فلسطينيون رفسوا النعمة

حجم الخط
11

ذُكرت في القرآن الكريم أكثر من مرة، وأقسم بها رب العالمين، ورغم ذلك هناك من فرّطوا ورفسوا هذه النعمة.
هناك من تعبوا في غرسها ورعايتها وحمايتها كطفلة وهي تنمو بالعقلة والفتر والشبر، ورقة ورقة وغصنا غصنا، ونظفوا مهدها حجرا حجرا وشوكة شوكة، ثم جاء من ورثها بدون أي جهد أو تعب، فرأى بعض الورثة في الزيتونة عبئا وليس رزقا، وذلك أنهم يكسبون في أعمالهم الحرة كمقاولين وتجار وأصحاب مهن حرة أو وظائف متقدمة، أكثر بكثير مما تعطيه شجرة الزيتون. هذا المعيار البارد لدى البعض، يلغي أي ارتباط عاطفي تجاه الشجرة أو تاريخها، بل موقعها الاجتماعي والديني وحتى السياسي.
هنالك من ولدوا وفي أفواههم ملعقة من فضة، اعتادوا على الكسل، ما أن يرحل الوالد حتى يجد أحدهم في أشجار الزيتون ثروة طائلة، وبما أن ثمن الأرض تضاعف مرات ومرات فإنهم يبيعونها، هذا يمنحهم شعورا بالغنى، سيارة جديدة ورحلات وتبذيرا. هناك أصحاب المظاهر من الورثة، يبيعون كل بضع سنوات قطعة منها، يستغلون أثمانها للظهور بحلة رسمية وربطة عنق وسيارة فارهة بدون أي عمل، حتى يأتوا عليها كلها. هناك من يطمحون إلى الزعامة، مثل خوض انتخابات رئاسة بلدية أو مجلس محلي، وهذا يحتاج إلى مال وبيت مفتوح وكرَم حاتمي، وأسرع طريقة لتحصيل المال هي بيع قطعة من الأرض المزروعة بالزيتون.
هناك المبتلى، وهذا ربُّ أسرة مغلوب على أمره ارتكب أحد أبناء أسرته جريمة قتل، فيضطر لدفع دية قتيل في صلح عشائري، وبما أنه من الصعب توفير دية قتيل عند أكثر الناس، فإنهم يبيعون الأرض بما فيها من شجر، وهناك أمثلة عن عائلات كانت غنية، وأصبحت فقيرة بعد جريمة قتل تلاها ثأر ومرة أخرى قتل وثأر. هناك أيضا من يبيع مضطرا، لهدف معقول، ليزوّج ابنه مثلا، أو لبناء بيت، أو لإقامة مشروع اقتصادي قد ينجح وقد يخسر الأرض والمشروع.
الأخطر أنه لا تمر بضع سنوات حتى تُكشف عصابة باشتراك محامين من العرب يتلاعبون بالأراضي، ومنهم من زيّفوا تواقيع أصحاب الأرض وباعوها وقبضوا أثمانها، ووصل الأمر إلى قاعات المحاكم، وقد كُشفت في السنوات الأخيرة في قرى سهل البطوف عصابة من السماسرة العرب، بينهم محامون يشترون الأرض من الأهالي بأسماء عربية، ثم يبيعونها لدائرة أراضي إسرائيل مقابل نسبة مئوية، وذلك أن الأهالي عادة لا يبيعون للسلطات.
الامتداد العمراني العربي أتى على حساب هذه الشجرة، لأن السلطة لا تمنح العرب فرصة شراء أرض للبناء، مما يسمى أراضي الدولة، كما تفعل مع التجمعات السكنية العبرية، هكذا يضطر العرب ممن يملكون زيتونا لاقتلاعه للبناء في مكانه، بل بات نضال العرب وممثليهم لأجل تحويل أراضيهم المزروعة بالزيتون إلى أراض للبناء وهذا خطأ فاحش، لأنه يعني خلال سنوات قليلة انتهاء احتياطي الأرض تماما في القرى والمدن العربية، بل أن بعضها وصل هذه المرحلة منذ سنين، والأصح هو أن يناضلوا لانتزاع أرض للبناء من ملكية الدولة وليس القضاء على أشجار الزيتون للبناء مكانها، خصوصا تلك المعمرة منها مئات السنين. عملت السلطة على أن تصبح زراعة الزيتون العربية غير مجدية اقتصاديا، فلم تعط إمكانية للري لزرع جديد إلا نادرا، وعرقلت الوصول إليها في المركبات، كذلك حاربت الزيت المحلي بالاستيراد من الخارج.
في العقود الأخيرة ازدهرت زراعة الزيتون في التعاونيات العبرية، وهي مروية بطريقة التنقيط، وهذا يعطيها ناتجا سنويا أكبر، بلا وقوع تحت تأثير تقلبات الطقس التي تعاني الزراعة البعلية منها، هذا في داخل مناطق الثمانية وأربعين.
أما في الضفة الغربية فإن نسبة مرتفعة من العائلات تعيش على الفلاحة، خصوصا في القرى، ويعتبر الزيتون مصدر معيشة أساسيا للكثيرين، لأنه يوفّر الحد الأدنى من الأمن الغذائي، خصوصا أن البطالة مرتفعة، والعمل داخل إسرائيل بات محدودا جدا، الأمر الذي يجعل التمسك بالأرض ضرورة حياتية، أما العدو الشرس للزيتون فهم المستوطنون الذين يحرقونه أو يقطعونه من جذوعه أو يسرقون الموسم قبل وصول أصحابه، بحجة أنها أرض إسرائيل التي غزاها وشجّرها العرب.
أما في قطاع غزة فمحظوظ من يملك أرضا، فأسعارها ترتفع شهرا بعد شهر، وتتحول الأرض الزراعية إلى ثروة كبيرة كلما اقترب البناء منها. أما زيتون اللاجئين في بلاد الله الواسعة أو اللاجئين داخل فلسطين نفسها منذ عام النكبة، فهو مصادر، وكثيرا ما تكتشف أن الدولة شريكة لك بقطعة أرض، إذا ما كان أحد أقربائك لاجئا، فتمنعك من التصرف بها أو بجزء منها إلا بموافقتها، هنا تجري عملية ابتزاز تؤكد لك أنك تتعامل مع عصابة قطاع طرق وليس مع سلطة ونظام، خصوصا إذا كنت بحاجة إلى البناء عليها، يعرضون عليك صفقة تبادلية، ومقابل كل متر منهم يطلبون عشرة أمتار منك في موقع آخر، هذا إذا كنت تملكها، وإذا لم يكن لديك ما تبادل به يرفعون ثمن التراب ليصبح ذهبا، هذا إذا قبلوا التنازل عنها أصلا، وعادة ما يرافق المفاوضات أوامر هدم وغرامات.
تقتلعها أنياب جرافات السلطة، سواء من أرض الأموال المتروكة في القرى المهجرة أو أثناء توسيع طرق ثم تعيد توطينها على جوانب الشوارع والدوارات والحدائق العامة في المدن أو المستوطنات الجديدة. تصادفك زيتونات تعرف من شكلها أنها مُهجّرة، فهي أسيرة قصوا لها شعرها ووضعوها على مدخل مدينة أو مستوطنة لتستقبل القادمين، مثل أولئك الذين يرغمونهم في أنظمة الاستبداد على الوقوف في جوانب الطرق لاستقبال مسؤول ويلوحون له بأيديهم بينما قلوبهم تدمع حزنا. رغم هذا، فهي شجرة البركة والسلام إذ تجتمع الأسرة لجمع حبّاتها ونقل الأكياس ومرافقتها إلى المعصرة ثم تقسيم الموسم بالعدل.
مقابل العبث الذي ذكر آنفا، هناك كثير من المجتهدين استصلحوا أراضي صخرية أو مهملة، فحفروا بالمعدات الثقيلة وبتكاليف باهظة زرعوها وجددوا العهد معها. هذا عوّض الناس كثيرا مما فقدوه من هذه الشجرة التي تعيش صراع بقاء ومعاناة وتمييزا عنصريا وصمودا، وتتعرض لمؤامرات مثلنا نحن البشر، فمنها المقيم ومنها اللاجئ ومنها المحروم من حقوقه، ومنها من يساومون عليه ومنها من خانوه ومنها من قضى نحبه ومنها من يتجدد، الزيتونة أمنا وجدتنا وأختنا وابنتنا ورفيقتنا وحبيبتنا، هي وجهنا الأخضر، هي سر من أسرار الله يسري في عروقنا.
كاتب فلسطيني

فلسطينيون رفسوا النعمة

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية