هذه ظاهرة عالمية: أحزاب وحركات اشتراكية ديمقراطية تفقد مواقعها لدى ناخبيها الطبيعيين، الطبقة الوسطى الدنيا فما دون. ويتعاظم الهروب برغم أن استطلاعات الرأي العام في النمسا، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا ودول أخرى يتبين أنه في وعي الجمهور هناك لتعبير «الرأسمالية» تداعيات سلبية بالذات، فيما لتعبير «الاشتراكية» تداعيات إيجابية.
اليمين هو الآن القوة السياسية الصاعدة والمحتلة. فحيال الشعبوية القومية ـ الاشتراكية لا يقف اليسار الديمقراطي بل يمين آخر، معتدل ومركزي. يمين سوي أكثر يقف كالسور المنيع في مواجهة يمين هاد أكثر، ويسد، بنجاح حاليا، وصوله إلى الحكم. أما اليسار بالمقابل لا يعتبر لاعبا مهما أو أنه مستعد لـ «الانتحار سياسيا» من خلال عقد التحالفات مع اليمين الشعبوي ـ القومي والهادي.
بضعة نماذج من الزمن الأخير: في نيوزيلندا قرر حزب العمال إقامة ائتلاف مع حزب قومي ـ شعبوي متطرف رفضه اليمين المعتدل. أما في كتالونيا فقد ارتبط اليسار الراديكالي بالقوميين الانعزاليين مطالبا بالسيادة الكاملة ـ والانفصال عن إسبانيا. في الحالتين، مثلما في حالات أخرى في التاريخ، يضعف هذا التعاون ويفتت اليسار ويعزز الشعبوية القومية ـ الاشتراكية. في بولندا، حيث يسيطر بلا لجام حزب يميني قومي ـ شعبوي هو حزب «القانون والعدالة» فإن القوة السياسية الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه قوته الكاسحة هو حزب يمين ـ وسط، «البرنامج المدني». وماذا عن اليسار الاشتراكي الديمقراطي؟ انسوه.
إن أفول اليسار، كما يشرح الشارحون، يعود إلى نقص الاهتمام بالوضع الاقتصادي للطبقات الضعيفة، التي بالتالي تصوت لليمين. «بالتالي»؟ لأن اليسار المزعوم ليس بما يكفي ماركسيا ومتطرفا في مواقفه الاقتصادية، يتوجه المصوتون إلى اليمين القومي المتطرف. لهذا الزعم المدحوض تترافق توصية: من أجل احتلال قلب الناخبين المحبطين، فإن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية مطالبة بأن تؤكد الرسائل الاقتصادية ـ الاجتماعية لدرجة الاقتراب من الشيوعية. غير أن هذه التوصية، في معظم الحالات، لا تنجح: فالناخبون لا يستجيبون لدعوات اليسار الثورية. والسبب؟ لأن الثورة الاشتراكية ليست هي ما يريدون بل الثورة القومية المتطرفة.
ليس لطيفا لواضعي الأفكار الليبرالية الاعتراف بأن القوة المحركة للسياسة الجماهيرية اليوم هي القومية المتطرفة. ليس لطيفا الاعتراف بأن التصويت للأحزاب الشعبوية القومية ـ الاشتراكية ينبع ليس من العنصر الاشتراكي في برنامجها بل من العنصر القومي المتطرف. وليس لطيفا على نحو خاص الاعتراف بوجود كراهية عميقة للأجانب أي «للعدو من الداخل» الذي يقصد به الجاليات القومية والدينية التي تعتبر مهددة من الداخل ومن الخارج للتميز القومي للدولة. ولا يهم ما هي حقا قوتها العددية: فالأسطورة أقوى من الإحصاءات.
عودة إلينا. ليس الأصل الطائفي للسياسي الإسرائيلي هو الذي يقرر مصيره في الانتخابات ولا الموقف السياسي والاقتصادي المعلن، مثلما اعتقد عمير بيرتس الاشتراكي. المقرر هي الصورة الحسية، ما قبل العقلية: إذا كان يتخذ صورة من «يحب» هم ـ العرب، الفلسطينيين، الأجانب بالعموم ـ فهو مرفوض للانتخاب. إذا كان يتخذ صورة من «يكره»هم، فهو قابل للانتخاب وموضع عطف حتى لو كانت كل كلمة ثالثة يقولها تقال بلغة أجنبية.
عندما لاح في الانتخابات الأخيرة هبوط لليكود توجه رئيس الوزراء بدعوة انفعالية للمواطنين اليهود للمجيء للتصويت من أجل توازن تأثير «جموع العرب المندفعين نحو صناديق الاقتراع». وتبين هذا التحريض الكاذب ناجعا للغاية. فهو الذي على ما يبدو رجح الكفة لمصلحة نتنياهو.
اسحق رابين واريئيل شارون صدا الشعبوية وانتصرا في الانتخابات ليس لأنه كانت لهما مواقف سياسية واقتصادية متبلورة (لم يكن لهما) بل لأنه في أثناء انتخابهما لم يكن ممكنا لأحد أن يلصق بالزعيمين وصف «محب العرب». بل ربما العكس. وما فعله الاثنان عمليا كرئيسين للوزراء لم يكن مهما لناخبيهما طالما كانت الكراهية، أو على الأقل النفور العاطفي، من الفلسطينيين يعتبر دافعا خفيا لقراراتهما. منذئذ، إلى جانب الميول العالمية، فإن عنصر النفور ـ الكراهية تعزز باستمرار، واليوم بات واضحا على نحو كاف بأن التسوية السلمية بيننا وبين الفلسطينيين لن تكون سلام محبين ـ سيكون سلام كارهين. وهذه تسوية سلام اليمين سوي العقل (نسبيا) وليس سلام اليسار.
يديعوت 23/10/2017