في معسكر بالغابة عام 1917، الرائد قد وقف أمام مخبأ الكتيبة يلمع تحت أشعة الشمس. إننا في حرب خنادق، منذ شهور طويلة ونحن في حرب خنادق، والآن في أغسطس وقد هدأ العدو، المُوَرِّدون يمدوننا بالمؤن، والسادة في كل مساء يشربون الشمبانيا، وفي النهار دائماً ما يختلقون شيئاً جديداً لكسر الملل ولكي يجعلوا الحياة تحفل بشيء من الاختلاف. وها هو السور من جذوع أشجار البَتُولا قد أقمناه حول مخبأ الضباط. لا شك أنه سيكون علامة مميزة بالنسبة للطيارين من جيوش العدو، لكنه مع ذلك يبدو جميلاً. جميل كتلك المناظر التي تحملها البطاقات البريدية المصوَّرة. حتى اللافتات قد وضعناها على كل الزوايا والأطراف. وقد رُوعِى في إنشاء مخبأ الضباط أن يتحلى بشيء من الفخامة والترف، بحيث لا ينقصنا شئ.. عفواً، السادة لا ينقصهم شيء. ها هو القائد البدين يقف في الشمس لامعاً متألقاً، ويفكر.. ما الذى يمكن إقامته اليوم. صحيح ‘ألم ينضم إلينا مؤخراً اثنان من الشباب يستطيعان العزف؟ ياي ياي يييييه.. أليس كذلك؟’- فمالَ المعاونُ للأمام قائلاً: ‘فعلاً سيدي الرائد، هذا حقيقى يا سيدى الرائد! رجلان من السَّرِيًّة الثالثة. أحدهما يعزف على الغيتار والآخر على الماندولين. يُقال أنهما في غاية الروعة. ربما أمكنهما هذا المساء.. إن كان يُسمح لى بالاقتراح أن…؟’ـ ‘إذن فليبدأ هذان الشابَّان في تمام التاسعة من مساء اليوم.. نَخْب الحرب’. وقد بَدَآ، بينما تتأرجح المصابيح الصغيرة في الهواء، والكازينو يتوارى وسط حلقة كثيفة من أشجار البَتُولا، ويحفل بأَجْوَد وأشهى المأكولات التي لم يرَ مثلها أبداً أىُّ جندى من جنود المشاة في إحدى الحروب: فطائر محشوة بكبد الإوز، أسماك باردة، خيار … والمشروبات: نبيذ أحمر، شمبانيا ونبيذ أبيض، والكثير الكثير من أنواع الخمور … والعازفان يقفان في خجل على مدخل هذه التكعيبة. أحدهما يجاهد غصَّة في حَلْقِه وقد كتبت له زوجته كيف أنها تقف لمدة ساعتين كل يوم في طابور من أجل الحصول على البطاطس ليس أكثر… ‘والآن اعزفا شيئاً بعضكما مع بعض!’ صاح بها الرائد منتشياً معتدل المزاج؛ فأحْكَمَ كلٌ منهما وضْع يده على الآلة، وتفاهما بنظرة عين ثم تصاعد الصوت، من بين الأصوات والحوارات المازحة للضباط، شجيا،ً مفعماً بالشجن ـ متوعداً ربما أو محذراً؟ـ بوضوح وبلحن سلس: ومن تاني ـ هنتلاقى.. على أرض الوطن ومهما يطول فراقنا أكيد.. هيجمعنا الوطن ***** صيف المدينة المتربة عام 1919. على باب الخروج بإحدى محطات القطار في برلين يقف رجلان من ذوي العاهات بثياب رثَّة: جيتار وماندولين. وكلما تدفق سيل من ركاب أحد القطارات إلى الشارع أحكَمَ كلٌ منهما وضْع يده على الآلة، وتفاهما بنظرة عين، ثم ينساب اللحن: ومن تاني ـ بنتلاقى.. على أرض الوطن ومهما يطول فراقنا أكيد.. بيجمعنا الوطن أين يا تُرى رأيت هذين الأشْيَبَيْن من قبل؟!