ما الذي يجري في بر مصر؟ من الصعب الإجابة عن السؤال بدون فهم السياق الحالي للنظام المصري والطريقة التي بات يدير فيها البلاد. فالهجمات الإرهابية واعتقال المعارضين والنزعة لعسكرة البلاد والفشل الاقتصادي ومزاعم الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر لا تعتقل المعارضين ولا تنتهك حقوق الإنسان هي عرض عن حزمة من المشاكل الكبيرة. وعندما جاء السيسي في انقلاب على سلفه الرئيس محمد مرسي بدأت الوسائل الإعلامية بوضع عبارة «مصر في حرب على الإرهاب» وها قد مضت أربع سنوات والحرب على الإرهاب مستمرة ـ ليس في شمال سيناء بل في القاهرة والواحات والجنوب والغرب والشرق. ولا تجد الحكومة من تلومه في كل الأحداث إلا حركة الإخوان المسلمين التي حظرت بعد الانقلاب وصارت «إرهابية» واعتقل كل قادتها وبدأوا يموتون في الزنازين. لكل هذا يجب تقييم هجوم الواحات الأخير الذي قيل فيه الكثير من ناحية ظروفه والطريقة التي تعاملت فيها الدولة الرسمية معه وموقف الرئيس نفسه الذي كان يحضر احتفالا بذكرى معركة العلمين الشهيرة ضمن هذا السياق. وقيل أن الخلاف التقليدي بين وزارة الداخلية والجيش كان وراء العملية. فيما ألقى البعض اللوم على المعلومات التي جرت الأمن المصري إلى كمين لم يكن أفراده جاهزين له سواء من ناحية الدعم اللوجيستي أو المعدات التي لم تشتغل في الصحراء.
تعتيم
وفي أرض يتم فيها التعتيم على حرب النظام ضد الإرهاب ويتم تجريم من ينشر بيانات غير بيانات الحكومة ووزارة الدفاع فمن الصعب بناء صورة حقيقية عما يجري في مصر. والصحيح هو أن مصر لم تقض على الإرهاب في سيناء بل بات الجهاديون يتصرفون بقوة وجرأة ويسطون على البنوك كما في العريش قبل أسبوعين وقبله قتل التنظيم تسعة من قوات الجيش في الشيخ زويد. وتتزامن الهجمات مع تطورات في سوريا والعراق حيث يعاني تنظيم «الدولة» من خسائر فادحة ونهاية لما أطلق عليها «الخلافة» فبعد خسارته الموصل في تموز /يوليو خسر هذا الشهر الرقة ودير الزور وانحصر وجوده الآن في عدد من البلدات الصغيرة على جانبي الحدود في كل من العراق وسوريا. وعليه تبدو الساحات المصرية والليبية وتلك التي أقسمت الولاء له في شمال وغرب أفريقيا وجنوب آسيا وشرقها مرشحة لاستمرار أيديولوجية التنظيم ونشاطاته (كريستيان ساينس مونيتور 25/10/2017). وينظر لزيادة الهجمات كانعكاس لما يتعرض له التنظيم من ضغوط وتطورات على الساحة المصرية حيث عملت المخابرات المصرية على دعم المصالحة الفلسطينية بشكل يقضي بتعاون حركة حماس التي تسيطر على غزة في مواجهة التيارات السلفية الجهادية وتنظيم «الدولة» التي تشكل خطرا على الجانبين ولديها القابلية لإشعال حرب بين غزة وإسرائيل لو أرادت كما ناقش الباحث كولين كلارك في «فورين أفيرز» (11/10/2017). وفي ضوء هذا فإن تصاعد العمليات الإرهابية سواء في شمال سيناء أو الصحراء الغربية تشير إلى قوة التنظيمات التي تستهدف القوات الأمنية والأقباط حيث أعلنت الحكومة عن حالة الطوارئ بعد سلسلة هجمات مميتة استهدفت كنائس في القاهرة والإسكندرية وربما قرر السيسي تمديدها هذا الشهر. ولا ينفصل العنف في الصحراء الغربية عن التوتر والفوضى في ليبيا التي تشهد حربا أهلية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. وشنت المقاتلات المصرية خلال العامين الماضيين سلسلة من الغارات على ما قالت إنها مخابئ لتنظيم «الدولة» في ليبيا. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز»(21/10/2017) إلى التناقض في المعلومات حول عدد القتلى من قوات الامن التي قيل في البداية إنهم 59 رجل أمن فيما أصدرت وزارة الداخلية لاحقا أن العدد الحقيقي هو 16 بالإضافة لمقتل 15 من المهاجمين. وقالت إن إعلانا عن المسؤولية جاء في البداية من حركة صغيرة تطلق على نفسها «حسم» إلا أن خبراء الإرهاب شككوا في صحته. وهذا ثاني أكبر حادث دموي يتعرض له الأمن المصري منذ عام 2015 عندما قتل المتشددون 50 من الأمن والجنود في هجوم منسق في سيناء. وفي الهجوم الأخير قام المتشددون بجمع الأسلحة وحاولوا قيادة العربات التي توقفت وأعدموا الناجين من رجال الأمن حسبما نقلت الصحيفة عن مسؤول مصري. وقدم تسجيلات لأحاديث بين ضابطي أمن طلبا المساعدة من مقر القيادة. وسمع أحد الضباط وهو يقول إن المهاجمين خلفنا ويلاحقوننا. ووصف كيف أنه ضل الطريق وتعرض لوابل من الرصاص حيث كان معه ضابطان آخران. وقال ضابط ثان: «لقد أخذوا كل الأسلحة والذخيرة ونحن نختبئ تحت الجبل». وتقول الصحيفة إن مصر تحاول منذ عام 2013 مواجهة العنف المتزايد والذي تركز في البداية في محافظة سيناء لكن فرع تنظيم الدولة «ولاية سيناء» وسع العمليات إلى كل أنحاء مصر. وعلقت الصحيفة قائلة إن العملية في الواحات نظمتها جماعة ذات خبرة عسكرية ولديها قدرات متفوقة ولا يمكن أن تكون من تخطيط الحركة التي يطلق عليها «حسم»، وهي منظمة لا يعرف الكثير عن شكلها. ويقال إنها مكونة من عناصر إخوانية غاضبة على القمع الذي تعرضت له الحركة منذ انقلاب عام 2013. وأعلنت مسؤوليتها عن تفجير خارج سفارة ميانمار/ بورما في 30 ايلول/سبتمبر ولم يؤد إلى إصابة أحد، وهو عمل بدائي مقارنة مع هجوم الجمعة 20 تشرين الأول/أكتوبر. وحذر خبراء من أن بيان «حسم» قد يكون مفبركا. وحسب أحمد كامل البحيري من مركز الأهرام «فحسم لا تعمل في هذه المنطقة وليست قادرة على القيام بمثل هذا العمل» مضيفا أن قدراتهم لا تتعدى استخدام الأسلحة الصغيرة والقنابل البدائية وليس لديهم التدريب الكافي لشن هجمات مثل الواحات.
وفي وقت تتزايد فيه العمليات الإرهابية ينتشر القمع الذي خلق حالة من الرهاب وجعل مصر أرض الخوف كما ورد في مقال لعمرو خليفة بموقع «ميدل إيست آي» في لندن (23/10/2017) ولاحظ أن المقاهي التي عادة ما تعج بالرواد أصبحت هدفا للتخويف وسعت الحكومة على مدى السنوات القليلة الماضية لملاحقة من يرتادونها عبر المداهمات المتعددة لها. وقال إن المفكرين المستقلين عادة ما يخيفون الحكام ولذلك عليهم أن يشعروا باليد الحديدية: «ففي هذا البلد قد يؤدي بك الرأي أو صفحة فيسبوك أو المقال أو الحديث العابر الذي لا يتعلق بالسياسة إلى السجن. الخوف في هذه المناطق هو المهيمن.. مرحبا بك في أرض الخوف». وحسب أستاذة العلاقات الدولية المتخصصة في الشرق الأوسط في جامعة أمستردام فيفيان ماثياس- بون:»يؤدي الخوف دورا بارزا في الحياة المصرية العامة» وتضيف الأستاذة المتخصصة بالصدمة الشخصية والاجتماعية أنه لطالما استخدم الخوف لتقسيم الناس وحكمهم من الأنظمة الشمولية في أنحاء العالم كله لإبعاد الناس عن بعضهم والاحتفاظ بالسلطة. ولهذا كان منطقيا كما يقول خليفة أن يكون العنف هو الرخصة التي تسمح لعبد الفتاح السيسي بالحكم. ولهذا كان قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يمثله السيسي بوجوب سحق المعارضة بعنف. فعندما يرتفع صوت واحد يجب إسكات ألف صوت. ويجب جعل كل من يعارض، وليس الإخوان المسلمين فقط، مثلا لذلك ومع أن هذه السياسة أصبحت واضحة بعد الانقلاب، إلا أنها بدأت مع بدايات الثورة». ولهذا كان الجيش ومنذ بداية الثورة مسؤولا عن اختفاء الكثيرين حتى قبل ظهور الاختفاء القسري في عهد السيسي. ويشير تقرير رئاسي في عهد مرسي عام 2012 لم يتم نشره وفيه قائمة من الانتهاكات التي ارتكبها الجيش ضد المدنيين واختفاء أكثر من ألف شخص في 18 يوما. وأبقت قيادة الإخوان المسلمين عليه سرا ولم يجر التحقيق في المعلومات الواردة فيه. وكانت منظمة هيومان رايتس ووتش واضحة عندما قالت إن التعذيب أصبح وباء في مصر السيسي. وكأن الأخير منح الشرطة وضباط الأمن الضوء الأخضر ليعذبوا متى يشاؤون. وليس أقل خطورة من التعذيب هو القبول به وصمت ملايين المصريين. فهؤلاء وكأنهم اليد اليمنى الخفية للدكتاتور. ويشير هنا لما فهمه الروائي المعروف نجيب محفوظ عندما سأل في مذكراته عبدربه التائه: متى سيصحح البلد مساره؟ وجاءه الجواب: عندما يدرك الناس أن جزاء الجبن أكثر كلفة من الأمان الذي يحققه. وفي مصر اليوم تفتعل الحكومة كل المعارك التي لا تخطر على بال وكانت آخرها المعركة مع المثليين والتي كانت محط اهتمام الإعلام الغربي وحظيت بتغطية واسعة فالحديث عن راية قوس قزح (شعار المثليين) وخوف مصر من ارتفاعها وهم أقلية والغرب مهووس بالدفاع عنها، سواء كانت دينية، عرقية أو تتعلق بالخيار الجسدي. أما الإرهاب والفقر والدكتاتورية فعليها الانتظار يوما آخر.
إبراهيم درويش