لعلها فقط مصادفة ليس أكثر.. تحديدا في المرحلة «العسيرة» ماليا وعمليا على القطاع الطبي في الأردن، يبرز اسم محترفي مهنة «الطب» تحديدا على لسان كل مسؤول في الحكومة يتحدث عن التهرب الضريبي وضرورة أن يدفع المهنيون الكبار الضريبة المستحقة عليهم بعد الآن.
سمعت من عدة مسؤولين ذريعة أقبح من ذنب، وهم يلاحقون ويطاردون حصريًا طبقة الأطباء من الأردنيين على أساس أن إلزام الأطباء ومعهم المحامون تحديدا بدفع الضريبة، كأنه الحل السحري لأزمة الخزينة، والعنوان الأعرض للتهرب الضريبي.
لا يبدو الموقف منصفا، فأنا أعرف العشرات من كبار الأطباء الحريصين على دفع كل قرش يطالبهم القانون به، بل بقي بعضهم يبحثون عن أفضل السبل للشفافية المالية والطرق التي ينبغي عبرها القيام بالواجب بحق المجتمع والدولة.
لا يمكنني شراء تلك الرواية السطحية التي تقول إن مشكلة التهرب الضريبي التي يعزف نغمتها الجميع اليوم ستعالج في حال إلزام طبقات المهنيين الكبار مثل الأطباء والمحامين بدفع الضريبة، وأحسب أن كبار المتهربين بينهم مجموعة من الحيتان النافذة التي تفوق في تأثيرها الوزراء وأعضاء البرلمان.
كما أحسب أن رئيس الوزراء شخصيًا الدكتور هاني الملقي تلمس ذلك عندما تنكّر وفاوضه بائع بطارية سيارة على سعر من دون فاتورة للتهرب من الضريبة، بعد نصيحة في هذا الاتجاه قدمها للحكومة رجل الأعمال البارز زياد المناصير.
صغار المتهربين ضريبيًا أيضا يشكلون طبقة في غاية التوسع حيث يتواطأ الناس معهم ليس فقط لأنهم يدفعون تكلفة «أقل» من دون ضريبة مبيعات.
ولكن لأن المواطن الأردني تحركه القناعة بأن الأموال تسرق وتنهب أو تخضع للمغامرة بها على مشروعات تنطوي على مجازفة وأن الضريبة التي تدفع من جيبته لا يحصل على بديل لها وأي من خدمات الرفاه الاجتماعي.
هي قناعة قد لا تكون عميقة وحقيقية وصادقة، لكنها تشكل الأرضية لحالة تواطؤ الإنسان البسيط مع تجنب التسعير مع الضريبة برفقة صغار التجار والمهنيين، حيث أن الخدمات الحكومية المنقوصة تتراجع الآن وبصفة جماعية بعد الاضطرار لإدارتها بالمنطق اللحظي والآني لا بالمنطق السياسي أو الاستراتيجي أو حتى المنتج.
نعود لموضوعنا الرئيسي.. ليس من العدل والإنصاف التركيز على الطبيب والمحامي دون غيرهما، وليس من العدل محاولة تشويه صور أصحاب مهن محددة، على ألسن مسؤولين ووزراء على اعتبار أنهم الأثرياء والأكثر دخلًا، وعلى أساس الاتهام من دون وجه حق، أو تدقيق أو أدلة بالتهرب الضريبي.
تم إقناع بعض المؤسسات أن الطبيب والمحامي في الأردن يمثلان طبقة تجني دخلًا كبيرًا جدًا وتتلاعب بالضريبة.
لا أحد يريد التحدث عن قصور ملاحظ في نظام الرصد الضريبي ولا عن الأداء البائس والشللي لبعض الفرق الفنية المكلفة بمتابعة الاستحقاق الضريبي.
ولا حتى عن تعزيز الكادر البشري المكلف بإدارة هذا الرافد المهم لخزينة الدولة بالكفاءات والخبرات التي يحتاجها، حيث يعتبر موظف الضريبة في الأردن من أكثر الموظفين المستهدفين في عمل صعب ومعقّد وأساسي ولساعات طوال من دون حوافز حقيقية وحيث لا عدالة في إسقاط الأخطاء والتجاوزات الفردية عندما تحصل على أسرة العمل الضريبي.
برغم ذلك ينسى من يوجهون الاتهام للطبيب والمحامي أو غيرهما وراء الكواليس أن الحديث هنا عن نخبة من المهنيين الكبار لها دور كبير في رفد الخزينة أولًا والحفاظ على سمعة البلاد وإدامة نظام العدالة، ولها دور في إدرار دخل بالمليارات على الأردنيين.
لا أريد الدفاع حصريًا عن الأطباء ومن يعملون في مهنة المحاماة، لكن لا يمكن أن يكونوا العنوان المنصف للحديث عن استهداف محكم لدخلهم الذي يتآكل اليوم، لعدة أسباب على المستوى الضريبي ولا يمكن قبول الرواية التي تحاول تسويق مجمل التصعيد الضريبي على أساس تشوية صورة قطاعات بأكملها مهمة لتغطية عجز الحكومات المتعاقبة.
لا علاقة للأطباء ولا للمحامين ولا حتى المهنيين بزيادة المديونية، ولا بعبء الفساد ولا بالإخفاق التفاوضي ولا بالتخطيط الاقتصادي ولا بأي قرارات اتخذت وأضرت بالاقتصاد الوطني في ربع القرن الأخير.
القرارات في بلادنا لا يتخذها المهنيون.. والعرض المتردي على صعيد الانتاجية الإقليمية سياسيًا لا يديره طبيب أو محامٍ أو حتى مصرفي أو صاحب مهنة لو كان ذلك يحصل ولو جزئيا أصلا لما وصلت المديونية إلى ما وصلت إليه ولما اختنق الاقتصاد الوطني في زجاجة الأداء المراهق والفشل في التفاوض.
لافت جدا بالنسبة لي أن التشدق الرسمي والبيروقراطي بالنغمة التي تقول إن «الطبيب الأردني الكبير أثرى ويتهرب من الضريبة» ينطوي أولًا على تعميم غير منطقي وغير عادل.
وثانيًا وهو الأهم مثل هذا الخطاب ومن حيث التوقيت ينطلق في واحدة من أصعب المراحل على مهنة الاستثمار في القطاع الطبي في الأردن، حيث تراجع هذا القطاع إلى حد كبير مؤخرا، بسبب سلسلة قيود «بيروقراطية وأمنية» وضعت على ضيوف المملكة من الباحثين عن علاج أردني.
بمعنى آخر تبرز تلك الاتهامات لمهنيين كبار مثل الأطباء والمحامين في الوقت الذي تراجع فيه دخلهم وتحطمت أعمالهم من جراء قرارات حكومية غير مفهومة حرمت البلاد من مليارات كانت تدفع في البلاد تحت عنوان سياحة الاستشفاء في الأردن.
الموقف يبدو مضحكًا.. بدلًا من تعزيز استثمارات الأطباء تتخذ قرارات تقلص أكثر من 70 في المئة من أعمالهم ثم تستيقظ الحكومة فجأة وتتهم الأطباء تحديدا بالتهرب الضريبي بدلا من رفع القيود الأمنية عن هذا القطاع وزيادة المحصول الضريبي.
طبعا يتهرب بعض الأطباء ويتاجر بعض آخر بالمهنة وقد تجد محاميا يتلاعب بدخله.. لكن أن يقال إن الجميع يفعلون ذلك وفي المهن كلها، ولا يمكن الادعاء بأن ذكر اسم مهنتين فقط هما الطب والمحاماة ينطوي على حكمة رسمية.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين