في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي المنعقد في أواسط الشهر الحالي (أكتوبر 2017) وفي مدينة سانت بطرسبورغ في روسيا، قدّمت لجنة حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي تقريراً ادانت فيه تصرفات إسرائيل في اعتقال اعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني والتنكيل بهم، فاعترض المندوب الاسرائيلي على ذلك التقرير.
وهنا طلب الكلام الاخ مرزوق الغانم، رئيس مجلس الأمة الكويتي، فأُعطيَ 45 ثانية للرد، فشكر اللجنة على تقريرها، ثمّ انقضّ على الوفد الإسرائيلي واصفاً إياه ببرلمان الاحتلال، ودولة تمارس أخطر أنواع الإرهاب، وهو إرهاب الدولة، وطلب من الوفد الإسرائيلي مغادرة القاعة صارخاً في وجوههم «يا قتلة الأطفال».
وانسحب الوفد الإسرائيلي يجرجر أذيال خزيه وعاره، وسط تصفيق حاد داخل قاعة المؤتمر دعماً للموقف الكويتي الشجاع.
وباعتبار الأخ مروزوق الغانم هو رئيس مجلس الامة الكويتي، فإنه ينطق ويصرح ويهاجم باسم الشعب الكويتي، وباعتباره جاء في انتخابات حرّة نزيهة (وهي الوحيدة في العالم العربي التي تحمل هذه الصفات)، وجاء إلى رئاسة المجلس لمرتين متتاليتين بدون تنسيقات أمنيّة (وهو الوحيد في العالم العربي الذي يأتي باختيار حرّ بدون تنسيق أمني)، فإنه كان يعبر عن أعمق وأصدق مشاعر الشعب الكويتي الذي، رغم المطبّات، ظل متمسكاً بواجبه القومي تجاه القضية الفلسطينية بدون مِنّة، ولم تخدعه طروحات زائفه مثل السلام مع العدو الاسرائيلي. وما زالت الكويت، شعباً وحكومة، تقف بين أقرانها من العرب والخليجيين، وتحمل وجهاً مشرقاً وفيّاً لتاريخه ولالتزامه.
ولم يكن موقف رئيس الوفد البرلماني الكويتي في سانت بطرسبورغ طارئاً أو استثنائياً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من المواقف المشرّفة والجريئة للكويت. إن واجب الوفاء يقتضي التذكير بأن أول حملة تبرعات لدعم الثوره الفلسطينية عام 1936 جرت في الكويت وقادها المرحومان عبد العزيز الصقر ورفيقه الدائم، عبد العزيز الفليج، وهما من أبرز الوجوه الوطنية الكويتية ومن أشدّهم التصاقاً بالقضية الفلسطينية. وإن أول بذور حركة «فتح» زرعت في الكويت وأينعت فيها. وبالمناسبة، لابدّ أن قيادات «فتح» تذكر أنه أثناء أحداث أيلول المحزنة، التي جرت في عمان عام 1970، لم ينقذ حياة الأخ ياسر عرفات الاّ عباءة الشيخ سعد العبد الله الصباح، رئيس الوزراء الكويتي ورئيس البعثة التي انتدبتها القمة العربية لفض الخلاف بين منظمة التحرير والحكومة الأردنية. ومن المهم الإشارة إلى أن القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975، الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، هو صناعة كويتية. وكان الشيخ صباح الأحمد، أمير الكويت الحالي ووزير الخارجية آنئذٍ، قد ألقى ثقله الدبلوماسي لاستصدار ذلك القرار.
وحين اجتاحت مدرعات ارييل شارون عام 2002 مناطق السلطة الفلسطينية إلى أن حاصرت المرحوم ياسر عرفات في مقرّه في مبنى المقاطعه في رام الله، وفرضت اسرائيل والولايات المتحده الامريكية حصاراً قاتلاً عليه وقطعت الاتصال به، لم تكن الاّ الكويت التي اخترقت ذلك الحصار، حيث اتصل به وزير الإعلام الكويتي آنئذٍ وعبرّ له عن دعم الكويت له ولصمود شعبه. وفي هذا المقام يجب القول إن الكويت، وهي تتصل مع ياسر عرفات في حصاره، كانت تمشي على جرحها وتجاهلت موقف عرفات المشين من تأييده جريمة غزو الكويت التي ارتكبها صدام حسين في 2/8/1990. وما ذاك التصرف إلاّ دلالة على الوعي بأن الأولويه تظل للقضية الفلسطينية.
ولم يكن موقف الكويت من فلسطين استثناءً لسلوكها القومي، ذلك أن أول بعثة إنسانية وصلت إلى العراق بعد تحرير الكويت كانت بعثة الصليب الأحمر الكويتي، حيث الحس الوطني كان يفرض معونة الإخوه العراقيين الذين لا ذنب لهم جراء جرائم النظام العراقي. وليس غريباً أن نرى اليوم أن الشعب اليمني، وهو يصارع الموت والدمار والخراب من الطائرات الحربية الشقيقة التي لا تطير إلاّ لدمار اليمن، لا تصله المعونات الإنسانية إلاّ من الكويت، حيث ما زالت تسير «حملة الكويت إلى جانبكم» توزع معوناتها على أهلنا في اليمن المنكوب، وتعيد ترميم المدارس والمستشفيات وحيثما كان ذلك ممكناً.
ومن المهم استذكار موقف الكويت في طرد الوفد البرلماني الإسرائيلي في سياق تغلغل تطبيعي عربي وخليجي مع دولة العدوان والفاشية. إننا نقرأ عن مغازلات نشيطة بين بعض الدول الخليجية واسرائيل، وعلمنا أن زيارات تتمّ لإسرائيل على مستوى عالٍ من قبل مسؤولين خليجيين، وبدأنا نطالع في بعض الصحف الخليجية مقالات تبرر محاولات «العشق» الجديد مع دولة الاحتلال، وكأن هذه الدول لم تدرس تجربة مصر والأردن ومنظمة التحرير مع هذا الكيان العدواني. وتسوّق بعض الإقلام أن الخطر الإيراني يبرر هذا «العشق» مع إسرائيل، وفي ذلك قصور في الادراك وفساد في الرأي. ولو كانت هذه الدول حريصة على درء ما تسميه «الخطر الإيراني» لكان أولى بها ان تنهج مناهج أقلّ خزياً من التعامل مع مؤسسة عدوانية عنصريه قامت باقتلاع شعب كامل وتهجيره، ولها تاريخ طويل وثابت من الخداع والمراوغة. إن موقف مرزوق الغانم جاء لطمة لكل هذه المواقف المعيبة وتصويبا لهذه المسارات الخاطئة؛ بل إنه موقف ينير الطريق إلى «العاشقين الجدد» لعلهم يدركون العار الذي يلحق بهم.
في مجرد 45 ثانية أثار موقف الوفد الكويتي موجة عارمة من ردود الفعل الشعبية على نطاق العالم العربي، وجميعها شعرت بالنشوة والفخار بهذا التصرف الشجاع من وفد دولة عربية صغيرة. إن ردة الفعل القوية تدلل على أن طروحات التطبيع التي تحاول بعض المؤسسات الرسمية العربية أن تسوقها وتبررها أمام الشارع العربي، هي مجرد أوهام لا أساس لها في الضمير الشعبي. وعلى «عاشقي» التطبيع أن يدرسوا تجربة التطبيع في مصر، التي لم تستطع الدولة بكامل أجهزتها من حماية البعثة الإسرائيلية في القاهره حين اجتاحتها الجماهير اثناء ثورة 2011. وعليهم أن يدرسوا تجربة التطبيع في الأردن، التي تجلّت أثناء وقوف الأردنيين لنصرة الأقصى في المعركة الأخيرة، وكانت تلك وقفة جماهيرية من أقصى البوادي الى وسط الحواضر، حيث ألغت مدينة السلط عرساً تضامناً مع أهلنا في القدس. ونذكر الوقفة البطولية للجماهير الاردنية وقت ارتكاب جريمة قتل اردنيين قرب السفارة الاسرائيلية من قبل رجل أمن اسرائيلي. ولو درس «العاشقون الجدد» تجربة منظمة التحرير في ظل اتفاقيات أوسلو، لأدركوا عمق النفق الذي حفرته إسرائيل للقادة الفلسطينيين، وما زالوا يتلمسون طريق الخروج منه بعد مرور ربع قرن، وما زالوا في التيه.
إن 45 ثانية عمر وقفة الوفد الكويتي، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك في أن الموقف العربي، ولاسيما الشعبي منه، من هذا العدو الفاشي موقف عميق وأصيل وثابت، فالتحيه لمرزوق الغانم الذي حافظ على وجه الكويت المضيء…. دوماً.
كاتب فلسطيني
د. انيس فوزي قاسم