القاهرة ـ «القدس العربي»: بين الوضع الصحي الغامض لرئيس الوزراء والوضع الأكثر حرجاً الذي ينتاب أغلبية المصريين، لم تراوح الصحف المصرية الحكومية الصادرة أمس الجمعة 20 أكتوبر/تشرين الأول مكانها، في الإشادة بإنجازات الرئيس، التي لا تراها سوى الطبقة التي جنت ثروتها في زمن الديكتاتور المخلوع مبارك، ونجت بنفسها وثروتها عن الملاحقة القضائية، وباتت تحشد الآن بقوة لاستمرار الرئيس في سدة الحكم ولاية ثانية.
وعلى الرغم من عودة مرشحة مصر في «موقعة اليونسكو» بخفي حنين إلا أن صحف النظام استقبلتها بترحاب شديد، وحرص كتاب يدورون في فلك السلطة للتعامل معها وكأنها فازت بالمنصب السامي، للحد الذي دفع أحد الكتاب للحديث عن خسارة مشيرة باعتباره «هزيمة بطعم النصر»، وهو التشبيه الذي يعيد للأذهان ما كتبه احد المقربين من مبارك إثر حصول مصر على صفر في المنافسة على استضافة مباريات كأس العالم، حيث وصف الخسارة المخزية بأنها «صفر بطعم الفوز».
قليل من العقل هو ما تتحلى به آلة النظام الإعلامية التي تخطب ود السلطة في الوقت الراهن، وتسعى للحشد لولاية جديدة للرئيس، باعتباره صمام الأمان والقادر على تحقيق امنيات الجماهير.
وفي صحف أمس الجمعة تواصلت حملات الإشادة بالرئيس وهتف كتاب منددين بكل من يطالبون برحيله، ووصل اندفاع البعض لحد دعوة بعض أبواق السلطة لتقديم أي شخص ينادي بعدم استمرار السيسي في الحكم للمحاكمة. ومن تقارير أمس التي اهتمت بها معظم الصحف: السيسي يشهد مناورة «ذات الصواري» ويتفقد الوحدات البحرية الجديدة. كما تعرض البرلمان للهجوم وكذلك الحكومة بسبب تردي أداء كليهما. واهتمت «الأهرام» بدراسة حديثة كشفت أن السبب الحقيقى لوفاة كليوباترا ملكة مصر في عهد البطالمة ربما كان تعرضها لرماد بركاني ناتج عن التغيرات المناخية، التي كانت سببا رئيسيا في انهيار الحضارة المصرية القديمة. كما أدت هذه التغيرات إلى اضطرابات وفوضى ومجاعة، نتيجة الأزمة الاقتصادية لانحسار فيضان النيل بضعة أعوام، نظرا لحدوث ثورات بركانية على مدى سنوات. وقد تحدثت كتابات تاريخية عن انقطاع الفيضان، ثلاث سنوات، خلال حكم كليوباترا. وتنفي هذه الفرضية رواية شكسبير الشهيرة في «أنطونيو وكليوباترا» عن انتحار ملكة مصر بسم الأفعى بعد موت حبيبها أنطونيو.
عقولهم في إجازة
«حماس وأهل سيناء، كما ترى سوزان حرفي في «المصري اليوم»، هما كلمتا السر في كل العمليات الإرهابية التي تقع، هكذا تريد أجهزة الدولة وإعلامها أن نكرر ونكرر حتى نصدق ونصمت، لكن الواقع يصرخ بما لا يقبله إلا مختل العقل، فكيف نفهم أن «حماس» كانت المتهم الأول في دعم الإرهابيين، ثم نقبل فجأة بالتفاهم معها من باب الاحتواء وليس المواجهة!
الأمر ذاته يتعلق بأهل سيناء المتهمين في ولائهم وانتمائهم للدولة، فهم حاضنة الإرهاب وبنكه البشري، بدون أن يوجد تفسير في المقابل للعمليات التي تقع خارج حدود سيناء، لكن بقليل من إدراك وبعض من نظر، نجد أن هذه السياسة في إدارة ملف الإرهاب لا تختلف عن السياسة العامة المتبعة في إدارة الدولة، فكل ما يواجه الشعب من أزمات اقتصادية واجتماعية يعود عند المسؤولين لزيادة عدد السكان، وغياب ثقافة العمل لدى المصريين وتدنى الكفاءة، وليس لسوء إدارة هذه الثروة البشرية، ولا لغياب خطة وبرامج بناء المواطنين، ولا لانعدام المشاركة المجتمعية التي تحدد أولويات الإنفاق، وسبل تعزيز المواطنة.
يتعامل النظام مع الشعب على أنه «فائض فوضى»، وهذا الفائض لا يحتاج إلا لفرض الوصاية عليه، على النهج المنفرد نفسه، قامت المؤسسات العسكرية بهدم وملاحقة الأنفاق مع قطاع غزة، ثم قررت تهجير كل سكان الشريط الحدودي. كل ذلك ولا تزال الهجمات الإرهابية مستمرة، ولا يزال نزيف أبنائنا المجندين ساريا، وبعد كل عملية نوعية للإرهابيين يتم الحديث عن أنها دليل يأس لديهم، ودليل نجاح للدولة، ولا أفهم كيف يكون الهجوم على ثلاثة كمائن في قلب مدينة العريش، واستمرار المواجهة بالأسلحة لما يقرب من ساعة، والسطو في أثنائها على أحد فروع أكبر بنوك الدولة وسرقته، كيف يكون كل ذلك دليل يأس؟».
حبسوه لأنه بريء
«قالت منظمة العفو الدولية إنه يجب على السلطات المصرية أن تفرج فوراً، وبدون قيد أو شرط، عن الصحافي والمدافع عن حقوق الإنسان، هشام جعفر، الذي يمضي على حبسه تعسفاً، في 21 أكتوبر/تشرين الأول، عامان بدون أن يقدم للمحاكمة. وهو محتجز في ظروف لا إنسانية، وقد قضى فترة مطوّلة رهن الحبس الانفرادي، ما تسبب بتدهور خطير في صحته. وكانت قوات الأمن قد قبضت على هشام جعفر كما كشفت صحيفة «البداية» بتهم ملفقة، في أكتوبر 2015، ودأبت هيئة قضائية، منذ ذلك الوقت، على تجديد حبسه الاحتياطي بصورة متكررة، بدون تَفحُص للأدلة الواهية التي قدمتها نيابة أمن الدولة العليا ضده. وتعليقاً على استمرار حبسه، قالت نجية بونعيم، مديرة الحملات لشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، إنه «لمن المعيب إكراه هشام جعفر على أن يقبع لسنتين خلف القضبان. وحبسه الاحتياطي التعسفي المطوّل قبل المحاكمة، ليس سوى دليل إضافي على إساءة القضاء المصري استخدام نظام العدالة الجنائية لمعاقبة المنتقدين السلميين وأصحاب الرأي المخالف.فهشام جعفر سجين رأي محبوس لسبب وحيد هو عمله من أجل حقوق الإنسان. وما كان ينبغي أبداً أن يحبس في المقام الأول. وحبسه التعسفي المطوّل كل هذه المدة خرق فاضح للقانون المصري والقانون الدولي، على السواء، وينبغي على القضاة أن لا يسمحوا بتمديده حتى ليوم واحد آخر. وهشام جعفر، البالغ من العمر 53 سنة، هو مدير «مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية»، المنظمة غير الحكومية التي تقدم المشورة والتدريب والمعلومات بشأن قضايا عديدة في مجال حقوق الإنسان والأمور التنموية. ودأب قبل القبض عليه على إجراء أبحاث بشأن العنف الطائفي والتحول الديمقراطي في مصر».
إنجاز محل شك
«مهما كان الخلاف في الرؤى حول هذه العاصمة الإدارية إلا أننا، كما يعترف فاروق جويدة في «الأهرام» أمام إنجاز تاريخي كبير، ولكن السؤال الذي دار في رأسي إذا كان هذا هو حال العاصمة الإدارية الجديدة فماذا عن قاهرة المعز التي ستخلو مبانيها وتنتقل مؤسساتها ويذهب مسؤولوها إلى مكاتبهم في العاصمة الجديدة، خاصة إذا علمنا أن 1000 مكتب تنتظر أعضاء البرلمان في مبناه الجديد. إن السؤال الذي ينبغي أن نبحث له عن إجابة هو، ما هو مصير الوزارات والمؤسسات القديمة في قلب القاهرة، وهي مبان تاريخية بعضها لا يصلح للاستخدام الآدمى والبعض الآخر أماكن أثرية تاريخية لها قيمتها، كما أن موقعها الجغرافي في قلب القاهرة يمثل قيمة مالية لا تقدر بثمن؟ نحن أمام 18 وزارة معظمها يقع في قلب القاهرة التاريخية، وهي وزارات الإسكان والصحة والتربية والتعليم والتعليم العالي والتموين والخارجية والإنتاج الحربي والعدل والأوقاف ومجلس الوزراء والبرلمان. هذه المساحة تبلغ آلاف الأفدنة وملايين الأمتار لأنها تمتد من ميدان التحرير إلى قصر العيني والمبتديان، وفيها أيضا مبنى وزارة الداخلية، وقد انتقل إلى التجمع الخامس.. ماذا ستفعل الدولة أولا بهذه المباني؟ وثانيا ماذا ستفعل بهذه المساحات الضخمة من الأراضي؟ لا بد أن نعلم أن من بين هذه الوزارات قصورا تاريخية، مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة الإنتاج الحربي ووزارة الصحة ومبنى مجلس الوزراء ومبنى البرلمان العريق.. وفي ميدان لاظوغلي حيث مبنى وزارة العدل وأمامه قصر إسماعيل باشا صدقي ويمتد من الميدان حتى شارع المبتديان ومدرسة الخديوي إسماعيل وهذا المبنى يقع على مساحة تبلغ 23 فدانا وليست هذه هي القاهرة وحدها».
نهار بلا ضوء
«الأمل شيء جميل، لكن الواقع، حسب مي عزام في «المصري اليوم»، يخذلنا، فهل نتصور أن مشاكل غزة ستُحل بعد أن تصبح تحت سيادة فتح؟ أم أن الرئيس عباس نفسه في ورطة؟ حل الدولتين الذي طال الحديث عنه أصبح معقدا للغاية، على أي حدود ستُقام الدولة الفلسطينية؟ حدود 4 يونيو/حزيران 67، التي التهمتها إسرائيل وأقامت عليها مستوطنات جرفت الأرض الفلسطينية، التي تحمل ذكريات الفلسطينيين؟ إسرائيل تسير على نهج المهاجرين الأوروبيين الأوائل في أمريكا، وما فعلوه مع الهنود الحمر، فهي تسعى إلى طمس الهوية الفلسطينية، وعلى الفلسطيني أن يقبل بالهوية الإسرائيلية ليتعلم ويعيش. بعد عقود من الاحتلال لم يبق من التراث والثقافة الفلسطينية سوى القشور: ملابس فولكلورية وأكلات شعبية وبعض العادات والتقاليد يتم استدعاؤها في المناسبات وأمام الكاميرات، مثل ضفائر الهنود الحمر والريشات التي يتوجون بها رؤوسهم ويظهرون بها في أفلام الغرب الأمريكي، إسرائيل تسعى لنزع هوية الفلسطيني ليصبح شخصية متحفية يتم النظر إليها باعتبارها مجرد أثر. نسمع كثيرا ونتكلم أكثر، لكننا لا نهتم بالمعرفة، مصطلح صفقة القرن الغامضة يتكرر كثيرا مثل «الفنكوش» في فيلم عادل إمام، شيء ما يتم العمل عليه، لكن لا أحد يعرف حقيقته وآثاره إلا مَن يصنعه في معمله، والمنطقة العربية كلها خرجت من دائرة التصنيع للاستهلاك، حتى ما يخصنا ويدخل في صميم مستقبلنا لا ندري عنه إلا الفتات، لماذا يتحدث بلير الآن عن حماس، في كتاب يصدر عن غزة، لماذا الآن، وهو الشخص المعروف باحتياله وكذبه، وأنه يبيع مواقفه لمَن يدفع الثمن؟ التفسير الوحيد أن هناك أطرافا إقليمية ودولية تسعى وبقوة لتحسين صورة حماس، لأنها طرف لا يمكن إهماله في الصفقة، التي تُعتبر غزة جزءا أصيلا فيها، لإعادة رسم ما يحيط بها، وكالعادة يتم تبشيرنا بالجنة في حال إقرار السلام».
شبه رئيسه
«لماذا فضلت السلطة السياسية في مصر أن توفد عمرو أديب تحديدًا، دون غيره من إعلامييها، إلى «غزة» ممثلًا إعلاميًا لها، رغم أن هذه السلطة تدرك جيدًا، كما يؤكد حسام عقل في «المصريون» حجم التحفظ المصري والعربي تجاه عمرو أديب؟ وفي دراسة الحضارات الإنسانية عمومًا، فإن الأنظمة والسلطات السياسية، في كل العصور، تحرص دائمًا على اختيار وجه إعلامي يمثلها، ويعكس توجهاتها، ويسرب رسائلها، ويمثل وجهها الديكوري الأنيق، الذي تحرص على تصديره للآخرين، مخلوطًا بكل الأصباغ والمساحيق (الماكياج) بما يجعله وجهًا جذابًا، نافذًا في القلوب بخصائصه وسماته الشكلية والأدائية. خلف كل وجه إعلامي، إذن، فلسفة خاصة للأنظمة والسلطات، تحرص على الترسيخ لها، فما الفلسفة الحاكمة التي جعلت السلطة السياسية في مصر تختار عمرو أديب مدافعًا، بوضوح دون غيره، عن سياساتها في الداخل، ومجسدًا لصورتها في الخارج على نحو ما بدا في مشهد المصالحة الفلسطينية؟ وبوضوح فإن عمرو أديب لا يمكن أن يكون (إعلاميًا ناجحًا) في أي وطن آخر سوى مصر، بسياقاتها الاقتصادية والطبقية الحاضرة، فمن الوجهة الإعلامية البحتة لا يملك الرجل أي مهارات احترافية – إعلامية بالمعنى المعروف في علم الإعلام المعاصر، اللهم إلا الصراخ الغوغائي طول الوقت بطبقات صوتية منفرة، وبأداء إشاري موغل في الاستفزاز، وبألفاظ نابية، في كثير من الأحيان وشق أديب طريقه على قاطرة رأس المال السياسي في ثوبه الجديد، متحديًا مشاعر الملايين، أو مفروضًا عليهم، حملًا فوق كيانات أمنية فاعلة، تشد ظهره كلما هم أن ينكسر، وتعيده إلى خشبة المسرح الإعلامي، كلما أزاحه الضمير الشعبي عن الواجهة! ولا تمثل لعنات الملايين أو نظراتهم الساخطة، أي أزمة لعمرو أديب».
«حكومة لولوة!»
ومن معارك أمس ضد الحكومة تلك التي أطلقتها غادة شريف في «المصري اليوم»: «بين الكلام الملتوي والكلام الزجزاج والكلام الملّولِو يا حمادة هناك فرق وفروقات.. فالكلام الملتوي هو الذي يظهر غير ما يبطن، وأما الكلام الزجزاج فهو اللي مرة فوق ومرة تحت مثل عمك عبدالفتاح القصري عندما كان يصر على رأيه، لكنه بشخطة واحدة كانت كلمته بتنزل المرة دي، أما الكلام الملولو فهو حكايتنا مع الزمان، حيث إن كل ما تقوله لك الحكومة زي ما انت شايف كده! في يقيني إن الحكومة لا بد أن تحصل على براءة اختراع للكلام الملولو، حيث إن كل كلامها مزيج من الكلام الملتوي الذي لا يحمل نية سليمة، والكلام الزجزاج، والكلام اللي ساعة يروح وساعة ييجي، والكلام الناعم والكلام الخشن، يعني تقدر تقول إنها تشكيلة بقوليات فاقت تشكيلة الكشري ولهذا فهو ملولو. لست أدري لماذا لم تتعلم الحكومة بعد أن طريقة أنابيب الاختبار أصبحت مكشوفة لدى جميع الناس.. اللي بيفهم واللي ما بيفهمش.. سياسة إطلاق القرار في صورة إشاعة ثم نفيها على ضوء ما تحدثه من جدل وجلبة، أصبحت سياسة قديمة جدا تم إبطالها مع إبطال الميني جوب والبنطلون الشارليستون! لكن طبعا النفي لا يأتي بشكل فوري فهم يردون على الجدل بجدل وعلى الهجوم بدفاع مستميت، وما إن يتبقى تكة ويتضربوا تجد النفي الصريح يصدر من أعلى مصدر مسؤول عن هذا القرار.. لكن الواقع السيئ أيضا يقول إنه أصبح لدى الحكومة ميل لخداع النفس.. فهي تطلق الشائعة بالخبر الذي تريده ثم تطلق كتائب المدافعين في الفضائيات، ورغم علمها بأن هؤلاء المدافعين هم كتائب مجندة إلا أنها تصدقهم فتسعى لتنفيذ القرار. الظاهر يا حمادة أن تحول الإعلام للصوت الواحد أصبح مثل الحفرة التي حفرها أحدهم لغيره فوقع فيها. خذ كل ما صدر من قرارات مؤخرا كمثال حي على الكلام الملولو، فقبل حدوث زيادة في سعر أي سلعة من السلع التي يشملها رفع الدعم كانت تنطلق الإشاعة.. ثم تنتشر الإشاعة بين الناس فيرفضونها.. يصل الرفض لدوائر صنع القرار فيحشدوا الكتائب الإعلامية للدفاع عن القرار موضوع الإشاعة.. تزداد الجلبة ويحتدم الجدل فى الشارع المصري، في المقابل يزداد الدفاع من الكتائب على الفضائيات.. السؤال بقى هل سنعيش كثيرا في ظل هذا الكلام الملولو حتى أصبحت اللولوة أسلوب حياة؟ ما أراه أن الشعب أيضا أصبح يرد على لولوة الحكومة بلولوة مقابلة، فهو يظهر التأييد للقرارات، بينما الشتيمة تتزايد في المجالس والتجمعات حتى إن كل واحد لوحده الآن بقى ماشي يشتم في الهوا! لذلك إذا خوفوك من إسقاط الدولة يا حمادة، فقل لهم لما أولا يشوفوا حل للولوة الدولة».
لهذا فشل النظام
«خلفت تجارب النظم الجمهورية كوارث قومية في العالم العربي وانتهت، كما يشير جمال سلطان في «المصريون»، معظمها إلى تفتيت بلدانها وتشظيها، فضلا عن انهيار مقومات الدولة، ويمكن النظر بسهولة إلى تجربة العراق أو سوريا أو اليمن أو ليبيا، على سبيل المثال، وكلها دول في طريقها إلى التقسيم الآن، كما أن النظم الجمهورية التي رفعت شعارات قومية انتهت إلى الفكرة «القطرية» وتقسيم المقسم، بل إن النخبة العسكرية التي حكمت مصر بعد حركة الجيش في يوليو/تموز 1952 تنازلت عن أكثر من نصف البلاد طوعا بعد أقل من ثلاث سنوات من توليهم الحكم، فانفصل السودان، الذي كان يقول الزعيم الوطني المدني مصطفى النحاس عنه: «تقطع يدي ولا ينفصل السودان». العسكريون تركوه بكل سهولة، والفكر الاشتراكي الذي استخدموه حينا لستر وضع الإفقار الذي فرضوه على شعوبهم انتهى إلى نظم رأسمالية فاسدة ومتوحشة وفوضوية، والنضال ضد «إسرائيل» الذي طالما تاجروا به انتهى إلى سباق من أجل تعزيز العلاقات معها سرا أو علنا، أو خدمة مشروع السلام الأمريكي المطروح، ودع عنك أن كل تلك التجارب انتهت بدولها وشعوبها على المستوى التعليمي والصحي والتقني والبيئي والإنساني إلى قاع الأمم. مرت البشرية بأطوار من النظم السياسية، من النظام الإمبراطوري العابر للقارات إلى الممالك الممتدة عبر الطوائف والأعراق إلى الدولة الدينية إلى الدولة القومية، ولا ندري إلى أي مرسى آخر سترسو رحلة البشرية في المستقبل».
خطايا ثورية
الحرب على ثورة يناير/كانون الثاني ورموزها هدف لا يحيد عنه دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «دائما ما يلجأ هؤلاء الذين هبطوا علينا في ليلة 25 يناير 2011، حالكة السواد، إلى سياسة لي عنق الحقيقة واتهام كل من ينتقد نهجهم وسياستهم ويعري مواقفهم، بأنه أمنجي، ولجنة، ومسخر من كل الأجهزة الأمنية المحلية والإقليمية والدولية لتشويه صورتهم، وصورة كل ثائر ينايري. وإذا كنّا كذلك، فما البال بشهادة كاتب وروائي وشاعر وسيناريست وأكاديمي، تونسي شهير، في حق علاء الأسواني ويوسف زيدان تحديدا؟ هل نطعن في شهادته الموثقة، خاصة أن الرجل ينتمي لدولة انطلقت من فوق أراضيها، أول شرارات ثورات الربيع العربي، كما يطلقون عليها، بجانب كونه كاتبا وأديبا وشاعرا وسيناريست وأكاديميا، وعندما يدلي بدلوه فلا بد لنا أن ننصت ونستمع له جيدا، ونتدبر في ما يقوله. الكاتب التونسي كمال العيادي، كتب مقالا مهما في موقع «دروب» يوم 26 يونيو/حزيران 2014، تحت عنوان «أكذوبة عربية اسمها يوسف زيدان وعلاء الأسواني» كشف فيه بالأدلة أن علاء الأسواني استولى على مخطوط «عمارة يعقوبيان» الذي ألفه والده عباس الأسواني وأدخل عليه تعديلات جوهرية، جميعها يَصْب في صالح يهود إسرائيل، وأعطاهم البوصلة، والحجة، ليبحثوا عن أملاك أجدادهم في مصر، بالاتفاق مع دور نشر إسرائيلية، التي ترجمت الرواية للغة العبرية ووزعتها في كل المدن والمستوطنات الإسرائيلية. ويقتطف دندراوي فقرات من مقال الكاتب التونسي يهاجم خلالها علاء الأسواني منها: حين حلّ رِكابنا المُبارك في مصر في آخر عهد حُسني مبارك، وتحديدا سنة 2009، بعد سفر طويل سلخ ربع قرن من حياتي، حرثت فيه في أحراش اللّغة وأدغال الأدب وغابات قلّة الأدب وفيافي الحياة وسباسب قلّة الحياء. تعمّدت أن أسكت وأراقب المشهد الثقافي في مصر، مُكتفيا بنشر نصوص أدبية ومهاجمة الإخوان والفساد السياسي فقط».
الأمل أهم من البنكنوت
من بين المتفائلين بالمستقبل عماد الدين أديب في «الوطن»: «يفشل العلاج، أي علاج، حينما يفقد المريض أي شعاع من الأمل. وفي حالات الإصلاح الذي تصاحبه إجراءات شديدة الصعوبة وارتفاع كلفة فاتورته على البسطاء والطبقات ذات القدرة المحدودة، يصبح الأمل هو الكلمة السحرية التي لا غنى عنها. وقبل أن يقول لي أحدهم «يا عمي الناس حتاكل وتشرب وتعيش بالأمل؟»، أرد وأقول إن القدرة الإنسانية للإنسان المؤمن تعادل أضعاف القدرة المتلاشية للإنسان اليائس. الطب النفسي يؤكد أن الروح المعنوية هي أقوى دواء للعلاج من الضغوط والأزمات النفسية، وأنها أكثر تأثيراً من فعل المادة الكيميائية والتركيبات الطبية الموجودة في العقاقير. علوم الأديان تتحدث عن أهمية الإيمان المطلق بوجود خالق عادل ومنصف ومدبر لهذا الكون يمكن اللجوء المباشر له في طلب الغوث والعون والشفاء والمساعدة والرزق. لذلك كله ليس مستغرباً أن تلجأ أجهزة الأمن في الحروب والصراعات العالمية إلى استخدام سلاح الحرب النفسية على الخصوم والأعداء، بهدف كسر إرادتهم وقتل معنوياتهم. هنا يتعين علينا ألا نحسب مقاييس القوى بالعناصر العددية والمادية، وعلينا أيضاً ألا نتجاهل الأثر العظيم للطاقة الإيجابية التي يولدها الأمل في النفس البشرية. إن مصر تعيش منذ سنوات تحت مظلة من التيئيس والشك والعدمية تجعلها دائماً في حالة إحباط وطني. إنني دائماً أترقب عمليات قياس الرأي العام في بلادنا كي أطمئن على رصيد الأمل لأنه في رأيي أكثر أهمية من رصيد البنك المركزي».
التجديد على مقاس أمريكا
«للسياسة الأمريكية والغربية عامة في وطننا العربي خطوط شبه موحدة لكنها دائمة وراسخة تتمركز، وفق ما يرى سيد أمين في «الشعب»، حول هدف استراتيجي واحد هو إقصاء إرادة الشعوب من المشاركة السياسية ووأد أي نشاط يقود إلى مشاركتهم في تقرير مصير أوطانهم، وذلك عبر صناعة نخب وقوى ومراكز تحكم تابعة، ولا مانع أيضا من قليل من الوجود الاستعماري الفعلي المباشر، ولا من صناعة بدائل لها مزيفة. ولعل مسألة الدعوة إلى إقصاء الدين من حياة المسلمين العرب وتجديد الخطاب الديني، التي كثر حديث السيسي حولها، تأتي كرد فعل غربي سريع على رغبة الشعوب العربية في الحكم وتقرير المصير، عبر حراك الربيع العربي، الذي تم وأده، ثم تلاه إرسال الغرب رسائله الضمنية للشعوب العربية التي تتضمن نقاطا معيارية واضحة مفادها «العلمنة مقابل المشاركة في الحكم». ثم أضيف إلى ذلك بند آخر يتضمن إنشاء قوة ردع لضمان تنفيذ البند الأول وعدم النكوص عنه وهو «ريادة إسرائيل على كل المنطقة العربية» وهو ما يفسر انطلاق دعاوى السلام الدافئ وصفقة القرن والهرولة الجماعية لنظم التبعية العربية تجاه تل أبيب، لكن هذه الرؤية أيضا ما زالت ناقصة، لأنها تسبغ على بعض الحكام جانبا من الوطنية لا يستحقونه مهما كان ضئيلا، وبعضا من الإرادة مهما كانت هشة، على خلاف الحقيقة، لأن الحقيقة أن المشاركة السياسية التي قد تسمح بها النظم الغربية للشعوب العربية، تلافيا لطول مقاومة شعوبها، تقتصر فقط على منحهم سلطة الوزارات غير السيادية، التي لا تضيف السيطرة عليها أي رصيد للحراك الوطني المقاوم».
زيدان مرعوب
قال يوسف زيدان، الكاتب والأديب، إنه لم يصف أحمد عرابي بـ«الفأر»، وأثارت تصريحات «زيدان» في برنامج «كل يوم» على فضائية «أون تي في» العديد من ردود الفعل، خاصة بعد حديثه عن الزعيم الراحل أحمد عرابي. وكتب زيدان في حسابه على فيسبوك يوم الخميس الماضي: «شيء غريب فعلاً ومريب.. خلال الليلات الثلاث الماضية، خصصت القنوات التلفزيونية قرابة عشرين حلقة للهجوم عليّ لأنني أهنت أحمد عرابي ووصفته بالفأر، وربما يستمر الهجوم هذه الليلة أيضاً، مع أنني لم أصف الرجل بذلك، وإنما سخرت من الصورة المدرسية التي قدّمته فارساً فوق حصانه، والخديوي واقف في طرف الصورة كالفأر». وأضاف: «ثم ذكرت حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن عرابي كان السبب في احتلال الإنكليز لمصر سبعين عاماً، الأهم أن الحلقة التي قلت فيها ذلك بشكل عابر، وامتدت ساعة ونصف الساعة، كانت بعنوان (رحيق الكتب) وكلها دعوة للقراءة وإعادة النظر في المفردات والمفاهيم المغلوطة التي تم ترويجها، فجعلت العقل الجمعي متخلفاً، وهذا لم يُشر إليه أحد ممن تباروا في الهجوم العشوائي التعيس، الذي لن ينال مني أو يعوق المسار الذي رسمته لنفسي».
وتابع: «الأعجب، أن تصل جرأة التزييف بالبعض من هؤلاء، إلى الادعاء بأنني هربت من طلب أساتذة التاريخ مناظرتي، وهم لم يطلبوا ذلك ولم أتهرب منه، وأحدهم يزعم أنني هاجمته شخصياً، لأنه دعاني للمناظرة! وأنا لم أره من قبل ولم يتصل بي، بل ولا أعرف حتى هذه اللحظة اسمه، وآخر منهم يقول إنني متخصص في الفلسفة والتراث، وليس في التاريخ! كأن التراث غير التاريخ، وكأن التخصص في التاريخ أمرٌ سحريٌّ غامض لا يجوز لغيره. وآخر يدعوني بلا أي احترامٍ، أن احترم نفسي! والله يعلم وكثيرون أنني احترمت نفسي (جداً) منذ أيام طفولتي إلى الآن».
وقال زيدان: «معتوه منهم يقول على الملأ إن رسالتي للدكتوراه مشكوك فيها، وكأنه لا يعلم أنني حصلت بعد الدكتوراه على درجة الأستاذية في الفلسفة الإسلامية وتاريخ العلوم، وكانت تقديراتي تكفي لترقية ثلاثة إلى درجة الاستاذية، وكنت في بداية الثلاثينيات من عمري، عندما كان ميشيل شوديكفيتش يقوم بتدريس كتبي لطلاب الدراسات العليا في السوربون، وأعمالي اليوم تُدرس في أكبر الجامعات في العالم، وهناك ما يقرب من ثلاثين رسالة ماجستير ودكتوراه عن كتاباتي المترجمة لقرابة ثلاثين لغة».
وتابع: «وأخيراً، يقول لي أحفاد أحمد عرابي: جدنا ليس فأراً، أنت الفأر وسوف نسجنك لأنك تجرّأت عليه! كأنني وصفته فعلاً بذلك، وكأنهم لم يقرأوا ما كُتب عن عرابي في غير الكتب المدرسية». واختتم زيدان: «هنا يأتي السؤال: ماذا جري للمصريين؟ وما هذا الذي يجري في مصر؟».
سيدة لا تعرف اليأس
اختار عبد المحسن سلامة في «الأهرام» أن يكتب عن امرأة بعينها: «رائعة تلك السيدة التي أبهرتني بثباتها وقوتها وقوة خطابها وإصرارها على استكمال مسيرة زوجها البطل العقيد أحمد منسي، سيدة مصرية عظيمة تشبه مصر في قوتها وقدرتها على مواجهة الشدائد والمحن، أبكتني وأبكت الحضور ولم تبك هي، بل ظلت ثابتة، صامدة، تحكي في شموخ قصة زوجها البطل الشهيد العقيد أحمد منسي قائد الكتيبة 103 صاعقة في العريش. كشفت عن الوجه الآخر للبطل الشهيد، الوجه الإنساني، فهو شاعر، كتب العديد من الخواطر الشعرية والقصائد، كلها في حب الوطن، وهو المقاتل الذي لا يلين وينتظر الشهادة في كل لحظة، مؤمنا بأن الموت قريب، والشهادة شرف، والدفاع عن الوطن أقصى الأماني والطموح. اختار اسم ابنه حمزة على اسم عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم ــ وخرج حمزة علينا مرتديا زي القوات المسلحة ومؤديا التحية العسكرية ليغادر الرئيس عبدالفتاح السيسي مقعده على الفور ليحتضنه ويربت على كتفيه ويقبله وسط دموع وتصفيق الحاضرين. سرحت قليلا، وتذكرت أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين تلك السيدة المصرية الأصيلة وبين مصر وشعبها، فها هي مصر تواجه الإرهاب الأسود وتخوض معركة شرسة ضد الإرهابيين كل يوم، لكنها لم ولن تنكسر، بل إنها تقاوم الإرهاب وتمضي إلى المستقبل. أفقت على صوت زوجة الشهيد حينما قالت: «قال لي إنت خايفة ليه أنني سوف أكون شهيدا، أنا واثق في ربنا وأنه هيخلي باله منكم بعدي، وواثق إنى سايب بطلة هتربى الولاد أحسن ما أنا عاوز».
حسام عبد البصير