ضد حزب العمال الكردستاني في الشمال: هل تنجح تركيا في بناء تحالف عسكري مع إيران والعراق؟

حجم الخط
1

إسطنبول ـ « القدس العربي»: على وقع التطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة في شمالي العراق، جددت تركيا عرضها على إيران والحكومة العراقية العمل العسكري المشترك ضد تنظيم العمال الكردستاني في شمالي العراق، لا سيما عقب تراجع مسلحي التنظيم من مدينتي كركوك وسنجار، والخسائر الفادحة التي تلقاها التنظيم داخل الأراضي التركية.
وتسعى أنقرة لاستغلال التنسيق السياسي والأمني الذي وصل إلى درجة غير مسبوقة مع طهران وبغداد عقب استفتاء انفصال إقليم شمالي العراق الشهر الماضي في القيام بخطوات سياسية وعسكرية تؤدي إلى إفشال مشروع الانفصال الذي تعتبره «خطراً على أمنها القومي» وتوجيه مزيد من الضربات العسكرية لتنظيم العمال الكردستاني الذي يتخذ من شمالي العراق مركزاً رئيسياً له وقاعدة خلفية لتنفيذ الهجمات ضد تركيا.
وعلى الرغم من أن تركيا تعترف بصعوبة القضاء الكامل على مسلحي التنظيم الذي يخوض حرباً مع الحكومة التركية منذ 40 عاماً خلفت قرابة 50 ألف قتيل من الجانبين، إلا أنها تأمل في عملية عسكرية تدمر جانباً مهماً من القدرات العسكرية التي يتمتع بها التنظيم الذي يتخذ من الجبال والمغارات والمناطق الوعرة مواقع له ولم تظهر أي مؤشرات على تضرره بشكل كبير من الغارات اليومية للجيش التركي على مواقعه.
وإلى جانب سعادتها بالهزائم التي تلقتها إدارة إقليم الشمال لصالح الجيش العراقي انطلاقاً من رغبتها في معاقبة مسعود بارزاني الذي أصر على إجراء الاستفتاء رغم تحذيراتها المتكررة، رأت تركيا في دخول الجيش العراقي إلى مدينتي كركوك وسنجار بشكل خاص مكسباً مهماً لها في ظل الأنباء عن انسحاب مسلحي تنظيم العمال الكردستاني من المدينتين.
وخلال العامين الأخيرين، اتهمت أنقرة التنظيم بالسعي لتحويل مدينة سنجار إلى ما قالت إنه «قنديل ثانية» في إشارة إلى جبال قنديل التي يتخذ منها التنظيم مركزاً عسكرياً له في شمالي العراق، ونفذت لأول مرة غارات جوية على مواقع التنظيم في سنجار قبل أشهر أدت إلى أزمة مع بغداد وواشنطن.
وعقب الاستفتاء اتهمت أنقرة والحكومة المركزية في بغداد إدارة إقليم الشمال بجلب مئات المسلحين من تنظيم العمال الكردستاني إلى كركوك، في خطوة قالت بغداد إنها بمثابة «إعلان حرب» الأمر الذي أثار ارتياح تركيا التي رأت في الموقف العراقي الرسمي تحولاً وتطوراً في نظرته للتنظيم وخطره.
وحسب وسائل إعلام تركية، فإن تنظيم «بي كا كا» سحب مسلحيه من منطقتي «سنجار» ومخمور» العراقيتين، بعد بسط الجيش العراقي سيطرته عليهما، لكنها لفتت إلى أن المسلحين ما زالوا يتحصنون في بعض الجبال المحيطة بالمنطقة.
مقترح العملية العسكرية المشتركة ضد التنظيم قُدم لأول مرة الشهر الماضي، خلال الزيارة التاريخية لرئيس أركان الجيش الإيراني إلى أنقرة، حيث تحدثت وسائل إعلام تركية عن أن أنقرة قدمت رسمياً إلى طهران مقترحاً للقيام بعملية عسكرية مشتركة للقضاء على المتمردين الأكراد الذين يشنون هجمات ضد الأراضي التركية والإيرانية، وسط تأكيدات من الجانبين على زيادة التنسيق الأمني والاستخباري بين البلدين في الحرب على التنظيم وتأمين الحدود.
والسبت، وخلال مؤتمر صحافي مع النائب الأول للرئيس الإيراني اسحاق جيهانغيري الذي زار أنقرة، شدد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم على أن بلاده تولي أهمية للتعاون مع إيران فيما يتعلق بمكافحة منظمة «بي كا كا» بفعالية أكثر.
وقبل أيام، جددت الخارجية التركية تأكيدها على جاهزية أنقرة للتعاون مع الحكومة العراقية في بغداد من أجل القضاء على وجود مسلحي التنظيم في مدينة كركوك وباقي المناطق في شمالي العراق.
والجمعة، أكد رئيس هيئة الأركان التركية خلوصي آكار أن بلاده تتابع عن كثب مستجدات الوضع في إقليم شمال العراق، منذ إجراء الاستفتاء، وقال: «نواصل فعالياتنا لمواجهة أي تهديدات تنجم عن التوتر الأمني هناك» فيما شدد بكر بوزداغ نائب رئيس الوزراء التركي، على أن «كافة الخيارات تجاه التطورات الحاصلة في إقليم شمال العراق، مطروحة على طاولة الحكومة التركية» وأكد على أن «تركيا ستقف بقوة في وجه سعي منظمة «بي كا كا» لإيجاد رقعة لنفسها في كركوك».
وفي تطور لافت، بدأ الجيش التركي منذ أيام عملية عسكرية برية وذلك لأول مرة منذ 10 سنوات في منطقة زاب داخل الحدود العراقية، وعلى الرغم من أنه لم يعلن عن حجم العملية وطبيعتها رسمياً، إلا أن وسائل إعلام تركية أكدت دخول قوات من الجيش في عملية برية على الجانب العراقي من الحدود أدت خلال أيام إلى مقتل 4 جنود أتراك وعشرات المسلحين.
ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية المشغولة في الحرب المتواصلة ضد تنظيم «الدولة» والخلافات مع إدارة إقليم الشمال ليست بوارد القيام بعمليات عسكرية ضد العمال الكردستاني حالياً، لكن أنقرة تأمل في التنسيق معها والحصول على دعم استخباري والسماح لها للقيام بعمليات أوسع داخل أراضيها دون الدخول في أزمة مع بغداد بداعي انتهاك السيادة العراقية.
كما أن طهران المتضررة بشكل أقل من تركيا من هجمات العمال الكردستاني ليست بوارد الدخول في معارك مجهولة في جبال ومغارات شمالي العراق، ولكن يمكن أن تعمل على زيادة التنسيق والتعاون مع أنقرة على صعيد تبادل المعلومات الاستخبارية وتأمين حدود البلدين إلى جانب الضغط على الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية من أجل منع تمدد التنظيم في مناطق أخرى في العراق.
في المقابل، سوف تواصل أنقرة خلال الفترة المقبلة عملياتها الواسعة ضد التنظيم داخل وخارج البلاد، حيث تهدف في الدرجة الأولى إلى مواصلة الضغط على خلايا التنظيم في شمالي العراق لمنع استقراره وتفرغه لمحاولة إعادة بناء القدرات العسكرية له في الداخل بعد أن تمكن الجيش التركي من توجيه ضربات غير مسبوقة له بالداخل طوال العامين الماضيين، حيث يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إيصال التنظيم لأضعف مراحله على الإطلاق في ظل الإجماع على صعوبة القضاء عليه.

ضد حزب العمال الكردستاني في الشمال: هل تنجح تركيا في بناء تحالف عسكري مع إيران والعراق؟

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية