من بين مئات الصور التي تم التقاطها للكاتب الروائي الراحل نجيب محفوظ تطالعنا صورة نادرة يقف فيها وهو يتأمل عملا تشكيليا للفنان جميل شفيق، رفيقه في شلة الحرافيش، خلال افتتاح أول معرض أقيم له في العام 1989 في صالة أتيليه القاهرة.
التحق شفيق بالحرافيش من خلال صداقته أحد أبرز الأعضاء فيها، وهو التشكيلي ورسام الكاريكاتير الفذ بهجت عثمان الذي كان جاور محفوظ في الصورة نفسها التي حوّلها عشاق فن شفيق إلى عتبة للولوج إلى عالمه الفني الغني.
رحل شفيق في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، مخلفا ثروة تشكيلية أقرب إلى «خبيئة» متنوعة، نجحت تلميذته هبة حلمي في إعادة اكتشافها وتأهيلها للعرض في «غاليري مصر» في ضاحية الزمالك، في معرض استعادي استمر على مدى أسبوعين.
ولد جميل شفيق في مدينة طنطا (بين القاهرة والإسكندرية على بعد 100 كم من المدينتين) في 1938، وفي مدرسته الابتدائية التقى مع زميله حجازي الذي أصبح فيما بعد أشهر رسام كاريكاتير مصري. وبسبب شغفه بالرسم قرر دراسته رغم رفض أسرته، وتمكن من الحصول على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة قسم تصوير سنة 1962. ثم واصل دراسته في المعهد العالي للتذوق سنة 1975، وعمل كرسام صحافي منذ عام 1959. وخلال سنوات الدراسة استمر في الرسم لصحيفة «الأهرام ويكلي» حتى رحيله، وعمل مستشارا فنيا في الجمعية العربية للتربية والثقافة والعلوم من 1979 حتى 1984. وله عدة مقتنيات في متحف الفن المصري الحديث ووزارة الثقافة ومؤسسات وأفراد في مصر والخارج. وظل جميل شفيق يعطي لفنه حتى الرمق الأخير حيث وافته المنية خلال زيارته لفعاليات ملتقى الأقصر الدولى للتصوير عن عمر ناهز الـ76 عاما. ضم معرضه الاستعادي الذي واكب الذكرى الأولى لرحيله أكثر من 60 لوحة، بينها لوحات لم تعرض من قبل، وتعرض للجمهور لأول مرة. كما تضمن بعضا من اللوحات التي رسمها بالألوان في مرحلة متأخرة من حياته، كان قد تمرد فيها على التزامه بالرسم بالأبيض والأسود، وخالف إخلاصه الدائم للرسم الصحفي وقرر الاشتغال بنحت الخشب مستعملا «خشب طرح البحر: أثناء إقامته في قرية الصحفيين على ساحل المتوسط/ 150 كم غرب الأسكندرية في السنوات العشر الأخيرة. ومن المقرر أن تعاود القاعة تقديم أعماله النحتيه في الموسم المقبل.
وفي اللوحات المعروضة يمكن التوقف أمام السمات الفنية التي رسمت ملامح عالمه الفني المميز، حيث تتكرر موتيفات بعينها كاشفة عن سعيه لتأسيس أسطورة خاصة لا تنفصل عن المخيلة الشعبية المصرية، لكنها تعطي لها أفقا سورياليا على نحو ما. وكما لاحظ الفنان المصري الرائد بيكار في تناوله لأعمال شفيق: «تأخذ الخيول العربية برشاقتها الأصيلة دور البطولة والصدارة في أعماله لتختال فوق مسرح اللوحة مثلما تختال راقصات الباليه برشاقتها المنقطعة النظير، بينما تظهر بعض الأسماك قرب سطح الماء الرائق وتطل برأسها وكأنها تخاطب المشاهد بلغة الصمت، وعلى استحياء شديد تظهر بعض الأجساد النسائية متشحة بغلالة بيضاء لا تضفى ولا تبين وكأنها حريصة على أن يظل «الماورا» كامنًا وراء الحجاب الشفيف حتى لا ينكشف المستور ويتبخر عبقه السحرى ويفقد العمل عطره وشذاه …».
وعبر مسيرته الطويلة أوجد شفيق تقنية خاصة في تنفيذ أعماله أقرب الى «التنقيط» بأقلام التحبير الأسود، حيث يبدو مسطح اللوحة أقرب إلى صحراء، فيما تظهر الخطوط وكأنها موجات رمال متلاحقة. وفي العديد من حواراته أقر شفيق بالأثر الذي تركته في روحه رحلة قام بها إلى الصحراء خلال سنوات دراسته الجامعية، مثلها مثل شغف برسوم جداريات المكسيك التي أعطت لوحته سمات فطرية، إلى جانب السعي إلى رسم الجداريات كما فعل خلال تجربته الأخيرة في رسم جداريات لقرية البرلس في مهرجان الرسم على المراكب (2015/ 2016).
وفي تعامله مع الوجوه أظهر جميل شفيق عمق صلاته بمورثه كفنان مصري قبطي ينظر إلى الوجه الإنساني انطلاقا من حضور وجوه الفيوم في مخيلته، حيث يرسمها على نحو طولي وبخطوط حادة. وخصّب الفنان تلك الوجوه بحس كاريكاتيري لافت، واتسمت طريقته في رسم الوجوه والاجساد ببعض المبالغات، لكنها لم تكن محملة بمعنى المفارقة وإنما اتسمت بطابعها الوجداني. وفي هذا الإطار يمكن تأمل لوحاته التي رسمها لرموز مصرية أبرزها الموسيقار سيد درويش. وفي مثل تلك الأعمال يصعب تفادي التزامه الناضج بالقضايا القومية دون التورط في التعبير المباشر.
وفي تقديري أن تجاور السمات التعبيرية مع الحس السوريالي الشعبي في لوحاته، ربما كان مصدره سنوات تكوينه الأولى حيث سكن في شبابه مع مجموعة كتاب ومثقفي جيل الستينيات في بيت عرف باسم «شقة العجوزة»، مجاورا الرسامين نبيل تاج ومحيي الدين اللباد، ثمّ عبد الرحمن الأبنودي، يحيي الطاهر عبدالله، سيد حجاب، والرسامين آدم حنين وعز الدين نجيب، والناقد سيد خميس والرسام والمترجم الدسوقي فهمي. وهؤلاء جميعا شكلوا طليعة جيل الستينيات وكانت أعمالهم الأولى على الأقل مشغولة بإيجاد عوالم فنية تنهل من الأسطورة الشعبية وتقيم صلة مع تيارات التجديد الأدبي في العالم.
ومع انتقاله إلى الرسم الصحافي، من جريدة «العمال» إلى «الأهرام ويكلي» عند تأسيسها، أعطى شفيق للصحيفة الكثير من الرسوم والاسكتشات التي تحولت إلى علامات بصرية لافتة. ونجح في أن تكون هذه الأعمال مجاورة لنصوص ومواد صحافية، لكنها قادرة أيضا على التحرر من سطوة هذا التجاور بحيث يتم تلقيها كنصوص بصرية لها قوة الحضور الذاتي. وركز فيها على موتيفات معينة مستلهمة من الثقافة الشعبية مثل القط والحصان والأسماك، وكان أبرزها مجموعته عن المرأة والحصان، وفيها يتجلى حضور المرأة وتُقدّم كعروس البحر أو «جنية» خلف غلالة تضفي على جسدها طابعا أسطوريا. ويلجأ الفنان أحيانا إلى تطريز لوحته بمصدر فرعوني (طائر ابو منجل، أو عجل سيرابيس)، مستكملا المغامرة في ذات الأرض التي حرثها رواد السوريالية الشعبية أو الفانتازيا المصرية، أمثال عبد الهادي الجزار وحامد ندا، لكنه أحتفظ بقدرته على الاختلاف والاختزال.