الخلافات السياسية يمكن تجاوزها إذا توقفت حملات إشعالها

حجم الخط
0

 

قد تكون محاولة فهم خلفية الكاتب البريطاني جون ماكهيوغو مفيدة لفهم الطروحات التي قدمها في كتابه «تاريخ مقتضب للسنّة والشيعة» الصادر مؤخرا عن دار الساقي في بريطانيا.
يرى ناشروا الكتاب ان أهميته هي في انه يؤرخ لكيفية تحول الخلاف بين السنّة والشيعة المسلمين في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي إلى صراع سياسي في المراحل المختلفة من حياة المنطقة، منذ القرن السادس الميلادي حتى الساعة، وانه يسعى إلى التأكيد ان الخلافات السياسية بين الجهتين ممكن تجاوزها لولا العوامل الخارجية التي تؤثر عليها والتي تغذيها دول خارجية لها مصالح في تعزيز الانقسامات لتحقيق غاياتها السياسية والاقتصادية.
لا شك ان ماكهيوغو قام بدراسة جدية لموضوع الكتاب علما انه حاليا زميل في «مركز الدراسات السورية» في جامعة سانت اندروز البريطانية العريقة وفي «منظمة تعزيز التفاهم العربي البريطاني (كابو)» بعد ان لعب دوراً رئيسيا في سياسة الحزب الليبرالي الديمقراطي البريطاني الخارجية وأصبح في فترة مشرفاً على هذه السياسة ومستشاراً لأحد رؤساء هذا الحزب في شؤون الشرق الأوسط.
ورغم أهمية هذا الكتاب الذي نراجعه هنا كمصدر للراغبين في معرفة الحقائق التاريخية والسياسية للصراع السني ـ الشيعي، تجدر الإشارة إلى انه مع صدق نية المؤلف وجديته في البحث، فالمواقف التي طرحها في الكتاب تشبه التي يطرحها الحزب الليبرالي الديمقراطي في السياسة البريطانية والعالمية منذ نشوئه خصوصا في الفترة الأخيرة أي انها مواقف تسعى لترطيب الأجواء بين الجهات المختلفة وقد تقع في بعض التناقض في سبيل تحقيق أهدافها.
فمن جهة، يشجب ماكهيوغو تعامل المملكة السعودية مع شيعة السعودية المنتشرين في المنطقة الشرقية من المملكة وإعدام النظام الشيخ الشيعي المعترض على سياسات بلاده نمر النمر في كانون الثاني (يناير) 2016 بتهمة التمرد على سلطة الحاكم ما زاد الاحتقان الطائفي في السعودية وجوارها، ومن جهة أخرى، وفي الفصل الختامي نفسه، يتخذ موقفاً مؤيداً للمجموعات التي كانت تحرّض على تصعيد مشاعر السنّة ضد الشيعة في لبنان وقياداتها المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ولسياسات بعض الدول الخليجية التي تتهافت لتوقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل دون مقابل.
وفي الفصل الثاني عشر (ما قبل الأخير) يقول ان الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 كان لإخراج قيادات ومقاتلي المقاومة الفلسطينية من البلد وتصعيد الحرب الأهلية اللبنانية، ولكن منذ عام 1979 وبعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية نجحت طهران في نشر التوهج والحماسة الثوريتين لدى معظم أبناء الشيعة في لبنان وحلفائهم. وبدلاً من ان يحقق الغزو الإسرائيلي للبنان آنذاك أهدافه، ساهم في تصعيد دور حزب الله كحزب مقاوم ولإسرائيل كدولة محتلة وفي قدوم وحدات من «الحرس الثوري الإيراني» إلى لبنان للمساهمة في تدريب مقاتلي حزب الله (ص 267).
ويضيف في الفصل نفسه قائلا ان حزب الله اللبناني شارك منذ عام 1992 في الانتخابات التشريعية اللبنانية وطرح برامج ضمت خططاً للتطوير الاقتصادي والاجتماعي وأصبح مصدر أمن لأكثرية اللبنانيين من المعتقدات المختلفة (ص 269). ويضيف في الصفحة نفسها ان الأمين العام للحزب حسن نصر الله شجب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 قائلا لأمريكا لا تنتظري أن تؤيدك شعوب هذه المنطقة بالأزهار بل سيستقبلونك بالمدافع والعمليات الاستشهادية. ويستنتج في الموقع ذاته ان ما قاله نصر الله يؤكد انه رغم كون حزب الله اللبناني حركة استوحت قيمها من الثورة الإيرانية وحصلت على الدعم المادي والعسكري من طهران، إلا أنها نجحت في تحقيق التضامن والتكافل بين جميع فئات المسلمين والمكونات السياسية العربية. وكان هذا الأمر في رأي الكاتب على رأس أجندة الحزب وفاق في أهميته تضامن حزب الله مع الشيعة الاثني عشرية في المنطقة (ص 269).
ويضيف في الصفحة التالية (ص 270) قائلا ان المملكة السعودية تعتقد ان المسلمين في سائر أنحاء العالم يجب ان ينظروا إلى السعودية كمنارة للإسلام وللممارسة. وكل ذلك، في رأيه (في الصفحة 273) ساهم في تصاعد دور الإسلام الراديكالي في العالم العربي على حساب القومية العربية.
ولكن تأييد الكاتب لما سمّي بـ»ثورة الأرز» في لبنان المدعومة من السعودية وحلفائها والتي حرّضت ضد حزب الله وحلفائه وانتقاده وشجبه في الصفحة (301) من الفصل الختامي لتدخل الحزب في سوريا إلى جانب النظام وقوله فيها ان هذا الأمر «نزع عن الحزب صفته الثورية»، قد يرى فيه البعض تناقضاً، وخصوصا عندما يقول في الصفحة ذاتها ان المنظمات والأحزاب ذات التوجه الطائفي (قاصداً حزب الله) والإثني والقبلي لا يمكنها ان تخدم شعوبها وانه بدخول حزب الله السياسي في النظام اللبناني فإنه اضطر إلى تقديم التنازلات لخصومه شأنه شأن الأحزاب الطائفية اللبنانية الأخرى (ص 301).
لم يوضح لنا ماكهيوغو موقفه هنا، كما لم يوضح قبله نك كليغ، الزعيم السابق لحزب الليبراليين الديمقراطيين مواقفه عندما عمل كنائب لرئيس حكومة قادها زعيم حزب المحافظين السابق ديفيد كاميرون خصوصا عندما غزت الدول الغربية (بقيادة أمريكا وبريطانيا) ليبيا وخضعت لمشيئة وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون ومشروعها ومشروع معاونيها المؤيدين لإسرائيل في المنطقة ولسياسة الفوضى الخلاّقة.
وبالتالي، لم نفهم إذا كان دخول حزب الله في النظام اللبناني وتحوله إلى حزب يطالب بإصلاحات اقتصادية واجتماعية إيجابي أم سلبي؟ ولا إذا كان تحريض السعودية المجموعات اللبنانية المؤيدة لها في لبنان والمنطقة على توقيد الصراعات الإقليمية والطائفية هما أمران جيدان أم سيئان؟ قد يساعدنا الزعيم الجديد للحزب الليبرالي الديمقراطي الذي ساهم في تمرير صفقات أسلحة بريطانية ـ إسرائيلية عندما كان وزيراً للتجارة في حكومة كاميرون في فهم هذا الأمر. فقد وجّه فينس كايبل (الزعيم الجديد) الحزب في وجهة مناقضة تماماً لما كانت عليه في أيام الزعماء السابقين للحزب ديفيد ستيل ومنزيس كامبل والراحل تشارلز كنيدي. ولكن، من الواضح ان ماكهيوغو ليس من مؤيدي القيادات المتواطئة مع إسرائيل وأمريكا والدول الاستعمارية في حزبه ولا من المنحازين ضد العرب في الأحزاب البريطانية الأخرى، فقد كانت له مواقف محترمة في المنابر البريطانية السياسية في هذا الشأن. إلا ان التحفظ ليس عليه شخصيا، ولكن على التناقض غير المفيد في المواقف في بعض الأحيان لمراعاة أمر ما.
الكتاب يشمل قسمين، الأول يتحدث عن نشوء الإسلام، قبل الانقسام السني الشيعي، ثم عن الصراعات في الإسلام في مرحلة النبي (صلعم) وما بعدها إلى العصرين الأموي والعباسي. وخلال الخلافة الأموية حيث انطلق الصراع بين أبناء الخليفة الرابع علي ابن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان وابنه يزيد ومن تلاهما.
كما يتحدث الفصل السادس من القسم الأول عن كيفية تحوّل إيران من اعتناق المذهب السني إلى المذهب الشيعي. وهذا الفصل ذو أهمية كبيرة، لانه يؤكد دور العوامل السياسية وليس الدينية في هذا المجال.
في القسم الثاني، هناك فصول أخرى شديدة الأهمية (غير الفصول التي تحدثنا عنها) فالفصل التاسع عن السنة والشيعة ما بين الحربين العالمية الأولى والثانية فصلٌ شديد الأهمية بدوره.
يقول ماكهيوغو في الصفحة (206) من هذا الفصل ان سياسة دولة فرنسا الاستعمارية خلال مرحلة الانتداب الفرنسي كانت دائما تحاول فصل الأقليات عن الأكثرية. وبما انها (أي فرنسا) تسلمت دفة قيادة الانتداب في سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى، فقد حاولت خلق انشقاق بين الأكثرية السنّية (خصوصا في سوريا) وهذه الأقليات (العلوية، الدرزية، المسيحية). وبعد حصول سوريا على استقلالها بانتهاء الحرب العالمية الثانية، حظيت القيادة السورية المستقلة على تأييد الأقليات والأكثرية فيها رغم ان العلويين والدروز والإسماعيليين لم يشكلوا أكثر من 16 في المئة من السكان. ويوضح الكاتب ان الانقسامات الطائفية تصاعدت في سوريا في مطلع وخلال السبعينيات من القرن الماضي وحتى الساعة (ص 206 ـ 207).
ويشير ان الفرنسيين كانوا يسعون إلى إنشاء دولة يسيطر عليها الموارنة المسيحيون في لبنان، برغم من ان مسلمي لبنان (وبعض المسيحيين من الطوائف الأخرى) فضّلوا خياراً أكثر تنسيقاً مع المحيط الإقليمي، بعد الاستقلال.
ويؤكد ماكهيوغو أن المواطنين العرب السنّة والشيعة في المنطقة، بعد الحرب العالمية الأولى، تعاونوا بشكل كبير مع بعض، وحاولا تجنب هيمنة الاستعمار البريطاني والفرنسي عليهما (ص 207). وحاولت الجهات الاستعمارية باعتراف المندوبة البريطانية للاستعمار في المنطقة غير ترود بيل (في عشرينات القرن الماضي) دق الأسفين بين السنّة والشيعة في العراق وسوريا. وما زالت، حسب المؤلف مثل هذه العمليات جارية حتى الساعة. وقد توحّدت القيادات السنية والشيعية العربية في تلك الحقبة في إحدى المراحل لتأييد حكم الشريف حسين في المنطقة (ص 210) وحاولتا بشتى الوسائل تفادي استمرار الهيمنة الاستعمارية البريطانية ـ الفرنسية على المنطقة. ولكن الأمور جرت (لاحقاً) حسب رغبة القوى الاستعمارية وفشلت كل المشاريع التوحيدية سياسياً وطائفياً لأن هذا الأمر لم يكن في مصلحة قوى الاستعمار. كما ثبتت هيمنة آل سعود على الرقعة الجغرافية التي تشكل حاليا المملكة السعودية على حساب خصومهم آل الرشيد (ص 216) وذلك بالتعاون مع العلماء الدينيين الوهابيين مما وضع أهل الشيعة السعوديين في موقف صعب جداً رغم محاولات الملك السعودي السابق عبدالله بن عبدالعزيز التفاوض معهم لتحسين أوضاعهم (ص 217).
مهما كانت التحفظات إزاء بعض المواقف في هذا الكتاب فإنه يبقى قيماً، حاول كاتبه قدر المستطاع اعتماد الموضوعية وتقريب وجهات النظر وترطيب الأجواء المحتقنة في المنطقة حاليا.
John Mahugo: «A Concise History of Sunnis and Shiai»
Al Saqi Books, London 2017
347 pages

الخلافات السياسية يمكن تجاوزها إذا توقفت حملات إشعالها
جون ماكهيوغو في «تاريخ مقتضب للسنّة والشيعة»:
سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية