في 12 تشرين الأول وقع في القاهرة اتفاق مصالحة جديد بين فتح وحماس، اتفق فيه على تطبيق اتفاق المصالحة الذي تحقق في عام 2011. وبنود الاتفاق المتعلقة بنقل الحكم المدني في قطاع غزة إلى الحكومة في رام الله، وإنهاء العقوبات التي فرضتها هذه الحكومة على غزة هي بنود ملموسة ومحددة بجدول زمني؛ البنود الأخرى التي هي المواضيع التي لا يوجد اتفاق حولها أدت إلى انهيار اتفاقات المصالحة السابقة وبينها مصير الذراع العسكرية لحماس، التي يصر محمود عباس على إخضاعها للسلطة الفلسطينية، انضمام حماس إلى م.ت.ف وإجراء انتخابات عامة ـ تأجلت إلى وقت لاحق. وكان المصريون توسطوا في الاتفاق الحالي، الذي لاقى تأييدا من إدارة ترامب بل وحكومة إسرائيل، برغم التصريحات ضده، لم تتخذ خطوات لإحباطه. إلى جانب سيناريو انهيار الاتفاق بسبب عدم التوافق في المواضيع المفتوحة، هناك سيناريوهان آخران، واحد لتنفيذ البنود المتعلقة بالحكم المدني في القطاع، وإلغاء عقوبات السلطة والسيطرة في المعابر وليس إلّا، بينا الذراع العسكرية لحماس تواصل العمل؛ أما الآخر، واحتمالاته أقل، فهو الوصول إلى الاتفاق حتى في المواضيع المفتوحة. في كل الأحوال، على إسرائيل أن تواصل سياسة أنها لا تعارض الاتفاق وتطبيقه بشكل نشط.
في هذا الاتفاق الذي يتعهد فيه الطرفان على تنفيذ اتفاق 2011 وفي إطاره تقام حكومة وحدة وطنية، تكون حكومة تكنوقراط من دون مشاركة سياسيين وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني الفلسطيني لـ م.ت.ف. كما اتفق على أن تنضم حماس إلى م.ت.ف وتواصل السلطة السيطرة الأمنية في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة، تتشكل لجنة أمنية مشتركة تنسق بين الطرفين، ويتم الافراج عن السجناء السياسيين في الطرفين.
يتضمن الاتفاق التزامات ملموسة وجدولا زمنيا للتنفيذ حين يدور الحديث عن بنود الاتفاق المتعلقة بنقل الحكم المدني في قطاع غزة إلى حكومة رام الله، بترتيب مكانة الموظفين العموميين الذين جندتهم حماس للخدمة في غزة، السيطرة في المعابر ورفع عقوبات حكومة رام الله ضد قطاع غزة. وبالمقابل، عند الحديث عن البنود المسماة «المواضيع الوطنية»، وبينها مصير الذراع العسكرية لحماس، انضمام حماس إلى م.ت.ف وإجراء انتخابات عامة للبرلمان وللرئاسة، هناك فقط التزام بالتفاوض حولها.
اعتبارات اللاعبين الأساسيين
اتفاق المصالحة هو نتيجة مبادرة مصرية، مدعومة أيضا من الأردن، السعودية، مجلس الإمارات في الخليج ودول أخرى تنتمي إلى الكتلة السنّية البرغماتية. وتستهدف المبادرة خدمة مصالح مصر والكتلة السنية بشكل عام ـ ألا وهي قطع حماس عن حركة الإخوان المسلمين وعن الدول الداعمة للحركة ـ قطر وتركيا ـ منع دفع حماس نحو أذرع إيران، منع التعاون بين حماس والمجموعات الجهادية ولا سيما في سيناء، منع اندلاع عنف بين إسرائيل وحماس، الأمر الذي من شأنه أن يشيح الانتباه عن المشاكل الأساس للكتلة السنّية ـ الإسلام الجهادي، الإخوان المسلمين وإيران، وكذا يمس بقدرة مواجهتها من خلال التعاون أيضا مع إسرائيل وأخيرا ترميم مكانة قيادة مصر في العالم العربي من خلال استئناف دورها المركزي في المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية.
في المرحلة الأولى نجحت مصر في تحقيق هدف إبعاد حماس عن الإخوان المسلمين والمجموعات الجهادية، حين نشرت حماس ورقتها السياسية الجديدة، التي قطعت فيها الصلة بحركة الإخوان المسلمين وتعهدت بوقف العلاقات مع الجماعات الجهادية العاملة في سيناء والتعاون مع مصر، التي تقاتلها. في المرحلة الثانية تحقق في القاهرة اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، ضمن أمور أخرى في ظل استخدام ورقة المواجهة بين القيادة في رام الله ومحمد دحلان. أنباء ظهرت في وسائل الإعلام الفلسطينية حول الدور المركزي الذي يفترض بدحلان أن يؤديه في غزة دفعت هي أيضا قيادة السلطة الفلسطينية إلى مفاوضات جوهرية على اتفاق المصالحة. من ناحية محمود عباس وشركائه في الطريق فإن إبعاد دحلان عن كل دور في الساحة الفلسطينية هو شرط لا بد منه. فقدرة دحلان على تجنيد مساعدة مالية معينة من اتحاد الإمارات لم تكن فيها ما يكفي لمواجهة معارضة عباس الحادة لدحلان، الذي ليس له أي دور في الاتفاقات التي تمت بين فتح وحماس.
بالإجمال، فإن عباس وحركة فتح راضيان عن اتفاق المصالحة. من ناحيتهما، فإن توقيع الاتفاق، وفي هذا الإطار أبعاد كل دور لمحمد دحلان، كان انتصارا تحقق نتيجة استعدادهما القاطع لاتخاذ وسائل قاسية ضد قطاع غزة، حرمانه من مصادر مالية وتفاقم الوضع فيه. أما تنفيذ البنود التي اتفق عليها بكاملها فسيسمح باستئناف وجود أمني واسع للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، الشرطة الزرقاء، وحدات الأمن الداخلي، الأمن الوطني والمخابرات العامة، وبالإجمال نحو 20 ألف شخص سيخضعون لحكومة السلطة. ثانيا، اضطرت حماس إلى قبول إبعاد قواتها عن المعابر، بما فيها معبر رفح، واستبدالها بقوات السلطة، من الحرس الرئاسي. ولكن لا يزال أمام رجال فتح تحد قاس في المواضيع المسماة «المواضيع الوطنية» وفي مركزها تحقيق هدف «حكومة واحدة وسلاح واحد»، أي إخضاع كل الأجهزة المسلحة إلى سيطرة السلطة.
لقد دُفعت حماس إلى هذا الاتفاق بسبب الوضع في قطاع غزة، الذي تفاقم عقب الإجراءات التي اتخذتها السلطة وتعاونت معها إسرائيل. كما أثر في حماس تعلقها بمصر، التي تتحكم بالمخرج الوحيد من القطاع الذي لا تسيطر عليه إسرائيل، وتصعيد النزاع بين الدول السنية بقيادة السعودية وقطر مما خلق قطيعة بين حماس ومصدر المساعدة المالية الأساس لها. دور مهم أداه أيضا تغيير القيادة في حماس. فقد انتخب إسماعيل هنية لرئاسة المكتب السياسي لحماس بدلا من خالد مشعل، ويحيى السنوار من القيادة العسكرية انتخب زعيما لحماس في قطاع غزة. عمليا، كانت النتيجة نقل مركز قيادة حماس إلى غزة وتحول يحيى السنوار إلى شخصية مسيطرة. بخلاف التقديرات التي سادت في إسرائيل بعد انتخاب السنوار، التي كانت تتصور أنها سيطرة من الذراع العسكرية على الذراع السياسية واتخاذ سياسة كفاحية أكثر بقيادة السنوار، عمليا تسمح الشخصية السياسية للذراع السياسية بفرض إرادتها على الذراع العسكرية. ووجد هذا التطور تعبيره في تصريح السنوار بأنه «سيحطم عظام» معارضي خطواته. لقد تبنى السنوار سياسة برغماتية وعقلانية. وحسب هذا التحليل للوضع، فإن المفتاح لحل مشاكل قطاع غزة يوجد في مصر وليس في إيران، وهو يتصرف بناء على ذلك.
إن التوقيت الحالي لاتفاق المصالحة هو أيضا فرصة مناسبة من ناحية سلوك إدارة ترامب وحكومة إسرائيل. يبدو أن الفريق المفاوض الأمريكي، برئاسة جيسون غرينبلت، يؤيد خطوة المصالحة بل ودفع باتجاهها على افتراض أن هكذا يزيح العائق من أمام المسيرة السياسية الإسرائيلية ـ الفلسطينية. فالرباعية صرحت هي أيضا في 19 أيلول بالحاجة إلى إعادة القطاع إلى حكم السلطة الفلسطينية، فيما كان واضحا أن هذه الخطوة لن تتاح إلا عبر اتفاق مصالحة بين التنظيمين. وردت حكومة إسرائيل هي الأخرى باعتدال نسبي وبرغم حديثها ضد الاتفاق لم تتخذ خطوات عملية ضد السلطة في أعقاب التوقيع. يبدو أن هذا الرد نبع أساسا من عدم الرغبة في الصدام مع إدارة ترامب والسيسي. ولكن يحتمل أن يكون عكس فهما في إسرائيل في أن الاتفاق سيسهم في استقرار الوضع في قطاع غزة ويمنع جولة مواجهة عنيفة أخرى بين إسرائيل وحماس.
سيناريوهات محتملة وسياسة موصى بها
محاولات سابقة للمصالحة بين فتح وحماس انهارت حتى بعد توقيع الاتفاقات والبدء بتطبيقها، بسبب رؤية الطرفين منظومة العلاقة بينهما لعبة مبلغها الصفر، يكون فيها ربح الواحد خسارة الآخر؛ كلاهما معنيان فقط باتفاق تنفيذه يؤدي في نهاية المطاف إلى سيادته المطلقة. هذه الآلية أدت إلى انهيار أو عدم تنفيذ محاولات سابقة لترتيب العلاقات بين المعسكرين بسبب عدم التوافق على المواضيع الوطنية.
السيناريوهات المحتملة هي ثلاثة. في السيناريو الأول تنفذ الاتفاقات التي سبق أن تمت ولكن المواضيع الوطنية المفتوحة تبقى موضع خلاف ومع ذلك يقرر الطرفان عدم كسر القواعد. هكذا ينشأ توازن جديد في قطاع غزة في إطاره يكون وجود مسلح للطرفين في القطاع. وسيكون هذا الواقع مشابها بقدر كبير للواقع في لبنان، وإن كانت الحكومة الفلسطينية ستبقى معادية للذراع العسكرية لحماس وستحاول تقييد عملها، كما ستكون لها يد حرة في خوض المفاوضات مع إسرائيل.
في السيناريو الثاني، يؤدي عدم التوافق في هذه المسائل إلى انهيار الاتفاق والعودة غلى الوضع ما قبل توقيعه.
في السيناريو الثالث، المتفائل، واحتمالاته متدنية، سيتوصل الطرفان إلى توافق في المسائل الوطنية وينفذاه أيضا.
في كل الأحوال، مرغوب أن تواصل إسرائيل سياسة لا تعارض بشكل نشط اتفاق المصالحة وتقيم تعاونا مع الولايات المتحدة، مصر والسلطة الفلسطينية. فالأفضل وضع يكون فيه للفلسطينيين حكومة واحدة تمثلهم حيال إسرائيل، وهذه بداية أفضل للتقدم وإن كان متدرجا ومحدودا، لتخفيف حدة النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني بل وربما تسويته في المستقبل. وحتى السيناريو اللبناني المزعوم أفضل من الوضع الحالي لأنه في هذه الحالة يستقر قطاع غزة، يتقيد النشاط العسكري لحماس، ويكون معناه أن تعطي حماس الحكومة في رام الله الريادة في العلاقات الدولية مع إسرائيل، بما في ذلك المفاوضات معها.
نظرة عليا 22/10/2017
شلومو بروم