأعلن الحرب بدون اكتراث بالقيم الحضارية والثقافية للتواصل بين الشعوب ولبناء السلام، فلا يمكن أن نبني السلام بدون احترام قيم الآخر».
هواجس الغرب
إذا كان صموئيل هنتنغتون يجعل الغرب في مقابل بقية العالم، خاصة الإسلام والحضارة الكونفوشوسية (الصينية) باعتبارهما قوة كبيرة، قد تشكل تهديداً على قيم الغرب وحضارته في المستقبل، فإن أطروحة المنجرة تستشرف المستقبل من أجل دفع الأخطار المحدقة، ومن أجل خلق حوار حضاري بين الشمال والجنوب، مُبينة في الوقت ذاته هواجس الغرب ومخاوفه من العالم الآخر:
– الخوف الديمغرافي: فالغرب يعاني مشكلة ديمغرافية تتمثل في نقص المواليد، إذ يمثل أقل من 20 ٪ من سكان العالم، ومع ذلك فإنه يحتكر أكثر من 80٪ من ثروات العالم المادية، المشكلة السكانية ستتفاقم أكثر مع مرور الوقت، وفي غضون الثلاثين سنة المقبلة لن تزيد نسبة سكانه عن 13٪، في مقابل ذلك، نجد أن المسلمين في تكاثر، حيث ستصل نسبتهم إلى أكثر من 40٪ من سكان العالم قريباً، في هذا الشأن يقول المنجرة: «الغرب خائف، ويعيش رعباً عميقاً بسبب أخطار يترقبها من الجنوب خلال السنوات المقبلة: خطر الانفجار الديمغرافي الناتج عن تزايد وتيرة النمو السكاني الشبابي داخل دول الجنوب، مقابل تراجع مهول في الهرم السكاني لدول الشمال».
– الخوف من الدين: لقد عمل الغرب طيلة عقود من الزمن على إبعاد الدين من الحياة العامة، وجعله مقتصراً على الحياة الخاصة، فتقلص حضور الدين في حياة الناس، وانحسر تأثيره، وبما أن الغرب بنى تاريخه الطويل على فكرة أن الدين يحد من حرية الإنسان، ويحد من تفكيره، إذ يكبح جماح عقله وخياله، وبإبعاده تحرر العقل، وتغيرت نظرة الإنسان إلى الكون والإله، وإلى الإنسان نفسه، فانطلق هذا الإنسان الجديد في تحقيق الفتوحات الكبيرة، التي بها استعمر الآخر، واستولى على أرضه وثرواته، ومع مرور الوقت، عمل على تحقيق اكتشافات علمية وتكنولوجية مدهشة، ساهمت بشكل أو بآخر في تدعيم سيطرة الغرب وتقوية نفوذه، وأسهم هذا التقدم في إشباع الحاجات المادية للإنسان، بحيث شهد بحق تخمة في الحاجات، التي تتجدد يوماً بعد يوم، وأصبح الإنسان في سباق مع الزمن في تحقيق الارتواء منها، غير أنه في المقابل، لم يستطع هذا التقدم أن يجيب عن الأسئلة الضرورية في حياة الإنسان ووجوده في هذا العالم.
هذا القصور في الإجابة عن الأسئلة الضرورية في حياة الإنسان ووجوده ومصيره، جعلت الفرد الغربي يبحث عن روافد جديدة لكي تجيب عن هذه الأسئلة، ولكي يغذي روحه الضامئة، ويسد ذلك الفراغ الروحي، لذا بدأ القيام برحلة تقوده إلى عالم الدين من جديد، لعله يجد فيه ما هو مفقود وغائب من حياته. بالإضافة إلى ذلك، تزايد عدد المسلمين في المجتمعات الغربية من مهاجرين أو من ذوي أصول غربية، ما جعل الإسلام يشكل قوة سكانية مع مرور الأيام ستشكل قوة مؤثرة في السياسة والاقتصاد، وبالتالي، فإن أسباب «رُهاب الغرب « من الإسلام في نظر المنجرة ترجع إلى سرعة انتشاره، وإلى التزايد الديمغرافي السريع للمسلمين، إذ من المحتمل أن تصل نسبتهم إلى 40٪ في نهاية هذا القرن، كما أشرنا سابقاً، بدون نسيان الجهل بثقافة الآخر وغياب التواصل، ومن هنا يتجلى الخطر الحضاري للإسلام الذي «من شأنه أن يحد من هيمنة الحضارة الغربية».
ـ الخوف من الديمقراطية: تشكل الديمقراطية خطراً كبيراً على الغرب، ذلك أن التغيير الديمقراطي في دول الجنوب من شأنه « تحديد كل مواقع الهيمنة والاستغلال الغربي لدول الجنوب»، لذلك يساند الغرب الديكتاتورية في العالم العربي، ويقف ضد أي تحول ديمقراطي يكون فيه الشعب هو السيد وصاحب القرار.
ـ الخوف من آسيا: شكلت اليابان في السابق خطراً على الغرب بحكم تطورها التكنولوجي والاقتصادي، أما اليوم فإن التنين الصيني الكبير صار الخطر الأول، لأنه يمثل قوة اقتصادية وسكانية، هذه القوة الاقتصادية من شأنها أيضاً أن تحد من هيمنة الغرب الاقتصادية، لاسيما وهو، أي الغرب، يعيش أزمة حادة في هيكلة نظامه الاقتصادي.
لخص المنجرة هذه المخاوف بعدما أخضعها إلى تغير ميزان القوة في العالم، وإلى التحولات العالمية الجديدة فيه، فقال في كتابه «قيمة القيم»: «للغرب في بداية الثمانينيات ثلاثة هواجس أساسية هي: الديمغرافية، الإسلام واليابان، أما هواجس وانشغالات وهموم اليوم فهي التخوف من الهجرة الذي عوض هاجس الديمغرافية، والخوف من الصين الشعبية التي عوضت اليابان، فيما زاد هاجس الإسلام في شكل خوف من الإسلام بوجه مكشوف، يقرن بصفة تلقائية الإسلام بالإرهاب بواسطة الإرهاب اللغوي والإعلامي». كل هذه المخاوف تجعل الغرب في حالة دفاع عن النفس، الدفاع عن النفس سيكون بافتعال الحروب، واختلاق الأزمات، وبث الخوف، ولن يتحقق له ذلك إلا بعد شحن مجتمعاته بأنه في حالة حرب، وأن ثقافته وقيمه في خطر من الآخر، ومن ثم فإن الحرب المقبلة في التحليل الأخير هي «حرب ثقافات وحضارات بين الشمال والجنوب، وهي حرب بين فكرة التسلط والاستبداد الحضاري، وبين فكرة الاختلاف والتعدد».
صراع الحضارات: حرب ضد القيم
على هذا الأساس، فإن هناك صراعاً حضارياً بين الإسلام والغرب نتيجة اختلاف القيم التي «ستكون أحد الأسباب الرئيسية للحروب المقبلة، وللنزاعات والصراعات»، وبما أن الغرب يسعى إلى الهيمنة والسيطرة على الآخر قيمياً وثقافياً ومعرفياً، وكذا سياسياً واقتصادياً، فإنه سيشن حرباً ضد منظومة القيم الأخرى بكل ما يملك من قوة وسلاح، لذلك «فوراء الحرب المفتوحة ضد الإرهاب، تظهر حرب أخرى ضد منظومة القيم»، ووراء الحروب التي تشن ضد العرب والمسلمين، تظهر حرب ضد القيم غير اليهودية والمسيحية، العنوان البارز فيها، الذي يحاول تغطية شمس الحقيقة بغربال الكذب والتزييف، هو محاربة الإرهاب، فالحرب ضد الإرهاب ليس هدفها القضاء على التطرف والأصولية وأعداء الحرية والإنسانية، كما يسوق في كل مرة، بل هي من أجل بث الرعب والخوف في العالم، فقد أصبح حكم العالم يدار بالخوف، لأن «الخوف تحول إلى استثمارات ضد ما يسمى بالإرهاب»، إلا أن المنجرة ينفي أن يكون الصراع بين القيم هو حرب بين الديانات، وهنا يختلف عن هنتنغتون الذي يجعل المسيحية واليهودية في حالة حرب مع الآخر، حيث يقول: «وفي رأيي فإن حرب القيم لا تعني بالضرورة حرباً بين الديانات». أما الحل الوحيد لكي يتفادى العالم من هذه الصراعات، ويضمن السلام والأمن والاستقرار هو «تحسين التواصل الثقافي بين الشعوب والحضارات» بإقامة حوار حضاري مبني على الاحترام وقبول الآخر، إلا أن هذا الأمر يبقى حلماً بعيد المنال، لأن الغرب في الواقع لا يرى في الآخر كآخر منفصل عنه، بل يراه جزءا منه، فكيف يسعى إلى التعايش معه، وتقبل ثقافته؟ فالغرب، كما هو معروف من خلال تاريخه الطويل، يسعى إلى السيطرة والهيمنة، فثقافته «ثقافة سيطرة»، كما يسعى إلى حماية مصالحه، ولو بالتدمير أو العنف. هذا ما توصل إليه المنجرة عند تحليل علاقة الغرب بالحضارات والثقافات الأخرى بقوله: «الغرب غير مستعد للتعايش مع حضارات أو ثقافات غير الثقافة الغربية، وما يهمه هو مصالحه حتى يضطر كما يحدث اليوم لحمايتها ولو بالتدمير أو العنف».
٭ كاتب مغربي
سعدون يخلف