عبر أحد المعلقين على مقالي الأخير بعنوان: ‘المسلسل التلفزيوني يعود’ على الصفحة الإلكترونية لـ’القدس العربي’ عن خشيته بأن نحاكم ذات يوم بتهمة التفكير، ربما لأننا لا نملك سلاحاً سواه!
أمم غزت المريخ والقمر والمشتري وزحل، وأمم تقاتل من اجل رغيف الخبز وكراسي الحكام السماويين، وما بينهما من نحر وقتلٌ اعتدنا على رؤيته.
عالم يحاول أن يحاكي قدرات الخالق ومعجزاته، بأن يمخر عباب السماء ويقدم الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية وبركات الإنترنت وتقنيات النانو والحياة الإلكترونية بكامل مكوناتها، من تعليم وتجارة وصحة وحتى حكومة، وعالم تقتله فتاوى النكاح والبحر والكرسي وانتظار الخبز والسلاح وبقايا الكرامة.
نعم التفكير حق وصمته الثورة الفلسطينية ذات يوم بما اصطلح على تسميته بـ’التحشيش الفكري’ إلى أن ولدت حرية الفضائيات فدخلنا في حقبة ‘التنفيس الفكري’، وما تحمله من عنتريات فضائية وخطب مجدولة بالقصف الكلامي الفارغ وشعاراتٍ رنانة وانتقاداتٍ لاذعة وآلاف الساعات من المناظرات والنقاش المتعاكس والتقارير والأفلام الوثائقية والتحليلات الاستراتيجية والعسكرية، وتنظير المفكرين وحتى الملاكمة المتلفزة بين المتعاكسين وما يصحبه من قدح وذم.
نعم نحن نفكر لكننا اليوم لا نغيّر تماماً، كما فكر ذات يوم جاليلو وكوبرنيكوس حول الكون والفلك والرياضيات، فخضعا للمحاكمة فأعدم الأول ومات الثاني خلال المحاكمة قهراً، كونهما امتلكا جرأة القول بأن الشمس هي مركز المجرة وليس الأرض، وأننا ندور جميعاً حولها ويدور معنا ما اكتشفناه من كواكب وما لم نكتشفه، فأعدم جاليلو على خلفية ما كان البعض يعتقد بأنه تحدٍ للخالق وللدين والسباحة عكس التيار، لتكتشف البشرية بعد عقود أن الرجل كان على حق.
اليوم والحمد لله نمتلك حق التفكير والكتابة، ولا أمتلك شخصياً حق تحدي الخالق لأنني أؤمن به عز قدره، تماماً كما لا أؤمن بقتل أي روح على أرضية الفكر والعقيدة والدين والطائفة والملة والعشيرة والمنبت والجغرافيا، ولا أحب مشاهد الموت والقتل والتنكيل والانقسام والاحتكام للسلاح بكامل صنوفه.. ليس لأنني جاليلو زماني، بل لأنني أؤمن بأن الله عز وجل قد خلق الناس لتعيش وأطفالها وشبابها وشيبتها بكرامة وصحة وعافية ضمن مساحة كريمة من الإنسانية.
لذا فانني ومعي ملايين البشر، وكاتب التعليق المذكور، جاهزون للمحاكمة بتهمة التفكير والتحريض الإيجابي والتأكيد على حق الإنسان بالحياة والسعادة ودوام الصحة والعافية من أجل عالمٍ منجز. الدين والدولة والديمقراطية ليست حكراً على أحد، لكنني أرفض أن تكون مساحة لتشريع القتل أو البطش، وأرفض أيضاً أن يضيعوا وقتي في الانشغال بالبحث عن فتات الكرامة والمشاغلة عن الإنجاز والتقدم باتجاه ما هو أسمى. وهنا لا أخفي ازدرائي للاجتماعات العقيمة التي تجلس على أطنان من أعقاب السجائر، وتحتكم لهموم الدنيا ويعيش الناس شتاها ويختلفون، من دون نتائج بحثاً عن موقف أو بغية تسجيل حضورهم صوتياً أمام المستمعين المساكين! نعم العالم أكبر من صاروخٍ للموت ومدفعية للدك والدم وجغرافية الاحتلال وعصبية الإنسان في عقيدته ومشاربه. لكن المرء، وهنا اعترف، لا يمكن إلا أن يتأثر بمحيطه ويعايشه ويحاكيه ويعود بالتفكير إلى كوكبه وعالمه ومجتمعه، فيعاود محاولات التأثير بالكتابة والرأي والموقف. وهنا تكمن المصيبة الإكراهية التي نقبل بها طواعية واستسلاماً بحثاً عن فرص التغيير أو حتى الموت قهراً.
لذا فلتبدأ محاكمتي بتهمة التفكير في عالمٍ أدعوه ليتخلى عن جنونه ويبحر باتجاه أحلامه ليسعى ويسعى الله معه، لا عالما لم نعد نرى فيه إلا تجبّر الإنسان على الإنسان في معركة الاعتقاد بأن كلاً منا على حدة يمتلك ناصية الصواب … ويستمر التفكير..
‘ كاتب فلسطيني