«شكرا لأنك تأخرت» لتوماس فريدمان: عن محاولة الحياة في زمن التكنولوجيا

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي» إبراهيم درويش: «أصبح الكاتب ينشر مادته في أمريكا، فيقرأها طلاب يدرسون في جامعة بعيدة في الصين، قبل أن تقرأها زوجته التي لم تصح من نومها في واشنطن». بهذه الكيفية تغير العالم وبشكل متسارع، وهو ما يستعيده ويقصه علينا توماس فريدمان في كتابه «شكرا لأنك تأخرت: دليل المتفائل للنجاح في عصر التسارعات».
وهو كتاب شخصي عن الكاتب وعلاقته بالعالم، وفي الوقت نفسه تأريخ للتسارع التكنولوجي في القرن الواحد والعشرين. يتساءل فريدمان ــ المولود عام 1954، الذي بدأ مسيرته الصحافية عام 1978، حيث كان العالم لا يزال يسير على نقرات الآلة الكاتبة، عن الطريقة التي يجب أن نتعامل فيها مع هذا الزمن الذي يمر في نقطة تحول مهمة في تاريخنا كبشر وعلاقتنا مع المادة والطبيعة والإنسان نفسه، أي مع بعضنا بعضا.

محاولة التقاط الأنفاس

يرى فريدمان أهمية قبول التسارع والتكيف معه وضرورة النظر لأنفسنا. ومن هنا «فالتأمل أو التوقف» هو جزء من فهم الكينونة العامة للعالم. وعوضا عن أن يكون التأخر علامة لمضيعة الوقت، فهو يعطي الشخص المنتظر- فريدمان- فرصة للنظر في ما حوله في المقهى أو المطعم أو الساحة وما يجري حوله من أحاديث عفوية، ويتعرف على الوجوه ويعرف الناس. وبهذه الطريقة تعرف على رجل إثيوبي يعمل في مرآب سيارات، ذكر له أنه يعرفه ويتابع مقالاته مضيفا «لديّ مدونتي الخاصة». وبفضول الصحافي تساءل فريدمان عن عالمنا الذي يجتهد فيه الإنسان للعمل في أي وظيفة يحصل منها على العيش نهارا، وفي الليل يكتب مدونته، فالإثيوبي لا يختلف عن فريدمان في اهتماماته، بفارق أنه يركّزعلى السياسة المحلية في بلاده. واللافت في الأمر أن ما يكتبه الإثيوبي يُقرأ في أكثر من 30 دولة. وهنا نفهم كيف أصبح العالم مترابطا، وكيف تغيرت طبيعة حرفة الكتابة. فعامل المرآب لا يختلف عن الصحافي الذي طاف العالم يبحث عن قصصه.

زمن المكالمات المبتسرة

يقول فريدمان إن أول وظيفة عملها كانت في وكالة أنباء «يونايتد برس إنترناشيونال» في شارع فليت في لندن. كان حينها قد تخرج من جامعة أوكسفورد متخصصا في الشرق الأوسط واللغة العربية. ويتذكر كيف كانت آلة الطباعة وسيلة الصحافي في حرفته الكتابية، حيث كان عليه التعلم كيفية الطباعة السريعة. ولهذا سجل في مكتب للدراسة المسائية، حيث كان يتدرب على كيفية الكتابة السريعة. في أثناء عمله في الوكالة وقعت الثورة الإسلامية وسيطر عدد من مؤيدي آية الله الخميني على السفارة الإيرانية في لندن وطردوا منها دبلوماسيي الشاه. وأرسله محرره إلى المبنى كي يتحرى الأمر، واستطاع الدخول إليه ومقابلة الطلاب وتسجيل أقوالهم على دفتر ملاحظاته. وبعدها أسرع إلى الهاتف العام، الذي كان معروفا حتى وقت قريب بلونه الأحمر وانتظر وقتا طويلا حتى يأتي دوره، كي يتصل مع وكالته ويملي على المحرر أو أحد الصحافيين فيها ما جمعه من معلومات. وفي أثناء الحديث سأله المحرر عن شكل السفارة الذي لم يلتفت إليه عندما كان مسرعا لجمع المعلومات من الطلاب. عندها طلب من أحد الواقفين من الصحافيين على الدور أن يمسك له سماعة الهاتف حتى يسرع هو لمعاينة السفارة ويعود للمحرر بالمعلومة المهمة. لكن الصحافي دخل وأغلق الباب وأوقف المكالمة وبدأ مكالمته مع صحيفته قائلا: «آسف صديقي». وتعلم فريدمان في حينه أن لا يتخلى عن دوره ويكون دقيقا في جمع المادة.

زمن الفرص الضائعة

معظم رحلة الصحافي التأسيسية بدأت في بيروت، حيث عين الرجل الثاني في مكتب الوكالة هناك. وكانت مهمة الصحافي تقوم على الطابعة والتليكس، حيث كان يكتب التقرير ثلاث فقرات في كل مرة ويعطيها لعامل التليكس كي ينقرها ويرسله عبر الأثير إلى الجانب الآخر من العالم. كانت بيروت تعيش حربا أهلية طاحنة. وفي أثناء ذلك حصل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. وكان قد أصبح مراسلا لصحيفة «نيويورك تايمز» التي أرسلت له طابعة جديدة كي يتعامل مع متطلبات المهنة. وكانت آلة «أدلر» الألمانية الصنع هي وسيلة الصحافي وعلامة المهنة. ويتذكر كيف دفع 300 دولار لشراء واحدة كانت معروفة بتقنيتها، وسافر بها إلى بيروت. وكالعادة يجد الصحافي نفسه أمام عقبات وحوادث عرضية. وهذه المرة عندما خرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت، حيث سجل فريدمان لحظة خروج الزعيم الفلسطيني ياسرعرفات ومقاتليه الذين ملأوا سماء المدينة بأصوات الكلاشينكوف في الطريق إلى تونس والجزائر والمجهول. يومها كانت الشمس دافئة على بحر بيروت وسارع إلى مكتبه في وكالة رويترز وكتب تقريره ليكون عنوان الصفحة الأولى في «نيويورك تايمز».
وبعدما أعطاه لعامل التليكس ليرسله لصحيفته إلا أن التيار الكهربائي تعطل في كل بيروت. وانتظر طوال الليل إلى جانب آلة التليكس حتى يرسل مادته. وفي اليوم التالي وجد أن صحيفته أخذت العنوان من «أسوشيتدبرس» التي أرسل مراسلها في بيروت المادة قبل انقطاع التيار الكهربائي.

زمن البريد الإلكتروني

في الثمانينيات دخل العالم تدريجيا عالم الألة الرقمية والكتابة الإلكترونية. وشيئا وشيئا بدأت الصحافة تتأثر بها وتغير طريقتها بناء على التطور هذا. ومن هنا يقص علينا فريدمان كيف تكيفت الصحافة مع التكنولوجيا المستمرة في التغير. وفي أثناء هذا انتقل للعمل في القدس وبعدها إلى نيويورك، حيث عمل محررا اقتصاديا ودبلوماسيا ومراسلا من البيت الأبيض رافق جيمس بيكر، وزير الخارجية في أثناء حرب الخليج الأولى. وانتقل لكتابة عموده الصحافي الشهير. يتذكر فريدمان أن زملاءه في فترة بيل كلينتون لم يكن لدى أي منهم بريدا إلكترونيا وفي نهاية فترته كان لكل واحد بريد. ويتذكر كيف سيطرت الطباعة الرقمية على عالم النشر وأخذ الإنترنت الإعلان من الصحف الورقية، بحيث أجبرت المحررين على تغيير أساليبهم ووقف النسخ الورقية.
وكما في زمن آلة غوتنبرغ، حيث كان للصحافي مواعيد محددة كي ينجز مادته في الوقت المعين، فعالم الإنترنت جعل الصحافي تحت رحمة وزحمة الوقت، وهو مضطر لكي يكتب أكثر من مرة ويعدل ويزيد ويضيف على المادة المنشورة على النسخة الإلكترونية. وشيء آخر ففي عالم الإنترنت أصبح التواصل علامة الزمن الحديث. ففي رحلة له عام 2016 إلى النيجر التي تغيرت نتيجة لعامل آخر وهو التفجر السكاني، ذهب مع وزير فيها لكي يقابل مهاجرين اقتصاديين فشلوا في عبور البحر إلى أوروبا ورفضتهم ليبيا التي تعيش حربها، ولم ينس ذكر الوزير في عموده الذي كتبه للصحيفة. وفي طريقه للمطار ذكر للسفير أن اسمه في المادة المنشورة. ورد الوزير أن أبناءه الذين يدرسون في الصين أخبروه عن الأمر. ويتساءل فريدمان عن تغير العالم فهنا كاتب ينشر مادته في أمريكا يقرأها طلاب يدرسون في جامعة بعيدة في الصين، قبل أن تقرأها زوجته التي لم تصح من نومها في واشنطن.

زمن التكنولوجيا

ولم يكن يتأتى هذا إلا من خلال عدة عوامل وهي التكنولوجيا والسوق ــ العولمة والطبيعة ــ التغيرات المناخية والانفجار السكاني. وكما في كل لحظات العالم التي مر بها، يحدد فريدمان نقطة محورية في انفجار العالم الرقمي، حيث لم يعد الصحافي بحاجة لدفتر ملاحظات، ولا الانتظار أمام صندوق الهاتف أو التليكس، ولا حتى استخدام طابعة أدلر ــ النادرة الآن ــ فلديه هاتفه النقال بكل أجياله. والمفصل المهم لتغير العالم حدث عام 2007 حيث يشير إلى ستيف جوبز، العقل المهم وراء شركة أبل وأجيال الهاتف، الذي جمع الكمبيوتر والهاتف والإنترنت في آلة صغيرة. ومعه بدأت رحلة الإنسان المتسارعة. لكن في العام نفسه جرت كل التغيرات المهمة وقدمت كل الألوان الأخرى المتعلقة بالعالم الرقمي، ويذكرها فريدمان في كتابه. ويعترف الكاتب هنا أن رحلته مع عالم اليوم كانت متسارعة، حيث اضطر لتدقيق المعلومات التي جمعها من العلماء والباحثين في التكنولوجيا أكثر من مرة، حتى يتأكد أنها لم تتغير ولم يتجاوزها التطور المستمر في عالم العقل الصناعي والروبوت والسيارة بدون سائق، عالم سيارة تيسلا.

محاولة الحياة

وفي النهاية لم يكن التطور التكنولوجي بدون ثمن على البشرية، فالتغيرات المناخية والانفجار السكاني تركا أثرهما على الأرض. ومن هنا لم تكن الثورة السورية لتحدث لو لم يحدث الجفاف الذي حرم ملايين السوريين من أرضهم ودفعهم إلى هوامش المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب. وكان هؤلاء الذين شردتهم الطبيعة ينتظرون اللحظة المناسبة للانتقام من نظام بشار الأسد، الذي لم يفعل شيئا، بل منح أرضهم الخصبة لمحاسيبه كي يستخرجوا المياه الجوفية من أجل مزارعهم، فيما مات زرع الناس العاديين، وراقبوا كيف تحولت أرضهم لصحراء ملحية اختفى أخضرها. والقصة نفسها في مدغشقر التي ضربتها الأعاصير وكانت ضحية نهاية الحرب الباردة، والنيجر التي زاد سكانها أضعافا.
فمع تقدم الطب والعلم زاد معدل عمر الإنسان ومعه زاد السكان. ولكن ــ حسب فريدمان ــ لو أكلنا جيدا ولعبنا الرياضة ومارسنا اليوغا يوميا فسنرى العالم يتغير أكثر مما شاهدنا في حياتنا القصيرة الطويلة.

Thank You for Being Late
An Optimist Guide to Thriving
In the Age of Accelerations
By: Thomas L. Freidman
Allen Lane, 2016, pp.486

«شكرا لأنك تأخرت» لتوماس فريدمان: عن محاولة الحياة في زمن التكنولوجيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية