شَرَعَت الجرائد والمجلات، والمواقع الإلكترونية، في أكثر من بلدٍ أوربي، في متابعة ما يجري في الشأن الثقافي، أو ما يَعْتَبِرُونَه من مُؤشِّرات ‘الدخول الثقافي’. ثمة برامج للنشر، ولتسويق الأعمال الأدبية والفكرية الجديدة، حركة دائبة، من العمل اليومي، الذي هو جزء من عمل الناشر، الذي يعتبر نفسه مؤسسة ثقافية، ذات مشروع فكري، وإبداعي، وليس مجرد طابِعٍ، أو وسيط، بين الكاتب، ومن يقرأونه.
الناشر، في هذه الحالة، هو مُقْتَرِح أفكار، ومشاريع، ومُقْتَرِح أسماء، ويتدخَّل في العمل، من خلال لجان القراءة التي تعمل بحيادٍ تامّ، وتنتصر لقيمة العمل، وأهميته، لا لغيره من الأمور التي لا علاقةَ لها لا بالقيمة، ولا بأهمية العمل، أو ما يمكن أن يكون إضافةً فيه. فقبول العمل، ضمن برنامج الدار، هو تقدير لقيمته، وتعتبره الدار إضافةً لها، هي أيضاً، لأنها ستكون شاركتْ في طرح أسئلة، أو الترويج لأفكار، رغم ارتباطها بالكاتب، فللدار فيها حضور، عبر انتقاء العمل، واختياره، وتسويقه، والترويج له من خلال الدعاية له، في كالمنابر التي تهتم بالشأن الثقافي.
لا شيء من هذا يحدث عندنا. كثيرة هي الأعمال التي تُنْشَر، ولا يعلم بها أحد، رغم إهميتها، وما تقترحه من أفكار. الناشر يعفي نفسه من الدعاية لها، وترويجها إعلامياً، والصحافة الثقافية، هي الأخرى، لا تبحث عن الإصدارات، والبرامج الثقافية الجديدة، فثمة اجتهادات يقوم بها بعض المسؤولين عن الإعلام الثقافي، هي اجتهادات فردية، ربما يذهبون في استقاء الخبر والمعلومة إلى الكاتب نفسه، في ما الناشر غير معني بهذا الأمر، فهو يحصر عمله، ومهمته في طبع العمل، والباقي يقوم به الكاتب، أو المؤسسات الإعلامية، التي عليها أن تبحث عن الكتاب، وتعمل على الدعاية له.
لا أريد أن أتحدث عن لجان القراءة، في دور النشر العربية، ثمة دور تحترم نفسها بفرض معايير، وسياسة للنشر، وهي دور قليلة، ومحسوبة على رؤوس الأصابع، الباقي يعملون بمنطق السوق، أي ما يريده القاريء، وليس ما تعمل الدار على تكريسه كإبداع، وكتابة، وفكر، ما يجعل الشِّعر، مثلاً، يصبح بين الممنوعات، عند كثير من ‘الناشرين’ الذين يُصادرون الشِّعر، ويستبعدونه، دون مبرر حقيقي.
اسمحوا لي أن أُذَكِّرَكُم بعصر التنوير في أوربا: ما جرى من انقلاب في الأفكار، فرضه المفكرون والكُتاب والشعراء، وهم الذين نقلوا الإنسان من فكر الهيمنة الدينية الذي كانت فيه الكنيسة هي كل شيء، إلى نوع جديد من الفكر، أصبح فيه الإنسان هو كل شيء. ومن يتذكَّر الكوجيتو الديكارتي ‘أنا إفكر إذن أنا موجود’، سيدرك ما حدث من انقلاب في الفكر الأوربي، والكُتَّاب هم من صنعوا هذا الانقلاب، بدعم الناشرين الذين عملوا على لعب دور تاريخي في هذا الانقلاب العظيم، الذي غيَّر مجريات التاريخ الإنساني كاملاً، بالشِّعر، كما بالمسرح، وبالفكر، والفن عموماً.
لا بد من مراجعة الناشرين لدورهم، ولوظيفتهم، فمهمة الناشر فيها من المسؤولية، ومن الخطر، ما لا يمكن تصوره، فهو حامل أفكار، ما دام ينشر الفكر الجديد، ويحرص على القيمة والإضافة، سواء في التأليف، أو في الترجمة. وهو العصا السحرية التي يحقق من خلالها الكاتب حلمه، وينقل أفكاره من الحلم إلى الواقع. وهذا ما سيفرض على الناشر أن يخرج من دور الطَّابِع، ويتحمل مسؤوليته في أمة يتفاقم فيها الجهل، والأمية، ويترك فيها الناس الكِتَاب، ليذهبوا إلى غيره مما يجعل من فكر الظلام ينتشر، بصورة لا سابق لها، والدولة، هي المسؤولة الأولى والأخيرة على هذا التَّدَنِّي الفكري والمعرفي الذي نعيشه.