تكتسب الكتابات التي خطها الرحالة والمستشرقون أهمية بالغة في تخطيط التصورات التاريخية والثقافية لمجموعة من المناطق المستعمرة سابقاً، التي لم تتخذ تمثلها خطابياً في الوعي المعاصر إلا من خلال ما يعرف بالمؤسسة الثقافية الوطنية، التي نشطت بقيام الدول التي أفرزتها التجربة الاستعمارية، واتفاقيات التقسيم، فسعت هذه الكيانات بعيد الاستقلال إلى تكوين خطاطات تاريخية تُعلي من المبدأ القومي في مساحة جغرافية صادق عليها المستعمر، وبهذا فإن معظم تلك الممارسات لاكتناه الخطاب الاستشراقي أتت نتيجة البحث عن متخيل يطابق النموذج الضيق لمتخيل قومي اخترع كي يؤسس لتجانس سكاني وجغرافي حمل اسماً خلعه المستعمر على تلك القطاعات، كما في اتفاقيات سايكس بيكو.
لقد اتخذ الخطاب الاستشراقي وضعية جديدة مع كتابات إدوارد سعيد، فنشأت أبحاث تهدف إلى تفكيك المتخيل المخترع الذي يرى في سكان بعض هذه المناطق شعوبا أدنى، أو لتتبع النموذج الاستعماري، وبناء عليه فقد تعرضت هذه الخطابات إلى أنظمة من المحو أو التثبيت تبعاً لمصلحة الدول الناشئة حديثاً، غير أن كتابات المستشرقين تتجاوز هذا المنظور كونها تصدر عن عقل الإنسان الغربي في تمثل هذه المنطقة، في وعي يبدو في بعض الأحيان غير موضوعي، كونه ينهض على موروث لاهوتي في قراءة هوية هذه الأرض، وشعوبها، كما أنه في بعض الأحيان ينطوي على الكثير من التمثيلات المشهدية التي تسعى إلى نقل صورة حياة الشعوب، ولكن من منظور الأوروبي الذي يسعى إلى اكتساب أفعال المطابقة أو المفارقة بين المتخيل والواقع.
في كتاب «الحياة في بيوت فلسطينين» لماري أليزا روجرز الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2013 ترجمة جمال أبو غيدا. ثمة سرد يتعلق بواقع فلسطين، تضطلع به سيدة رافقت أخاها في رحلته أو مهمته الوظيفية بوصفه نائبا للقنصل البريطاني في فلسطين، ما بين عامي 1855-1859. هذه السيدة ذات الخلفية الدينية كما وصفت من قبل مس صيقلي – الأستاذة في جامعة وين ستيت الأمريكية – في معرض تقديمها للكتاب، ناعتة إياها بإنجيلية أصولية. لقد حاولت ماري إليزا روجرز أن تقدم منظورها عن فلسطين وأهلها عبر فعل ممارسة الاحتكاك المباشر مع سكان المنطقة، ومحاولة التعرف عليهم عن كثب بغية تأسيس نموذج معرفي خطابي.
لا شك في أن الخلفية الدينية لهذه السيدة مثلت دافعاً للمشاركة في هذه الرحلة من أجل اكتشاف الأرض المقدسة التي مكثت في وعيها، عبر متخيل خطابي صاغته الكتب الدينية؛ ولهذا فإن حضورها كان يتمثل تجربة الوعي والتأمل، ومحاولة نقل الكثير من التفاصيل التي بدأت مع الفصل الأول، وتحديداً الرحلة من لندن إلى فلسطين. وعلى ما يبدو فإن الكاتبة كانت معنية بسرد التفاصيل بالاعتماد على مشهدية الرحلة التي تطال الجغرافية، والأشخاص علاوة على تكوين الانطباعات التي رافقتها أثناء الرحلة.
وهنا ألتقط إشارة بالغة الأهمية وتحديداً أثناء مرور السفينة من الإسكندرية، وصعود الكثير من المسافرين من العرب والمسلمين والمسيحيين واليهود الذين تشاركوا الرحلة في السفينة، والنوم على متنها إلى جانب بعضهم بعضا متدثرين بعباءاتهم، ما يشي بأن الفترة التاريخية المنضوية تحت مقولة الحقبة العثمانية، كانت تتسم نمطا من الحياة تتشاركه الجماعات الدينية، على الرغم من الخلفيات والنزاعات والحروب التي سادت تلك الفترة، فضلاً عن بعض الفتن والنزاعات التي كانت تظهر بين الحين والآخر، مع الإشارة إلى أن الكاتبة حاولت أن تنقل لنا تكوينها أو فكرها الداعي إلى نبذ التعصب والتطرف، والدعوة إلى التسامح في بعض المواقع من الكتاب، بيد أن الإمبراطوريات كانت ناشطة من أجل استثمار هذا العنصر، من أجل تكريس وجودها، فهذه القوى كانت تسخر هذه الشعوب ونزعاتها العصبية خدمة لمشاريع الإمبراطوريات، من أجل المزيد من التوسع والهيمنة، في حين أن حركة الشعوب، وتعاطيها مع بعضها بعضاً بدت حقيقة أقل تعقيدا، على الرغم من غياب التنوير، ومع هذا فقد انساقت أحياناً لمشيئة القوى الإمبراطورية التي اتخذت من هذه المنطقة مجالاً لتكوين الفتن والصراع والقلاقل، تمهيداً للهيمنة عليها اقتصادياً وثقافياً ودينياً وسياسياً؛ ولهذا تتخذ مهمة كتابة التقارير المتعلقة بعادات تلك الشعوب، ومسالكها وسيلة لتكوين المعارف المتصلة بنسق سلطوي. ثمة قصة وردت بين ثنايا الكتب، تنقل لنا هذا التصور، فقد قام سيد أوروبي بقتل رجل مسلم عن طريق الخطأ ـ حسب الرواية الإنكليزية- ما تسبب في ردة فعل غاضبة من قبل السكان المسلمين، الذين حاولوا الانتقام من بعض المسيحيين، ولهذا سرعان ما نعت المسلمون بالمتعصبين، في حين أن القاتل ما زال يعدّ سيدا مهذبا أمام هؤلاء الغوغاء. ومن هنا، فقد عنى الكتاب في كثير من مواضعه بتصوير بعض النزاعات والفتن والقلاقل التي كانت تسود في تلك المجتمعات بين الطوائف والأديان، بل إنها كانت تقع بين أبناء الدين الواحد، وبهذا فإن الكثير من الأحداث تسرد تبعاً لوجهة خطابية منظمة، تتخذ موضعها في التاريخ ليكون علامة لا تمحى.
يتكون الكتاب من أربعة عشر فصلاً، تتناول رحلة السيدة ماري انطلاقا من لندن إلى يافا، التي بدت عند الوصول إليها مدينة نابضة بالحيوية في أسواقها وسكانها، ولعل السرد في هذا الموضع ينقل لنا إحساساً بعمق التمكن الحضاري لهذه المدينة التي كانت مشرعة للكل. تظهر الانطباعات حول السكان الأصليين – كما تصفهم ماري- إيجابية كما يظهر من لقاء السيدة البريطانية مع عائلة خياط، التي رحبت بالضيفة الإنكليزية، بل إن فتاة من فتيات العائلة كانت تتقن الإنكليزية نتيجة دراستها في الإرسالية التبشيرية في بيروت، وغيرها، مما سهل فعل التواصل بين العائلة والضيفة. لقد سادت إيجابية التمثيل في رصد المكون المحلي في ذهن السيدة الأوروبية التي استشعرت كرم العائلة، وضيافتها، ولاسيما بعد تناولها وليمة عكست وفرة الغلال الصيفية في بلدة واقعة على ساحل فلسطين كما قالت.
يلاحظ أن الرحلة ضمن نسقها النصي لا تسعى إلا إلى تقديم صورة للحياة في الأراضي المقدسة، بوصفها نموذجاً تاريخياً يتصل بوعي أوروبي ديني، ثمة توجه لتعميق المشهدية في تقديم الحدث، وتثمين الوصف، وتقديم تفاصيل عن حياة الشعوب التي سكنت تلك المنطقة ضمن تقاليد العقل الأوروبي المأخوذ بالتدوين، والتصنيف، ومعاينة الوقائع، إنها فعل معرفي كامن في العقل الغربي الذي أدرك قيمة معرفة ما يجهله، غير أن هذه المعرفة تتخذ وضعيتها الإشكالية من كونها تنطلق من معيارية غربية في قراءة المسالك الحضارية للشعوب الأخرى.
تتخذ المعرفة القائمة على المكون اللاهوتي التاريخي موضعها في وعي هذه السيدة التي تصف قرية فلسطينية «قرية العنب» التي تشتهر بكروم العنب، بالإضافة إلى الوداعة والجمال، غير أن المؤلفة سرعان ما تستحضر الاسم القديم للقرية، فتذكر بأنها كانت تحمل اسماً قديماً هو «كريات يعاريم»، وهذا ينسحب على الكثير من المناطق، فالكاتبة غالبا ما تستشهد بالنصوص العبرية عند ارتباطها أو مرورها بمكان، أو حادثة ما، ومن ذلك وصفها للحجارة الكبيرة التي كانت تستخدم لبناء القلاع والحصون من قبل العبرانيين في الأزمنة الغابرة. إذن ثمة قيمة مركزية لا يمكن أن تقتلع في الوعي الغربي، بأن تجعل من فلسطين جزءاً من متخيل ديني يرى في العنصر العربي والإسلامي طارئاً على الأرض المقدسة، ومع أن الكتاب، يبدو حاملا للكثير من المشاهد والتمثيلات الإيجابية للحياة الفلسطينية، بثقافتها وشعوبها، غير أنها ما زالت في العمق، أو في خطابات اللاوعي الأوروبي تحمل توجهاً قائما على نبذ المكون التاريخي والثقافي للحضارات التي سكنت فلسطين، وعبرتها باستثناء المكون العبري، حيث جاء في معرض وصفها لبعض النماذج المعمارية مقولة تنسبها للعرب، حيث تقول: «لدى العرب قول مأثور مفاده أن» اليهود شيدوا المباني، والإغريق زرعوا الأرض والترك يهدمون»، ولكن هذا سرعان ما يدعم بنماذج حضارية شيدها الرومان واليونان تلاشت نتيجة بروز نسق آخر ثقافي شيده العرب والمسلمون، غير أن هذه الصروح توصف بأنها ليست سوى مآذن، وأكواخ، وزرائب بائسة من الطين، في حين أن أشجار الزيتون زرعها اليونانيون، وغير ذلك من هذه النماذج التي تنتشر في متن الكتاب، ومع أننا نتلمس أثناء القراءة بأننا ضمن سرد إيجابي يطال الحياة المحلية للسكان العرب، غير أن ثمة قراءة تاريخية كامنة في عمق هذه السيدة، إذ ترى الثقافة العربية أمراً طارئا على أرض فلسطين بنسق مخاتل، إنني هنا لا أسعى إلى معالجة تقويض أو فكفكة هذه التمثيلات أو تتبع مقدار مطابقتها، ولكني أسعى إلى تكوين صورة عن الأنظمة الخطابية المخاتلة التي تكمن في بعض الكتابات الاستشراقية الإيجابية، أو ذات النبرة الأقل عدائية تجاه الشرق المتخيل أو المصنوع، فثمة خطاب خافت أو كتل نصية تنهض على الاستعادة لتسريب قراءة تاريخية شديدة المغالطة في تكوين صورة عن هذا الشرق، ولا سيما في ما يتعلق بالأرض المقدسة، أو فلسطين.
تستمر رحلات السيدة لتشمل العديد من المدن والبلدات الفلسطينية، وفيها نقرأ عناية بوصف أنماط الحياة بما في ذلك البيوت، والملبس، والمأكل، وبعض العادات والتقاليد، بما في ذلك الأعراس، ومجالس التعازي، فضلاً عن الحريم، ونمط حياة المرأة، وموقعها في الثقافة الفلسطينية، علاوة على وصف مواسم الحصاد، وأنماط الزراعة، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والغناء، والمعتقدات والخرافات، وغير ذلك من مستويات عنيت بها الكاتبة لرسم صورة عن المنطقة برمتها، وعلى ما يبدو فإنها كانت معنية بإلحاح على الانخراط في حوارات، ولقاءات مع السكان، والتعرف عليهم عن كثب بغية تكوين معرفة شديدة الاتصال بواقعهم، ومن ذلك على سبيل المثال الحذر الشديد عند التحدث بشؤون الدين انطلاقاً من نصيحة شقيقها مساعد القنصل الذي كان على اطلاع بحساسية هذا الموضوع .
يزخر الكتاب في تكوينه السردي بالكثير من الأحداث التي تتصل بنقل أفعال الانتقال والارتحال، وإيقاع الحياة في فلسطين بحيث تكاد تطغى على المستويات الأخرى من الكتاب، وهذا ما يجعل الكتاب بعيدا عن أفعال الاستبطان والتحليل، أو محاولة رسم صورة ذات طابع فكري عميق بمقدار ما هو كتابة تقترب من آلية التصوير، ونقل التفاصيل، وبهذا فإن الكتاب لا يحمل الكثير من التعالقات مع مرجعيات ثقافية، أو نصوص فكرية، فالكتاب تطغى عليه نماذج من التوثيقية، وهذا يتضح في معظم الفصول، حيث تنتشر حوارات السيدة الإنكليزية مع النساء العربيات، والسكان المحليين، فضلاً عن أحداث تتعلق بنسق الحياة للعائلة الفلسطينية، ومدى تعلق أفرادها ببعض العادات والممارسات الدينية والحياتية، وهذا يشمل مختلف الطوائف الدينية التي كانت قائمة في فلسطين، والتي استطاعت الكاتبة أن تقف على حيثياتها بحيث استهلكت جزءا كبيرا من متن الكتاب.
لا شك في أن الكتاب يقدم صورة من الصور الحضارية والثقافية لفلسطين في تلك الفترة، وإن بدت في بعض الأحيان متصلة بواقع الدولة العثمانية، وما ساد من تراجع شمل كافة الأقاليم التابعة لها ضمن المستوى التعليمي والحضاري عامة، غير أن واقع فلسطين بدا مختلفا بعض الشيء، كونها كانت منفتحة على الآخر، نتيجة توافد الزوار والحجاج بوصفها أرضا مقدسة، ما أثرى واقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي إلى حد ما. تصف الكاتبة في جزء من كتابها الأسواق، ومن ذلك بعض بازارات نابلس، وأسواقها، حيث ترى بأنها تعد من أفضل أسواق فلسطين، فقد كانت معظم البضائع تجلب من أوروبا، ومنها على سبيل المثال الأقمشة المستوردة من مانشستر، والملاعق والسكاكين والشوك من شيفيليد، بالإضافة إلى المجوهرات الفرنسية، والمناديل السويسرية، وبضائع من الصين، وحلب، ودمشق، وغيرها.
لقد شكلت قدرة ماري إليزا على الرسم، وتعاطيها مع الفن فرصة لنقل واقع هذه المنطقة إلى المجال البصري، إذ بدت مأخوذة برسم الوجوه، والأشخاص الذين التقتهم، بوصفهم نماذج تاريخية، تزخر بالمختلف، وهذا ما يتفق مع الحملات الاستشراقية على الشرق من أجل اكتشافه، ومعاينته، وتحديد ملامحه الثقافية بوصفه ينتمي إلى مجال لا أوروبي، فهو غامض، وهذا بدا جزء من المعرفة التي سادت أوروبا نحو سبر كل ما هو خارج حدودها، ومن هنا برز تثمين المجال المعرفي بغية السيطرة على مفاصل الوجود، وهذا لن يتحقق ما دام الآخر مجهولاً؛ لذا لا بد أن يختبر ويوثق، وتصنيفه، مع بعض الإشارات التي تحاول أن تتخذ وضعية الكتاب الاستعماري الساعي إلى إحداث أثر في الأقاليم المختلفة من ناحية الوعي بالنموذج الأوروبي والحضاري، ونبذ بعض الخرافات، وتحرير المرأة، والتعليم وغيرها.
وفي الختام، يلاحظ من الإشارات التي أوردتها إليزا في كتابها بأن ثمة نوعاً من التجذر والنزوع في وعي الأوروبي بأن دوره الاستعماري وقدومه إلى هذه المنطقة ينطوي على قيم وأدوار حضارية وتنويرية، وفي هذا السياق أسترجع ما كان من أقوال المحافظين الجديد إبان الغزو الأمريكي للعراق حيث روجوا بأن الغزو قد أتى حاملاً مشاعل الحرية والديمقراطية، وكي يحقق التقدم والازدهار!
كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب