عن مقولة الاستثناء التونسي

بعد الانقلاب على بورقيبة يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987، استباقا بذلك لخطة الانقلاب التي يقال إن بعض ضباط الجيش من أعضاء ما كان يعرف آنذاك باسم الاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقا) كانوا قد أعدوا لتنفيذها يوم 6 تشرين الثاني/نوفمبر، حصلت إجراءات انفتاحية شملت إخراج القياديين الإسلاميين من السجون. وبعد ذلك بأقل من عامين غادر السيد راشد الغنوشي تونس متوجها إلى الولايات المتحدة في جولة طويلة قبل أن يستقر به المقام في بريطانيا لاجئا سياسيا لأكثر من عقدين. في الطريق إلى الولايات المتحدة توقف الغنوشي في باريس وأدلى بتصريحات للصحافة الفرنسية. وكان أحد الأسئلة الموجهة إليه يتعلق بتعدد الزوجات. فكان أن أجاب: ائتوني بدليل واحد في أدبياتنا على أننا نطالب بتعدد الزوجات. ثم تساءل في دعابة ذات دلالة، بالنظر إلى شدة غلاء المعيشة وصعوبة الأحوال المادية لمعظم المواطنين وكثرة العراقيل التي تضعها العادات الاجتماعية والاشتراطات العائلية أمام الشباب الراغب في الزواج: هل للرجل التونسي الآن القدرة على الزواج بامرأة واحدة حتى يخطر بباله موضوع الزواج بأربع؟
ليست هذه الملاحظة التي أبديت عام1989 واقعية فحسب، بل إنها تنطبق على الواقع الاجتماعي في تونس اليوم أكثر بكثير من انطباقها عليه قبل ثلاثة عقود. ذلك أن تطبيق تعدد الزوجات في تونس شبه مستحيل حاليا من الناحية العملية بسبب رداءة أوضاع المعيشة وانتشار الفقر ووقوع كثير من الشباب في شرك البطالة. وهذا وضع اجتماعي مأساوي مستفحل ولا ينفك يتفاقم منذ سبعينيات القرن العشرين. وأظن أن هذا الواقع في حد ذاته كفيل بإغلاق باب النقاش حول تعدد الزوجات في تونس وتجنيب الرأي العام مشهد معركة الجدال والسجال التي اندلعت بسبب ما قالته إعلامية مصرية حول الموضوع.
طبعا من المطلوب التحاور في كل مجتمع عربي حول سبل الوصول لأمثل الحلول لمعضلة العزوبية والعنوسة ولمشكلة الحاجة الجنسية التي يتظاهر المجتمع، نفاقا، بأنه لا يسمح بتلبيتها إلا في إطار الزواج، ولكن عاداته وتقاليده تتضافر مع رداءة أوضاع المعيشة لجعل أمنية الزواج مستحيلة التحقيق بالنسبة لكثير من الشباب. على أن هذا الحوار يفترض، كمدخل أوّلي، وجوب التحرر من المسبقات الايديولوجية المسبّبة للحرب الأهلية الباردة بين الحداثيين والتراثيين، ووجوب البحث عن الحلول العملية التي تلبي الحاجات الإنسانية، حتى تكون تلبية الحاجات منطلقا لتحرير الطاقات.
والملاحظ أنه قد انتشرت في تونس في الأعوام الأخيرة حالة مزاجية من الضيق والتبرم بعد كل تعليق يأتي من مصر أو الخليج حول القوانين أو الممارسات الاجتماعية عندنا. وسبب الضيق والتبرم أن الاعتقاد شائع في البلاد بأن هنالك استثناء حداثيا تونسيا، وأنه لا يحق للبلدان «المتخلفة» في مجالات التشريع الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة، أن تتطاول على بلاد عربية سباقة إلى التحديث والتحرير والمساواة بين الجنسين. إنها حالة مزاجية يمكن أن يلتمس لها بعض العذر لبعض الوقت. أما أن تستمر طيلة هذه السنوات، فهذا غير مفهوم. ولا يقتصر الأمر على عقدة الاستعلاء، إن جاز التعبير، بل يتجاوزه إلى حد القول، كلما تعلق الأمر بتصريح مصري أو خليجي، إن هذا شأن تونسي بحت لا يحق للآخرين التدخل فيه. وينسى من يقول ذلك أن هنالك جمهورا (حتى لا نقول أمة) عربيا واسعا يهمه شأن العرب أينما كانوا، وأن هذا الجمهور الواسع من المحيط إلى الخليج واقع حاصل. ولا يمكن لأحد إنكار هذا الواقع لمجرد أنه يعتبر أن هويته ليست عربية وإنما هي حصرا تونسية أو كويتية أو مصرية، الخ. فالتشبث بانتماء قطري محدود لا يمكن أن ينفي رحابة المجال الاجتماعي والثقافي العربي، لأن الوعي الايديولوجي لا يمكن أن ينال من حقائق الواقع المموس.
أما مقولة الاستثناء التونسي فإنه مبالغ فيها، على الأقل في موضوع تعدد الزوجات. إذ أن منع التعدد لم يكن شغلا شاغلا لدى النخبة الوطنية في تونس إبان الاستقلال. وإنما كان الأمر يتعلق أساسا بقناعات الزعيم بورقيبة الشخصية. وهي قناعات متجذرة في شعور القهر الذي ظل يلازمه بسبب ما كانت تقاسيه أمه، التي كانت عيناه تفيضان بالدمع كلما استذكرها في خطاباته، باعتبارها مثالا عن المرأة المهيضة الجناح في مجتمع ذكوري سمتاه الجهل والظلم، على النحو الذي صوره الطاهر الحداد في ثلاثينيات القرن العشرين.

٭ كاتب تونسي

عن مقولة الاستثناء التونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية