خلَّف اليونانيون للإنسانية تراثا فلسفيا ومسرحيا غنيا، لا يمكن دراسة تاريخ الفلسفة وتاريخ المسرح بدون العودة إلى هذا التراث، الذي عرف نموا مطردا، وكانت قد بدأت إرهاصاته الأولى مبكرا مع هوميروس وربما قبله، ثم وصل إلى مرحلة النضج والاستواء مع شعراء التراجيديا الكبار أسخيلوس (525- 456 ق.م)، سوفوكليس (479-405 ق.م)، ويوربيدس (484-406 ق.م)، فضلا عن أرسطوفان (445-385 ق.م) شاعر الكوميديا، ومع فيلسوفين عظيمين هما أفلاطون (428-347 أو 348 ق.م) وأرسطو (384-322 ق.م)، وقبلهما كان سقراط (469-399 ق.م) الذي لم يخلّف أثرا مكتوبا، ولكنه خلف منهجا في البحث عن الحقيقة يعتمد على السؤال والحوار. في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد عرف هذا التراث أوج عظمته، لاسيما في أثينا بوصفها مدينة/دولة. بعد هؤلاء الثلاثة كان ما اعتبره عبد الرحمن بدوي خريفاً للفكر اليوناني.
نستنتج من التواريخ السابقة أن العصر الذهبي للتراجيديا اليونانية، قد لا يتجاوز التسعين سنة. أما العصر الذهبي للفلسفة اليونانية، حيث بلغت أوجها مع أفلاطون وأرسطو، فقد لا يتجاوز ستة عقود من الزمان، إذا أضيف إلى زمنيهما زمن سقراط. لكن قبل العصر الذهبي لكليهما، أي المسرح والفلسفة، كانت هناك إرهاصات وسيرورة تاريخية لم يغفلهما كتاب الناقد لحسن قناني، حيث تحدث عن زمن البدايات، وأشعار هوميروس وهزيود، التي ربطها أفلاطون في الكتاب الثاني من جمهوريته، بالخيال والكذب والباطل وليس بالحقيقة والعقل. هذا التراث اليوناني الفلسفي والمسرحي، الذي كان بين القرنين المذكورين، هو موضوع هذا الكتاب، وبالتحديد العلاقة بين المسرح والفلسفة في ذلك التراث.
الشعر وإفساد العقول
بدأ الكاتب من تحديد منطق الفلسفة ومنطق المسرح. لكلمة منطق في هذا الاستعمال معنى محدد يتعلق بتحديد خصائص كل منهما أو مكونات كل منهما، كل على حدة، الفلسفة باعتبارها تفكيرا تأمليا وعقليا ونقديا ونسقيا، والمسرح باعتباره فنا ونصا وعرضا.لكل منهما منطق خاص أي نحو (Grammaire) خاص به.
بعد هذا التحديد ركز البحث على العلاقة بينهما. انتقلت هذه العلاقة من النزاع والتنافر والصراع بينهما إلى الالتقاء. وفي علاقة النزاع أسهب قناني في عرض موقف أفلاطون من الشعر والشعراء، وضمنهما الشعر التراجيدي وشعراء التراجيديا، الذي طرد الشعراء عموما من جمهوريته. سبب هذا الطرد يتعلق بعلاقة الشعر بالحقيقة والعقل، وتأثيره على عقول الشباب. نتيجة هذا التأثير عنده هي الفساد والإفساد، فساد تلك العقول بعد إفسادها، بسبب نشر تلك الأشعار بين الناس، لأنها تقدم الآلهة والأبطال بطريقة مشوَّهة حسب رأيه، إذ لا يجوز تقديم الآلهة وهي تشن الحرب أو تحيك المؤامرات ضد بعضها بعضا. زد على ذلك، أن الشعر عموما، بالمعنى اليوناني ومنه المسرح، عنده ليس سوى محاكاة للمحاكاة. ولذلك فهو محاكاة من درجة ثانية لأنه يحاكي الظل. وعليه، فهو بعيد عن الحقيقة التي هي غاية الفلسفة.
المحاورات وسمة المسرحة
لتقديم رأي أفلاطون رجع لحسن قناني إلى محاورات أفلاطون. وكانت هذه المحاورات، لكل واحدة عنوان محدد، قد اتُخذت شخصية سقراط شخصية رئيسية فيها. من خلال شخصية سقراط في المحاورات تم تقديم آراء فلسفية عديدة لأفلاطون تتعلق بالإنسان والكون والوجود، والنفس وعلاقتها بالجسد إلخ، ومنها رأيه في الشعر عموما، وكذلك رأيه في الفلسفة. تبعا لهذين الرأيين تحددت العلاقة بين الفلسفة والمسرح أو المسرح والفلسفة حسب منظوره. لكن المفارقة التي تحدث عنها هذا الكتاب بإسهاب هي أن سقراط، سقراط التاريخي وليس سقراط المحاورات، هو نفسه كان يستعمل، مثل سقراط المحاورات، أداة أساسية لا يمكن تصور وجود مسرح بدونها، هذه الأداة هي الحوار. من هنا جاء تعبير «الحوار السقراطي» الذي يعتمد على السؤال والتوليد. والحوار عنصر أساسي وجوهري في البنية الدرامية ومنها البنية التراجيدية.
التقاء المسرح والفلسفة
لكن رغم موقف أفلاطون، فإن هذا الكتاب بحث عن مظاهر الالتقاء بين المسرح والفلسفة. هذه المظاهر بعضها خارجي وبعضها داخلي. تتجلى المظاهر الخارجية في عوامل النشأة المشتركة بينهما. في هذا السياق، كشف الكتاب عن العامل الاجتماعي والعامل الاقتصادي والعامل السياسي والعامل الثقافي. وهي عوامل متضافرة، كانت نتيجة تضافرها أن تبوأت ثقافة وعلوم اليونان عموما، التي أطلق عليها العرب في العصر العباسي بعد تأسيس «بيت الحكمة» في بغداد علوم الأوائل، مكانة خاصة في تراث الإنسانية. رأى الناقد أن هذه العوامل الخارجية كانت سببا في ظهور المسرح والفلسفة معا عند اليونانيين القدماء، وبالإضافة إلى العوامل الخارجية، بوصفها عوامل التقاء بين المسرح والفلسفة من حيث النشأة، توجد كذلك في الكتاب مظاهر التقاء أخرى منها علاقة كل منهما بالأسطورة وتقنية الحوار. وإذا كانت محاورات أفلاطون تشترك مع النص الدرامي، ومنه النص التراجيدي، في تقنية الحوار، فإن الجسد الفلسفي يشترك مع العرض المسرحي في التعبير بواسطة الجسد. الجسد الفلسفي في هذه الحالة علامة، وكذلك الشأن بالنسبة للجسد المسرحي. مع الجسد الفلسفي كانت مسرحة الفكر، وكان الانتقال من المجرد إلى المحسوس وليس من المحسوس إلى المجرد كما هو معتاد ومعروف في الفكر الفلسفي. في إطار مسرحة الفكر والتعبير الفلسفي عن طريق الجسد تم استحضار ديوجين صاحب المصباح.مع ديوجين كان الفكر في حالة فعل.
مفارقة أفلاطون
وإذا كان الكتاب قد قدم تفسيرا سياسيا محتملا لطرد أفلاطون من جمهوريته، يتعلق هذا التفسير بالنظام الديمقراطي في أثينا والدراما لارتباطهما بالواقع وليس بعالم المُثُل، فإن هذا الأخير، مع ذلك، عبر عن فكره بأسلوب مسرحي في محاوراته كما بيَّن ذلك لحسن قناني في هذا الكتاب. لم يستعمل الخطاب الفلسفي الأفلاطوني الحوار فقط في المحاورات، بل استعمل كذلك وسائل كوميدية منها السخرية والضحك. لهذا حكم الناقد لحسن قناني على نفي أو طرد أفلاطون الشعراءَ من جمهوريته واستعمال وسائلهم في خطابه الفلسفي بكونه مفارقة.
وفي الأخير.. يمكن القول بأن أطروحة هذا الكتاب تتجلى في نقض ونسف ما أقدم عليه أفلاطون في جمهوريته حين نفى أو طرد الشعراء منها.
٭ كاتب مغربي
أحمد بلخيري