على الرغم من الدعاية السياسية المستمرة حول «التحول الديمقراطي» في العراق بعد 2003، تظل الوقائع على الارض طيلة السنوات الأربع عشرة الماضية تثبت، يوما بعد يوم، أننا لسنا سوى بإزاء ديمقراطية شكلية لا تحيل على أي محتوى حقيقي للديمقراطية، يسوق الكثيرون لهذا التحول، ويصدقه الكثيرون ايضا، ولكن تظل حقيقة، ان لا وجود لمفهوم الديمقراطية، ثابتة.
لقد صوت مجلس النواب العراقي يوم الاثنين 23 تشرين الثاني/ اكتوبر 2017 على الأعضاء الجدد للمفوضية العليا «المستقلة» للانتخابات بأغلبية 152 صوتا من مجموع الحضور البالغ 172 نائبا (يبلغ عدد اعضاء المجلس 328 نائبا)! وكالعادة تم اختيار مرشحي الاحزاب الأكثر تمثيلا في مجلس النواب، لعضوية المفوضية، مع تغيير بسيط حدث في اللحظة الأخيرة وهو استبدال مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني (حزب البارزاني) بمرشح عن حركة التغيير الكردية، وذلك بسبب غياب نواب الحزب الأول عن مجلس النواب بعد ازمة الاستفتاء من جهة، ورغبة الباقين في معاقبة الحزب من جهة أخرى!
هكذا تداخل عاملان في طبيعة اختيار المفوضية «المستقلة»؛ الأول التوزيع الهوياتي: 5 أعضاء شيعة، 2 لكل من السنة والكرد، ثم أضيف في اللحظة الأخيرة عضوان آخران تركماني ومسيحي من دون حق التصويت! وعامل ثان هو التوزيع الحزبي: 3 لدولة القانون، وواحد للتيار الصدري، وآخر ممثلا للمجلس الاعلى الإسلامي مع تيار الحكمة. وعضوان للسنة وحصل عليهما كما قلنا في مقال سابق الحزب الإسلامي، فيما ذهب الآخر لحركة الحل. ثم عضوان في حصة الكرد وكانا من الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة الحل! وعلينا انتظار ما ينتج عنه صراع اختيار العضوين الآخرين بين التركمان السنة الشيعة من جهة! وبين المسيحيين من جهة ثانية!
وللتأكيد على «لا استقلالية» المفوضية تم تسريب اتفاق على ترشيح عضو لتمثيل «ورعاية مصالح «المجلس الاعلى وتيار الحكمة الانتخابية، من دون أن يثير هذا الاتفاق إزعاجا لاحد في ظل التواطؤ الجماعي على تحويل «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات» إلى مفوضية لرعاية مصالح الاحزاب المهيمنة على مجلس النواب!
كانت فكرة الهيئات المستقلة واحدة من أبرز ملامح مرحلة ما بعد نيسان 2003، فقد عمدت سلطة الائتلاف المؤقتة بإدارة بول بريمر، إلى استنساخ بعض صيغ العلاقات بين مؤسسات الدولة، وتحديدا العلاقة بين ما أطلق عليها الهيئات المستقلة والسلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد أصدر بول بريمر جملة أوامر بتشكيل هيئات مستقلة، شملت كلا من البنك المركزي العراقي ومفوضية النزاهة والهيئة العراقية للاتصالات والإعلام، وديوان الرقابة العليا، والمفوضية الانتخابات العراقية المستقلة، والهيئة العليا لحل منازعات الملكية العقارية. وقد عد الدستور العراقـي هذه المؤسسات «هيئات مستقلة» إلا أن هذه الاستقلالية تم إنكارها مبكرا، ولم تستطع البنى الذهنية للنخب السياسية العراقية أن تتسق مع هذه الفكرة. ففكرة السلطة في ذهن هذه النخب تشتمل ضمنا فكرة الهيمنة، هكذا انتهينا إلى احتكار السلطة التنفيذية لهذه الهيئات تدريجيا. وانتهينا بالقول إن فكرة «الاستقلالية» ليست سوى خرافة في العراق الحديث قبل وبعد نيسان 2003.
ثم حدث تطور من نوع آخر، فمحاولات الهيمنة انتهت إلى وأد استقلالية هذه الهيئات استنادا إلى قرار المحكمة الاتحادية رقم 88 لسنة 2011، على الرغم من استمرار صفة المستقلة التي أعطاها لها الدستور. فقرار المحكمة الاتحادية اعلاه جرد المفوضية من صفة الاستقلالية وجعل الهيئات المستقلة جزءا من احدى السلطات الثلاث القائمة: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبالتالي فقد اصبحت هذه الهيئات تتبع السلطة التنفيذية!
نص أمر بريمر الخاص بمفوضية الانتخابات رقم 92 لسنة 2004 على أنها « إدارة حكومية مستقلة، تحكم ذاتها، غير حزبية، محايدة ومهنية… مستقلة عن فروع الحكومة التنفيذية والتشريعية والقضائية»، ولكن مجلس النواب العراقي وجد ان هذه التحديدات لا تتسق مع «الحالة العراقية»! فتم تشريع قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم 11 لسنة 2007 ليعيد تعريف المفوضية بانها «هيئة مهنية حكومية مستقلة ومحايدة» مع رفع عبارة «غير حزبية»!
وإعادة توصيف طبيعتها، فلم تعد مستقلة عن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بل أصبحت «تخضع لرقابة مجلس النواب»! كما تكررت مفردة الاستقلالية مرتين في نص القانون حين الإشارة إلى ان يتمتع اعضاء المفوضية «بالاستقلالية» وانهم يجب ان يكونوا «مستقلين من الناحية السياسية». ولكن عمليا هذه العبارات تم تأويلها بان المقصود بالاستقلالية هو ان يكون عضو المفوضية غير منتم لحزب سياسي اثناء تسلمه منصبه وليس قبلها او بعدها!
والطريف هنا ان الأمم المتحدة كانت دائما شريكا في هذا «التدليس»، بل قدمت الغطاء الشرعي لهذه المفوضية «غير المستقلة» عبر تقاريرها الأممية حول عملها. فعلى الرغم من دعوة بعثة الامم المتحدة في العراق «يونامي» الدائمة إلى تشكيل «مفوضية مستقلة»، وتأكيدها على ان لا انتخابات ديمقراطية من دون مفوضية «مستقلة»، تواطأت مع المفوضيات المتتالية «غير المستقلة» دون ان تشير إلى عدم استقلاليتها، أو إلى كونها نتاج محاصصة حزبية واضحة!
من الصعب التفكير أن مفوضية انتخابات تعتمد على مرشحين حزبيين، او مرشحين لأحزاب، ان تدير انتخابات نزيهة وشفافة بأي حال من الأحوال. خاصة وأن هؤلاء الأعضاء الذين سيشكلون «مجلس المفوضين» و «الدائرة الانتخابية» اللذين لديهما سلطة شبه مطلقة فيما يتعلق بالانتخابات.
بداية من تشكيل مكاتب الانتخابات الفرعية على مستوى المحافظات، وصولا إلى إعلان نتائج الانتخابات. وبالتالي فأن الأحزاب التي «يمثلها» أعضاء مجلس المفوضين ستحظى عمليا بقدرة كبيرة على التدخل في «إدارة» الانتخابات عبر السيطرة على هذه المكاتب من خلال «ممثليها»، بداية من الاستحواذ على منصب مدير المكتب وموظفيه، مرورا بالسيطرة على المراكز والمحطات الانتخابية عبر تعيين ممثلي هذه الأحزاب فيها، وانتهاء بالسيطرة على العمليات الخاصة بالعد والفرز!
كما أن سيطرة الاحزاب على مفوضية الانتخابات سيجعلهم «يتحكمون»، واقعا، بالعملية الانتخابية كاملة.
فالقرارات المتعلقة بافتتاح المراكز والمحطات الانتخابية، وعددها، وتوزيعها الجغرافي، في بنية اجتماعية تعددية معقدة مثل المجتمع العراقي، لها دور حاسم في التأثير على نتائج الانتخابات. كما أن القرارات المتعلقة بإغلاق هذه المراكز والمحطات يوم الانتخابات لأي سبب (كما حدث في انتخابات 2014 في بغداد مثلا) لها تأثير أكبر على نتائج هذه الانتخابات! أخيرا تشكل الشكاوى والطعون المتعلقة بالانتخابات، والتي يتولاها ممثلو الاحزاب/مجلس المفوضين، دورا حاسما في عملية الانتخابات، التي تصل أحيانا إلى تغيير نتائج الانتخابات نفسها! خاصة وأن التجارب أثبتت أن الهيئة التمييزية القضائية المسؤولة عن البت في الطعون المتعلقة بقرارات مجلس المفوضين، لا تقل تسييسا عن المفوضية نفسها، ومراجعة سريعة للقرارات التي أصدرتها هذه الهيئة القضائية المتعلقة بانتخابات 2014 تثبت بما لا يقبل الشك هذه الحقيقة!
تقوم فكرة الانتخابات على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع القوائم المتنافسة، وعندما تتحول مفوضية الانتخابات، في بلد ما، إلى اداة بيد الأحزاب المهيمنة، فهذا الامر ينقض هذا المبدأ بالمطلق، وبالتالي سنكون أمام انتخابات غير نزيهة بمعزل عن الشكل الذي ستسوق فيه هذه الانتخابات، وبمعزل عن «المراقبة» المفترضة على صناديق الاقتراعات!
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي