الإسلام الرسمي في مصر: العلماء والعلمانية وأسلمة الحياة اليومية

لم تعر الأجيال الأولى من دارسي الفقه الإسلامي من الغربيين اهتماماً يذكر بالفتاوى، وكان محط تركيزهم بالطبع على المتون التي تبسّط فيها التعليمات الأساسية للمذاهب بوجه عام.
ويعد الباحث الهولندي كريستيان سنوك هورجرونجي من الباحثين القلائل الذين حاولوا إعادة الاعتبار لمجموعات الفتاوى، بوصفها مصدراً في دراسة التشريع الإسلامي، فضلاً عن ذلك، فقد نظر إلى الفتاوى بوصفها قادرة على كشف حقائق جديدة حول مجريات الحياة اليومية للمسلمين وهمومهم عبر التاريخ. غير أن عدم الاكتراث هذا بدراسة الفتاوى، سرعان ما تبدّل مع الستينيات من القرن العشرين، وقد ارتبط هذا التبدل وإعادة الاعتبار لدراسة الفتاوى في العالم الإسلامي مع عودة حالة من الاهتمام بالدين والحفاظ على شعائره في المجال العام، وهذا ما ساعد على أن تغدو فتاوى الوعاظ المعاصرين من أكثر الفتاوى تداولاً وبيعاً، كما على سبيل المثال، مع فتاوى الشيخ المصري محمد متولي شعراوي، التي حظيت عبر شاشات التلفزيون وشرائط الكاسيت باهتمام كبير لدى شرائح اجتماعية ونخب تعليمية وثقافية واسعة في مصر. وقد أولت بعض البحوث اهتماماً بدراسة الفتاوى باعتبارها مصدراً لدراسة الأعراف والتقاليد في العالم الإسلامي الحديث، وتعد أطروحة الباحث الدنماركي جاكوب سكو فجارد- بيترسون من أهم الدراسات التي صدرت في هذا السياق، إذ ناقش في أطروحته «إسلام الدولة المصرية: مفتو وفتاوى دار الإفتاء» التي تُرجمت مؤخراً للعربية عن مجموعة وقف نهوض لدراسات التنمية، ترجمة السيد عمر، كيف يمكن استخدام الفتاوى كمصدر لدراسة التاريخ الفكري والاجتماعي في مصر القرن العشرين، التي تختلف ـ وفقاً له- بشكل جوهري عن نظيراتها الصادرة من قبل، كونها معزّزة بحجية جديدة، وموجهة إلى جمهور مسلم جديد، لم يكن ببساطة موجوداً قبل نهاية القرن التاسع عشر. ولعل من بين الموضوعات التي يعتقد أن الفتاوى يمكن أن تقدم معلومات بخصوصها: إدخال مخترعات جديدة، مثل الساعة، أو محاكاة طرازات جديدة، أو الموقف من أنواع جديدة من الأطعمة والملبوسات والحرف والتقنيات.
ويرى جاكوب أن اهتمام الحكام في السابق بجعل المفتين تحت سيطرتهم كان يعد دليلاً على مدى تأثيرهم على السكان المحليين، رغم ذلك فإن تحكم الحاكم في الإفتاء خلال فترة الحكم المبكر للإسلام في مصر، كان قاصراً على اختيار وتعيين المفتين الرسميين، ومراقبة المفتين غير الرسميين؛ وقد تعززت مأسسة ذلك المنصب في عهد الإمبراطورية العثمانية، التي تبعتها مصر في ما بين عامي 1517 و1915، وبالأخص في إسطنبول؛ إذ نُصِّب مفت رسمي ولُقِّب بـ»شيخ الإسلام» في النصف الأول من القرن الخامس عشر، وكان الهدف من هذا المنصب محاولة إعطاء إجازة دينية لنظام الحكم من رجل زاهد في الشأن الدنيوي، وخلقه فوق الريبة والشكوك، وتأسيساً على ذلك كان راتبه متواضعاً، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وكان شيخ الإسلام يصدر مئات الفتاوى يومياً، معظمها بمجرد كلمة نعم أو لا، رداً على سؤال أعيدت صياغته بواسطة العاملين تحت إمرته، وفي أواخر القرن الثامن عشر جرت إعادة تنظيم عامة وجديدة للإدارة العثمانية، تضمّنت مزيداً من التوسيع لوظيفة شيخ الإسلام؛ بإنشاء دار الفتوى لتكون بمثابة مستشارية إدارية بحد ذاتها يعمل بها أناس يعدّون الفتوى ويسجلونها، مع تعيين مفت لبعض عواصم الولايات، إلا أن منصب شيخ الإسلام كان قد بدأ يفقد تأثيره السياسي حينئذ، وفي عام 1924 أُلغِي هو والخلافة.
ووفقاً لجاكوب، فقد شهد منصب المفتي مأسسة تدريجية، وبمرور الزمن أصبح العلماء جزءاً من بنية هرمية تترأسها شخصيات سياسة ذات نفوذ جرى إلحاقهم بالمساجد والمدارس الكبرى؛ رغم ذلك ظلت الفتوى شأناً خاصاً في المقام الأول، وتداولها محدود للغاية، ولا تنشرها وسائل الإعلام الجماهيرية، ولم يكن نشرها متاحاً، ولم يكن هناك مجتمع مدني، وبهذا لم يكن للحكام ولا للمفتين أي سيطرة كاملة على الإفتاء، كما لم يطمحوا على ما يبدو إلى شيء من هذا القبيل.
بيد أن هذا المشهد في علاقة الحاكم بالمفتين والإفتاء أخذ يتغير في غضون القرن التاسع عشر وفق ثلاثة مستويات، الأول يتعلق بنشأة الدولة الحديثة، التي شكلت -وفقاً لجاكوب- التطور الأهم في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين، خاصةً مع العقود الأربعة الأخيرة من ذلك القرن؛ إذ سيطرت الدول على كل مجالات الحياة العامة تقريباً، بما فيها القانون، والتعليم، والدين، وفي معظم الأحيان، على الإنتاج ومشاريع الأعمال ووسائل الإعلام الجماهيرية، وأصبح مفتي الدولة الشرق أوسطية موظفاً حكومياً مسؤولاً عن إدارة في وزارة العدل أو وزارة دينية.
وبناءً على ذلك ، يمكن القول من منظور معين إن المفتي بات مجهولاً على نحو متزايد في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ فمقارنة بالفتوى الشفهية التي كان يقدمها المفتي المحلي، بدت الفتوى الرسمية الحديثة تقدّم لشخص لا يعرفه المفتي ولا يعيش أحياناً في وسطه المحلي، كما أن الفتاوى الرسمية أخذت تنسخ في صحيفة حكومية، وتمهر بختم رسمي، يحمل شعار النسر المصري، ولا تحمل الفتوى أي سمة إنسانية غير توقيع المفتي والكاتب، وبينما يتعين علينا أن نحاذر من المبالغة في قيمة طابع اللقاء المباشر الحميمي بالمجتمعات المصرية السابقة، فإنه حتى تصميم الفتاوى الرسمية المعاصرة يبين بجلاء طابعها الرسمي المعمم.
الثاني، إن العالم الإسلامي كان يشهد في القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين نمواً متزايداً لظاهرة العلمنة البنيوية، التي تحدث عنها بيتر برجر، والتطور الأهم في هذا المقام هو نشأة الوكالات والمؤسسات الاجتماعية ـ في مجال مثل القانون، والتربية والتعليم، والضبط الاجتماعي- التي لم تعد مرتبطة على نحو وثيق بمتخصصين دينيين. ففي مصر القرن التاسع عشر، أُبعِد الإسلام إلى المجال الخاص في حقل القانون، وإلى المدارس الأدنى في حقل التربية والتعليم.
الثالث، هو لكون المفتي الرسمي يتحدث باسم الدولة، فإن هذا الأمر بات يعطيه سلطة من نوع لم تكن موجودةً قبل القرن العشرين؛ فالشعب كما السلطات يستشيرونه، ليس لكونه مفتياً مهماً، بل لأنه مفتي الدولة، وما يقوله موضوعي من حيث هو موقف ممثل الدولة، فهو يحدد إسلام الدولة، وبذلك فإنه منخرط بنشاط في تشكيل مجتمع قومي مسلم. وبدل أن ينشغل بتطور الفقه المتكيف مع ضرورات تغير المكان والزمان، فإن الأمر الأهم بالنسبة له ـ على ما يبدو- يتمثّل في معايرة الإسلام ضمن سياق دولة حديثة، وفي التصدي لعملية العلمنة باستخدام استراتيجية مزدوجة من خلال الضغط على السلطات من أجل إعادة دمج الدين في التعليم ووسائل الإعلام الجماهيرية والوعي الجماهيري، مع القيام في الوقت نفسه بتحويل التدين والتعليم الإسلاميين على نحو يمكن للأجيال الجديدة معه الاستجابة لتحدي المشاركة في خطاب القرن العشرين.
التحولات السابقة ساهمت بلا شك في إضعاف وإخفاق العلماء في التأثير على الحكام وعلى السلطة السياسية كما في السابق، مع ذلك، يرى جاكوب أن النجاح ربما يكون قد حالفهم في نقل درجة معينة من الرؤية السلفية للإسلام إلى عموم الشعب عبر الفتاوى، مما ساهم في ارتفاع وتيرة أسلمة المجتمع المصري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. فقد اتسمت الفتاوى في القرن العشرين بالتحزب؛ لكونها باتت تعبر عن الرؤى الأيديولوجية المتحزبة في خطاب إسلامي جديد. كما غدت الفتاوى بمثابة وسيلة لنشر صيغ خاصة للإسلام؛ فالعلماء رغم أنهم قد مثلوا مصالح الدولة، إلا أنهم في الوقت ذاته اعتبروا أنفسهم أكثر من مجرد موظفين حكوميين، إذ نظروا إلى دورهم على أنه حماية الشريعة ضد هجمات العلمنة، وتصرفوا على نحو مواكب لذلك، فاجتهدوا من أجل الأسلمة، عبر إعادة فتح الفضاءات السلبية ودمجها في مجال المعنى الإسلامي، سواء أكان ذلك في مجال الاقتصاد أم الأخلاق العامة أم غيرها من المجالات، وتم القيام بذلك ـ في ما يقال- بالرجوع إلى المصادر التقليدية للفقه.
والحقيقة أن ذلك تم في أغلب الأحوال على الأقل بتطبيق المعرفة والقيم السياسية والحس العام لزمانهم. ولذلك فإن المفتين الرسميين في سياق سعيهم لخدمة الدولة، وتعزيز سلطة كبار العلماء، ومحاربة الإلحاد والعلمنة ساهموا في إعادة تشكيل الإسلام من خلال دعمهم لفكرة أسلمة المجتمع والدولة، من دون المساس ببنية النظام السياسي، كونهم كانوا يعتقدون أن العلمانية وليست السلطوية هي العائق الأساسي في سبيل تحقيق أهدافهم. وهو أسلوب بقي يفضل – وفق تعبير الباحث البلجيكي توماس بيريه – مفاهيم بيير بورديو (من خلال إدارة سلع الخلاص وتقديم كل ما يتعلق بالدين، وتوضيح الطريق الأمثل للمؤمنين) بدلاً من أفكار ماكس فيبر التي تأثر بها الإسلاميون (والتي تعني المشاركة في السياسة ومحاولة احتكار العنف الشرعي، كما تفعل كل الأحزاب السياسية).

٭ كاتب سوري

الإسلام الرسمي في مصر: العلماء والعلمانية وأسلمة الحياة اليومية

محمد تركي الربيعو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية