صفٌّ وصفوة

حجم الخط
0

ركضَ مُنصف نحو المحطة يترجَّى أن لا يسمعَ مِن بعيد صفير الرحيل. لا يريد الانتظار. القطارُ الموالي دونَه ساعتان والليل ارتحل مقبلا، ولا أمان في تلك المدينة العريقة التي صارت موحشة لحد التوحش، والناس صاروا لا يتناصرون. نفسي نفسي..
عند البوابة وقف يستردُّ أنفاسَ سِباقِ الزمن، فإذا بصوت المحطة الأنثوي يُعْلِمُ أن «القطار المقبل من المدن: أَلِف، باء، تاء والمتوجه نحو المدن: جيم، حاء، خاء.. سيدخل المحطة نصفَ ساعة أو أكثر بعد موعده..» آه! الركضُ كان تعبا محضا، والتأخُّر سيِّدُ هذه الأرض. لكن.. رُبَّ ضارة نافعة. صفٌ من المسافرين كان يتقدم ببطء نحو إحدى فتحتي الشبَّاك الزجاجي الكبير لاقتطاع التذاكر، بينما الفتحة الأخرى تحجبها لوحةٌ نُقِش عليها «مُغلق». وفي حجرة مكتب قريبة كان يُسمع خليطٌ من ثرثرة وقهقهة.
انضم مُنصف إلى أهل الصف الذين لا يملكون إلا الصبرَ. الصبرَ على الوقوفِ الواقفِ هنا، المُتحركِ داخل مقطورات لم يبق فيها مُتًّسَعٌ للجميع، لكن فيها مُتَّسَخٌ، رغم التذاكر الباهظة. لا مفر. أحيانا تصير أنت وسيلةَ إيضاح لدرسٍ قانونيٍّ قديم. عَقدُ السفر في القطار من عقود الإذعان كما ترى. خُذ أو دع. إركب معهم أو لا تركب. أنت حر؛ أو حُرْ- ثاني، أو انتظر خارقة أو كرامة. لكن الكرامة إما من شأن أنوار الولاية، أو من شأن أنوار الروم وضفتِهم الأخرى.
التفتَ منصف تِجاه الباب ليرى كوكبة سُياح شُقْرٍ برَّاقين يدخلون المحطة. سبحان الله. الروم هنا، وفي كل مكان. كانت إناثُهم يحملن كلابا بحجم الكَفَّيْن ويرتدِين تنُّوراتٍ تُعَلـِّم غضَّ البصر، لِمن شاء أن يستقيم. ثم ما لبث أن التفت لحركةٍ سريعة خلف زجاج الشباك. القابضُ هب إلى زميله في القاعة المجاورة، وهب الزميل قاطعًا الثرثرةَ والقهقهة إلى الفتحة المغلقة. أزاح اللوحة فورا ونادى على صَفوة السياح. ترددوا وارتبكوا. كانوا ألمانا، وليسوا فرنسيين يعرفون ملَقَ المكان. لم يصدقوا ما يجري وقد قصدوا الصفَّ بعفوية لأخذِ أمكنتهم خلف مُنصف. نظر بعضُهم إلى بعض في استغراب. القابض يريد أن يفسد طبيعتَهم بتذلـله الملحاح، وكلما أبطأوا بالاستجابة زاد حرجُه تحت عيون صف السكان الأصليين الساكتين. اشمأز منصف وهو يتأمله كأنه سمك كبير مات في حوضه الزجاجي أثناء سفر أصحابه، وتجمدت على قسَمَاتِه بسمةُ الجوع القاتل. لكنَّ تردُّدَ صفوة السياح تبدد بعد صمود، فانزاحوا عن الصف إلى الشباك المفتوح على شرفهم.. ثارَتْ ثائرة مُنصِف على العبث المحيط. وكيف تصبر والذي أمامك ليس خَضِرا يخفي تناقضُ أفعاله سرا إلهيا سينبئك بتأويله.. صرخ في وجه القابض. كيف يُعقل أن الناس في الصف الطويل البطيء منذ مدة ولم تحركْ ساكنا والآن تهب لخدمة السياح الميامين؟ تعليماتٌ أم تعاليم؟ ألم يسقط الاستعمار منذ زمن؟ ألم يذهب هو ووباءُ التيفوس إلى غير رجعة؟ ألم ينقرض جيلُ القمل والبرغوث وعامُ البَوْن* الشاسع بيننا وبينهم؟ بلى.. لكن كلا!
عبس القابض عُبوسا وأخذ ينطق بكل كلماتِ الحق التي يراد بها الباطل. إنه يقوم بواجبه كما يُرام؛ إنه يخدم الاقتصاد الوطني وينعش السياحة الدولية ويعتني بصفوة ضيوف البلاد، والخيرُ في المساعدة! ثم ما لبث أن برز مسؤولٌ مِنْ بابٍ لم يزل مغلقا منذ البداية، أثاره النقاش. نادى على القابض إلى مكتبه بعد أن أمره بإعادة لوحة الإغلاق إلى مكانها. إنه يسمع ويرى الصفَّ منذ البداية ومن وراء حجاب، لكن ما دام لم يعترض أحدٌ فأحلكُ الظروف وأحلاها سواء، والكل على ما يُرام. في حيرة من أمرهم، عادت صفوة السياح إلى الصف وحالُهم يعتذر عما لم يقترفوا. ثم برز المسؤول ونادى على وجه آخر وأمره بفتح الشباك.. لمن شاء..
لم يميز منصف نظراتِ الناس الملتبسة. هل كانت عرفانا؟ أم شفقة على سياح لهم الأسبقية أينما حلوا وعلى كل حال؟ أم سخَطا على تدخُّلٍ سيزيدُ انتظارَهم؟ أن تصرخَ ألمَك محذور ومحظور والقوم يمقتون الضغط. تبا. كان هو مندهشا من نفسه. عادةً هو مُسالم ومواطنٌ وديع، وسلوكُ القابض هو الذي أخرج منه أسوأ ما فيه أو أحسنَه ربما. لقد اكتشف ألا فرق بينه وبين ذلك الرجل الذي صرخ متوعدا في وجه خصمه أثناء ملاسنة تحت نافذة البيت: « شوف أخويا نقول لك… أنَا رَنِي زْوِيـــِــِــِــِـنْ ولكن فْ- نْفْسْ الوقت… أنا رَنِي قبيـِــِــِــِــِــحْ..» وكان الرجلُ الغاضب يمد الكلمتين مدًّا كاملا، لأنه.. من الكمال أن تجمع النقيضين حين تنتقض العُرَى عروةً، عروةْ..

٭ عام البون أو عام الجوع
قاص مغربي

صفٌّ وصفوة

رضا نازه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية