إن موضوع نموذج التنمية يطرح إشكالية تفترض نقاش وطني واسع لتحديد المفاهيم وبلورة المضمون. وهذا ما طرح في عدة مناسبات ويعتبر قضية كبرى تستحق النقاش وعقد مناظرات هادفة.
و استعمال تعبير «نموذج التنمية» يفترض سلفا كما لو أن هناك عددا من النماذج متواجدة إزاء بعضها للاختيار من طرف من يقرر، لذلك نفضل تعبير التوجهات الاقتصادية – الاجتماعية التنموية. وهذه التوجهات هي التي سوف تخط مسارا ودينامية تؤدي على المدى المتوسط والطويل إلى بروز تشكيلة اقتصادية – اجتماعية يمكن مجازا إطلاق عليها تسمية نموذج تنموي للبلاد.
المحيط العالمي و التوجهات الاقتصادية – الاجتماعية التنموية
في هذا الإطار و من أجل الكلام عن «نموذج التنمية»، نسجل أولا أن المحيط العالمي وعولمة اقتصاديات البلدان والأمم، وانخراط هذه الأخيرة بهذا الشكل أو ذاك في المنظومة المعولمة، يعتبر أحد المحددات الأساسية للتوجهات العامة، الاقتصادية – الاجتماعية، للبلدان.
إن المنظومة المعولمة تعيش اليوم أزمة تتعمق باضطراد، وهي إلى سنوات أو عقود خلت، كانت تحت ريادة الولايات المتحدة واقتصادها وماليتها وعملتها، وما دامت هي على قاعدة الرأسمالية ومجتمع الاستهلاك فإن كنه الأزمة يتجلى أساسا في معضلة تسويق ما ينتج و مشكل عدم استيعاب الفائض من الإنتاج… وأيضا في تضخم المضاربات المالية حتى أصبحت الفضاءات المالية أرحب وأضخم بكثير من الفضاءات الإنتاجية في رقم معاملاتها، فأصبح الاقتصاد افتراضيا أكثر منه واقعيا باعتبار الفقاعة المالية… و أضحى المتربعون على العالم يسابقون الزمن هروبا إلى الأمام … وما دامت مصالحهم متمفصلة بصورة وثيقة مع الصناعات الحربية والإلكترونية و مع المالية، فإن استراتيجية هذه المجمعات هي تشجيع الحروب و إذكاء بؤر التوتر، ضمانا لأسواق منتوجاتهم و منها الأسلحة… وبما يتضمن كل ذلك من مآس للشعوب والفقر والهشاشة وتفتيت الأوطان الخ…
الاستثمارات الأجنبية و التصنيع في المغرب
والمغرب قد اجتاز لحد الآن عددا من المحن والعواصف بأقل الأضرار كما يسجل الجميع …إذ أصبح المحللون يتحدثون عن الاستثناء المغربي الذي استبق الأحداث والمخاطر وقام بعدد من التغيرات النسبية، دستورية واجتماعية و اقتصادية وغيرها. واستطاع جلب عدد من الاستثمارات خاصة في الصناعة مثل قطاع السيارات والطائرات والإلكترونيك والسياحة والفلاحة واللوجستيك والنقل، فأصبح البعض يتحدث عن نموذج تنموي مغربي … وبموازاة ذلك، ارتفعت موجات الاحتجاجات الاجتماعية في الحواضر وحتى في القرى والبوادي مطالبة بالشغل والتعليم والصحة وأساسيات الحياة و حتى ماء الشرب…
وإلى ذلك إذا رجعنا إلى دراسات الدولة والإحصائيات فإننا نجد أن الفقر والهشاشة تزداد في واقع اقتصادي – اجتماعي تزيد فيه الفوارق الاجتماعية، والمحللون يتوقعون عموما آفاقا أصعب وأخطر… لما سبق يلزم فعلا تغيير التوجهات العامة الاقتصادية – الاجتماعية التي تسير عليها البلاد، وأيضا تحسين الجو العام في مجالات التدبير والتعليم والثقافة والفن والقيم الإنسانية والأخلاقية وقيم التضامن.
من هنا فإن الاستثمارات و الخارجية منها على الخصوص، تتطلب توجيها يراعي مصلحة البلاد من امتلاك حقيقي للتكنولوجيا وإنتاج قلب الآليات أو جزء منه في شراكة ندية أو شبه ذلك و تجنبا لنزيف العملة جراء إرجاع الأرباح عوض إعادة تدويرها بالبلاد … وبما أن الموضوع رهين بميزان القوى بين الدول، يجدر التسجيل أن المغرب آخذ نسبيا في تحسين موقعه التفاوضي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن التحالفات والشراكات الجديدة مع شركاء استراتيجيين جدد من شأنها أن تسمح بضمان مكاسب على هذا المستوى إذا ما تم التدبير السياسي والدبلوماسي بعقلانية وذكاء.
في الإطار العام نفسه ، و من أجل اكتساب التكنولوجيا العالية والمهارات في مجالات الابتكار، مفروض أن يعرف مجال البحث العلمي قفزة نوعية لأنه جد هزيل في بلادنا، بل لأن مبادرات في هذا الميدان ليس فقط أنها لا تحظى بالدعم اللائق بل أحيانا يتم محاربتها من طرف بعض ذوي المصالح والاحتكاريين عوض احتضانها وتطويرها… فالمجال العلمي والبحوث والتطوير أمور تكتسي أهمية من درجة سيادية من أقصى الأهمية يلزم أن تحتل مركزا متميزا في التوجهات الاقتصادية – الاجتماعية الاستراتيجية لأنه يخدم التطوير الحقيقي للصناعة والفلاحة والخدمات الوطنية ويمده بالتجديد والابتكارات الطليعية…
التعليم بوابة أساسية للتغيير المطلوب
وفي المجال الاجتماعي نلاحظ مبادرات تبقى جد متواضعة غالبا يتم الالتفاف عليها بسبب سوء التدبير والفساد. يأتي على رأس الأولويات التعليم الذي يعرف تدهورا مستمرا رغم بعض المحاولات، فهو يستحق جهودا أكبر وتدبيرا استثنائيا نوعيا ومراجعة المضمون ومراجعة موقع الأستاذ وظروفه وشروط تكوينه المستمر والقيم التي تسري في فضاءاته، كل ذلك في طريق تخريج أفواج من الطلبة والأطر المختلفة، قادرة على أن تفكر فعلا وقادرة على التحليل وإعطاء الحلول والتواصل حولها وأيضا تغدية قطاعات البحث العلمي لمواكبة العلم والابتكار والتنمية الفعلية.
وتعتبر أعطاب قطاع الصحة مشخصة ومعروفة والخصاص فيها خطير خاصة في البوادي، وتزيد من تعقيده معضلة الرشوة ومشاكل القطاع الخاص، وهذا موضوع يستحق تبادل ونقاش للمزيد من تدقيق سبيل الإصلاح الجدري، يضع الحرص على صحة الإنسان المغربي وعلاجه من الأولويات الاجتماعية الحيوية .
رافعة القطاع الاجتماعي والتضامني
ويجدر التطرق أيضا وأساسا للقطاع الاجتماعي والتضامني الذي يشكل في نظرنا دعامة مهمة للتوجهات الاقتصادية – الاجتماعية التي يمكن أن تحقق التغيير الفعلي و الطفرة النوعية لأي تغيير جدي. سبق أن أشرنا أن المحيط العالمي المؤسس على مجتمع الاستهلاك، عولم اقتصاديا العالم فأضحى تقريبا كل شيء في المجتمعات يخضع لمنطق البيع والشراء، خاصة تحت تأثير الإعلام وجبروت وسائله الضخمة. لذلك نجد في مجتمعاتنا أيضا تشييء تلك القيم الاجتماعية العريقة من أخلاق طبية وتآزر وتعاون كلها تتآكل بسرعة. و في نفس الوقت، نجد أن شرائح واسعة من المواطنين يعانون من الهشاشة التي تتوسع باضطراد، فتكثر فيالق «الفراشة» والعطالة والشحاتة، وأيضا جماعات الإجرام وما إلى ذلك، وكل ذلك لأن الوطن لم يوفر لهؤلاء التعليم و فرص الشغل والعيش الكريم الخ… ومن أجل التعاطي مع هذه الظواهر تظهر بعض المبادرات تتسم بطابع المساعدة أو نوع من الصدقة وإملاء أفكار «مشاريع مدرة للدخل» لا تلائم سياق حياتهم، إذ أن المبادرات التي تستهدفهم رغم بعض الإيجابيات المحدودة، فإنها خضعت في الغالب لمنطق الإملاء و الزبونية وسوء التدبير و إهمال إشكالية التسويق الأساسية. لذلك فإن هذه المقاربة تخلق الاتكالية ولا تطور روح المبادرة والاعتماد على النفس ناهيك عن إذكاء روح المقاولاتية المطلوبة.
لذلك فإن التوجيه اللازم و الضروري هو النهوض بالقطاع الاجتماعي والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بما هو تأسيس فعلي لهذا القطاع بمقاولاته الاجتماعية وتعاونيات وجمعيات من جيل و نوعية جديدين، كلها حسب منطق المنفعة العامة والتعاون والتعبئة واسترجاع الثقة الشبه مفقودة. ولا يمكن أن تتطور هذه السيرورة إلا بالانطلاق من البعد المجالي وتراب الجماعة والإقليم والجهة. ففي هذه الفضاءات يتوجب أن يتم الاجتهاد الجماعي المنظم للتداول التشاركي في الحاجيات والحاجيات الملحة والوسائل المتوفرة والكفاءات المتواجدة، وطرق التعبئة من أجل التنفيذ والإنتاج وتقليص الفوارق والتهيئة والجواب على الحاجيات تباعا حسب الوسائل والإمكانيات، ومن خلال أيضا سيرورة تفاوض مع المستويات الأخرى المجالية والجهوية والمركزية. من هذا المنظور يمكن أن نتحدث عن الجهوية الفعلية ذات القرار المنبعث من الحاجيات الملموسة للناس والاستفادة من تثمين الموارد و تشغيل أبناء المنطقة وإلا أضحت جهوية شكلية التي تحتفظ بالصلاحيات للمركز.
علما أنه ليس هناك نموذج قبلي للنهوض بهذا القطاع الاجتماعي التضامني بل باب الاجتهاد مفتوح، وهي تجارب يمكن أن تنجح بهذه النسبة أو تلك في الجواب على معضلات التنمية وتوفير العيش الكريم وإسعاد الناس… وفي هذه الحالة يمكن تبادل التجارب بين مختلف الفضاءات الترابية وتعميم ما التجارب الأنجح إلى الجهات والجماعات الترابية الأخرى.
من كل ما سبق في هذا الباب، فإن القطاع الاجتماعي والاقتصاد الاجتماعي والتضامني يعتبر رافعة حيوية وجوهرية من رافعات التوجهات الاقتصادية – الاجتماعية أو لنقل مجازا «نموذج التنمية» المطلوب، لأن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إذا تم النهوض الفعلي به، ووضعت قوانينه وقواعد تدبيره وأسس تمويله وميكانيزمات عمله وتفجير المبادرات والتجارب المتفتحة على الناس البسطاء وحاجياتهم وتطوراتهم، إن هذا القطاع هو القمين وحده بالتقدم في حل المعضلات الاجتماعية من بطالة وهشاشة وأمية وهو القمين أيضا بتغيير العقليات إلى التفكير المبدع والابتكار والإنتاج وبالتالي إعادة بناء منظومة القيم الاجتماعية، لأنها تنطلق أولا من تقديس قيمة العمل والتآزر لحل المشاكل، لأنها من طبيعتها اجتماعية جماعية، خلافا لقيم الأنانية المفرطة التي تجعل البشر في تنافس يصل حد التناحر، فالبشر لم يوجد ليخوض صراعا من أجل الوجود على حساب بعضه البعض، بل يجدر به التعاون للتغلب على الإكراهات والمشاكل… خاصة في زمن الأزمة التي هي أولا أزمة المنظومة العالمية و أزمة نموذج مجتمع الاستهلاك و الأوليغارشية المتحكمة في دوالبه.
هكذا فإن الرافعة الأخرى التي هي الصناعة والصناعة الكبرى والفلاحة الثقيلة ستكون مهمة بدرجة ما يتحسن موقع المغرب في نطاق هذه المنظومة العالمية… إذ أن التدبير السيادي للأوطان واقتصادياتها رهين بمدى قدرة قادتها ودبلوماسيتها على تحسين القوة التفاوضية بهدف تحقيق تحويل حقيقي أو تدريجي للتكنولوجيا العالية.
من هذا المنظور العام و التصور الإجمالي فإن المغرب سيبلور توجهاته الاقتصادية على أساس هذين الرافعتين المتكاملتين سيرا على رجلين كما يقول المثل، وعلى مدى متوسط فإن البلاد ستكون قد حققت تغييرا هاما ونوعيا في توجهاتها العامة الاستراتيجية وفي اتجاه التنمية المتوازنة التي ترقى بالبلاد إلى مصاف ليس فقط البلدان الوازنة بل المبدعة لنموذج تنموي ذي أبعاد إنسانية يقلص من البعد الاستهلاكي للمجتمعات ويقلل من الفوارق الاجتماعية ومن الهشاشة والفقر.
كاتب من المغرب
عبد العالي بنشقرون