إسطنبول ـ «القدس العربي»: تبدو تركيا وكأنها حققت انتصاراً ساحقاً على إدارة إقليم شمال العراق من خلال سلسلة الهزائم السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تكبدها رئيس إدارة الإقليم مسعود البرزاني عقب إصراره على إجراء استفتاء الانفصال عن العراق رغم التحذيرات والتهديدات التركية.
ولكن في المقابل يرى البعض أن هذه المكاسب لا تخلو بطبيعة الحال من خسائر يمكن أن تلمسها أنقرة على المديين المتوسط والبعيد لا سيما فيما يتعلق بتوسع نفوذ إيران والميليشيات الشيعية في كركوك وشـمــال الــعــراق بشــكل عام وإمكانية تحول السلطة في شمال العراق إلى قيادات كردية بعيدة عن تركيا.
بالدرجة الأولى نجحت تركيا بإجراءاتها المشتركة مع الحكومة العراقية وإيران في تحطيم فكرة تحول الاستفتاء على الانفصال إلى حقيقة على الأرض، بل أكثر من ذلك، أعادت مشروع الدولة الكردية في شمالي العراق إلى سنوات طويلة للوراء.
فعسكرياً، خسر إقليم الشمال حتى الآن معظم المناطق المتنازع عليها وخاصة مدينة كركوك التي تحمل أهمية سياسية واقتصادية كبيرة للإقليم، وبعد أن تمكن البرزاني من السيطرة على هذه المناطق في معارك استمرت لسنوات وكلفته الكثير من الدماء، خسرها في أيام قليلة لصالح الحكومة المركزية في بغداد.
ويرى محللون أتراك إن تمكن أنقرة من إفشال مشروع الانفصال وجعل مهمة تحويله لأمر واقع على الأرض شبه مستحيلة دون التدخل العسكري المباشر ومن خلال التهديد والتحشيد العسكري والمناورات الحربية على الحدود بمثابة نجاح كبير للدبلوماسية التركية، وذلك بعد أن كان الخيار العسكري مطروحاً بقوة.
وعلى صعيد آخر، تشعر أنقرة أنها لقنت البرزاني درساً قاسياً وأنها تمكنت بالفعل من معاقبته شخصياً على ما وصفته «إصراره وعناده» على إجراء الاستفتاء، بعد أن تدرجت أنقرة في «نصيحته» ومن ثم «تهديده» ولاحقاً «عقابه» حيث يعاني البرزاني اليوم من تراجع مكانته السياسية لدى أكراد العراق الذين باتوا يشعرون أنه قادهم إلى مغامرة غير محسوبة عادت عليهم بخسائر سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.
وعلى الرغم من أن صادرات نفط إقليم الشمال التي تمر عبر الحدود التركية ويتم تصديرها من الإقليم عبر ميناء جيهان التركي لم تتوقف بشكل كامل، إلا أنها تراجعت من قرابة 550 ألف برميل يومياً إلى أقل من 250 ألف برميل يومياً، وهو أفقد إدارة الإقليم أكثر من 60٪ من عائدات النفط التي تمثل أكثر من 90٪ من مصادر دخله.
لكن الأخطر من ذلك على المستقبل الاقتصادي للإقليم، هو الاتفاق الذي جرى بين الحكومة العراقية وتركيا على تشغيل خط نفط بديل لتصدير نفط كركوك وغيره لا يمر بمناطق سيطرة إدارة الإقليم، وحسب ما أعلن وزير النفط العراقي جبار اللعيبي، فإنه يجري حالياً إعادة تأهيل خط نفط قديم يمر من الموصل تعرض للتخريب على يد تنظيم «الدولة» (داعش) وجرت معارك عسكرية بين الجيش العراقي والبيشمركه لطرد الأخيرة من منطقة حدودية مع تركيا يمر منها أنبوب النقط، ما يعني حرمان إدارة الإقليم المزيد من أوراق قوته الاقتصادية ويدخله في أزمات اقتصادية غير مسبوقة.
العقوبات الاقتصادية التركية على إدارة الإقليم ومنها وقف الرحلات الجوية والتضييق على المعابر الحدودية وتقليص تصدير النفط والخسائر التي تكبدتها الشركات التركية العاملة في شمالي العراق، تبقى «محدودة» حتى الآن مقارنة بحجم الخسائر التي كانت ستكبده لو نفذت تهديداتها السابقة دفعة واحدة.
فتطور الأحداث يكشف أن أنقرة لجأت إلى خيار آخر يتمثل في مساعدة الحكومة العراقية على فرض سيطرتها على شرايين اقتصاد الإقليم مقابل استمرار تدفقها بالتعاون مع تركيا، ويبدو أن اتفاقيات قد جرى التوصل إليها من أجل مواصلة تصدير النفط العراقي عبر تركيا، واستمرار عمل المعابر الحدودية بإدارة الحكومة المركزية دون إغلاقها وغيرها من الحلول الوسط التي حاولت من خلالها تركيا تقليل الفاتورة الاقتصادية للأزمة.
على صعيد آخر تأمل تركيا أن يتطور التقارب غير المسبوق مع بغداد وطهران والذي حركته الأزمة إلى تعاون كبير في الحرب على تنظيم العمال الكردستاني في شمالي العراق، حيث سبق أن اقترحت تركيا على إيران عملية مشتركة على مسلحي التنظيم في شمال العراق.
وأكد رئيس الوزراء العراق حيدر العبادي في زيارته الأخيرة لأنقرة على أن بلاده لن تسمح لأي تنظيم بتهديد تركيا انطلاقاً من الأراضي العراقية. لكن من غير المعروف حالياً إلى أي مدى يمكن أن تتطور هذه التصريحات إلى تحرك فعلي يؤدي لإلحاق خسائر عسكرية في بنية التنظيم الرئيسية شمالي العراق وهو إن ما حدث سيكون المكسب الأكبر لأنقرة وعلى الدرجة نفسها من أهمية إفشال الانفصال.
في مقابل إيجابيات هذا التقارب، يرى محللون أتراك أن الإجراءات المشتركة بين الدول الثلاث أتاحت لإيران توسيع نفوذها بشكل غير مسبوق في شمالي العراق وعلى حدود تركيا وأن ذلك سيكون بمثابة خسارة كبيرة لتركيا على المدى المتوسط والبعيد.
ويخشى المحللون الأتراك أن تؤدي الخسائر التي لحقت بالبرزاني إلى صعود شخصيات سياسية كردية أخرى أكثر تشدداً ترفض التعاون مع تركيا في الحرب على العمال الكردستاني وربما تقدم الدعم له، الأمر الذي سيزيد من الصعوبات التي يواجهها الجيش التركي في الحرب على التنظيم.