«حق تقرير المصير» هو قيمة مقدسة تقريبا منذ وضعها الرئيس الأمريكي وودرو ولسون أثناء الحرب العالمية الأولى. ولكن كما يتبين، توجد لجهات مختلفة تفسيرات مختلفة بشأن ذلك. على كل حال، هذه القيمة المقدسة توجد الآن في مركز الأخبار الآن على ضوء التطورات في كردستان وكتالونيا.
ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، وموظف كبير سابق، سواء في إدارة الرئيس جورج بوش الأب أو في إدارة الرئيس بوش الابن، يعدد في مقال نشره في الأسبوع الماضي في موقع مجلس الأمن القومي، المعايير لأهلية جماعة عرقية أو قومية معينة في تقرير المصير. الاختبار الأول حسب رأيه هو إذا وجدت هُوية مشتركة لكل طبقات الجمهور موضع النقاش. الشرط الثاني هو أن يكون هذا الجمهور مضطهدا سياسيا وطبيعيا واقتصاديا، وفي أغلبيته يتوق إلى تعريف سياسي جديد. شرط آخر هو أن الدولة الجديدة التي ستنشأ ستكون قابلة للحياة وأن لا تتحول إلى دولة جديدة أخرى فاشلة. وأخيرا، إقامة الدولة الجديدة لا تعرض للخطر الدولة التي انفصلت عنها أو أمن الدول المجاورة لها.
حسب هذه الاختبارات يبدو أن السعي لاستقلال كتالونيا، على سبيل المثال، لا يستجيب لكل هذه الشروط مسبقا في حق تقرير المصير، في حين أن الأكراد بالتأكيد نعم. ولكن المبادئ شيء والواقع السياسي شيء آخر، وفي هذه المرحلة يقف أمام توق الأكراد للحرية والاستقلال جبهة عنيفة تضم حكومة بغداد وتركيا اردوغان وإيران. إن من أمل أن تقف الولايات المتحدة، وربما أوروبا أيضا، إلى جانب الأكراد الذين أثبتوا أنهم يستطيعون إقامة كيان مستقل وديمقراطي مع اقتصاد ـ خلافا للأنظمة التي يؤيدونها، وأنهم كانوا الشركاء الأكثر نجاعة للولايات المتحدة في حربها ضد داعش ـ عليه في هذه الأيام أن يدرك أن حق تقرير المصير، حتى لو كان عادلا تماما من ناحية أخلاقية ومبدئية تلبي تماما المعايير الموضوعية المذكورة أعلاه، فإنها رهينة اعتبارات ومصالح جيوسياسية واقتصادية لجهات خارجية مختلفة. وفقط إذا كان الأكراد مستعدون للدفاع بأنفسهم عن استقلالهم، سيكون احتمالا لتحقق حلمهم بتقرير المصير.
المدهش بشكل خاص، وحتى المستفز، هو موقف واشنطن ـ ليس فقط من ناحية أخلاقية. الجهات العسكرية الأساسية التي تقف أمام الأكراد ـ على رأسها القوات الشيعية الخاضعة لإيران ـ بيقين هي لا تلبي المصالح المعلنة لإدارة ترامب، أي، ضد سعي إيران للسيطرة في الشرق الأوسط، بل العكس. أيضا فشل المحاولة الواهية لواشنطن في منع المواجهات العنيفة بين الأطراف، أثبت أن من يمسك بالخيوط حقا في بغداد هو طهران وليس واشنطن. هكذا فعليًا الولايات المتحدة تقف جانبا في الوقت الذي يتم فيه سحق توق حلفائها الأكراد للحرية بأيدي مندوبي إيران. هذه الحقيقة لا ترسل رسالة سلبية فقط لحلفاء آخرين لأمريكا في المنطقة، بل أيضا تضر بمكانة الولايات المتحدة الجيوسياسية نفسها.
هناك من يحاولون إيجاد خط مساوِ بين حق تقرير المصير للأكراد، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير. ولكن حسب قائمة الاختبارات المذكورة أعلاه، فإن الفلسطينيين لا يلبون تقريبا أيا من المعايير التي تمنح جمهورا معينا الحق في تقرير المصير. «هُوية مشتركة»؟ حتى ولا في أوساط القبائل المختلفة في «فلسطين» نفسها، مقابل هُوية عرقية وثقافية واضحة مع معظم السكان في الدول العربية المجاورة الذين هم جزء منهم.
دولة فلسطينية «قابلة للحياة» ـ أو بالتحديد «دولة فاشلة» أخرى؟. وبخصوص «مضطهد من ناحية سياسية وطبيعية واقتصادية»، مشكوك فيه إنهم جميعا يرون في إقامة دولة برئاسة القيادة السياسية الحالية، أو المتوقعة، حلا لضائقتهم. مع ذلك يجب التعامل مع هذا الموضوع بصورة عملية، لكن ليس بطرح حلول عبثية تتسبب فقط بزيادة شدة المشكلة. وبخصوص المعيار المتبقي، أي أن الدولة الجديدة لا تعرض للخطر أمن دول أخرى ـ لا إسرائيل ولا الأردن ستقتنعان بذلك بسهولة.
زلمان شوفال
إسرائيل اليوم 23/10/2017