معقل الإخوان المسلمين في «الزرقاء» الأردنية: العمدة يلعب على وتر «التباين» ويشارك في «التقشف» ويطرح «البديل»

حجم الخط
2

عمان- «القدس العربي» من بسام البدارين: يضرب عمدة بلدية الزرقاء، القطب البارز في جماعة الإخوان المسلمين الأردنية الشيخ علي أبو السكر مثالًا حيويًا ومباشرًا على خطط الإسلاميين لإظهار التباين بينهم وبين الآخرين عندما يتعلق الأمر بمعايير النزاهة في إدارة الحكم المحلي.
الشيخ أبو السكر بعد تعرضه لهجمة حادة وشرسة من التيار العلماني ومن بعض قوى اليسار التي شككت بنجاح البلدية المعنية بثاني أكبر المدن كثافة سكانية في المملكة، تطوع من تلقاء نفسه وألغى امتيازا ماليا يخصص القانون بموجبه مبلغًا شهريًا لرئيس البلدية قد يصل إلى 3000 آلاف دولار بمعدل شهري.
خطط الشيخ جيدا لإنتقاء اللحظة المواتية لإظهار التباين واتخاذ خطوة عملية ومباشرة لم يتخذها أي رئيس سابق للبلدية قبله مظهرا في الرسالة الأعمق أن الحركة الإسلامية المنظمة لا تسعى لامتيازات مالية أو شخصية، لا بل يمكنها المشاركة في مشروعات التقشف المالي والاقتصادي.
قد لا يكون ما قرره عمدة الزرقاء الإسلامي مهمًا، لكنه يضرب مثلا في مرحلة حساسة يدفع الجمهور في النتيجة للمقاربة والموازنة بين التصويت لمن يسعون لانتخابات لتحصين امتيازاتهم الفردية وغيرهم من رموز التيار الإسلامي العريض المنظم.
بدا لافتا جدًا أن هذه الخطوة على بساطتها رسالة سياسية بامتياز، لأنها تزامنت مع قرار قضائي قطعي يزيل من الجذر تلك الاتهامات التي تم ترويجها على مدار سنوات طوال ضد الإسلاميين في نقابة المهندسين وعلى رأسهم الشيخ أبو السكر نفسه.
طالما استخدم كثيرون شكوى قضائية ضد أبي السكر ورفاقه تتهمهم باستغلال الوظيفة في نقابة المهندسين. لكن محكمة الجنايات، بعد تدقيق استمر نحو عشر سنوات في هذا الملف تحديدًا، لم تجد أي دليل أو قرينة على تلك الشكوى الكيدية، فمنحت أبا السكر جرعة كبيرة من الدعم عندما قررت براءة نقابة المهندسين في عهده قطعيا من تهمة استغلال الوظيفة.
أثار قفز الشيخ أبي السكر تحديدا لرئاسة ثاني أكبر بلدية في المملكة عبر صناديق الاقتراع تساؤلات عميقة سياسيًا في الشارع ووسط النخب خصوصًا وأن السماح لأبي السكر أصلا بالترشح كان خطوة محسوبة بدقة لمنح المنافسة زخمًا جماهيريًا بعدما حرمته اللجان وشطبت اسمه من الانتخابات البرلمانية.
اتهم كثيرون بعض أوساط القرار بترتيب صفقة خلف الستارة مع الإخوان المسلمين خلال انتخابات البلديات واللامركزية، لكن قيادة الإخوان المسلمين تسخر من هذا الطرح، حيث يعيد الرجل الثاني في التنظيم الشيخ زكي بني ارشيد وعلى هامش نقاش مع «القدس العربي» تذكير الجميع أن الحديث هنا عن مدينة الزرقاء التي كان للحركة الإسلامية طوال الوقت فيها حضور كبير وجمهور واسع.
لا يلتفت بني ارشيد لتلك التقولات ويقدر سياسيا وبصورة عامة أن المشاركة أصلا في الانتخابات البرلمانية والبلدية واللامركزية كانت مؤشرا في العمق على انتهاء برنامج المقاطعة، مع التذكير أن الحركة الإسلامية لا مجال للمزايدة عليها وطنيًا ولا مجال لإنكار وجودها المتمكن في صلب النسيج الاجتماعي الأردني.
في كل الأحوال يبدو أن تجربة الشيخ أبي السكر تحديدا تخدم عدة وظائف سياسية العمق، ولا يمكن إنكارها خصوصًا أن المسألة تتعلق بموقع أهلي وشعبي متقدم في مدينة أساسية ومسيسة وكثيفة السكان ومترعة بكل أنواع المشكلات.
عمدة الزرقاء اليوم يتجول بين الفقراء والمهمشين ويلغي الامتيازات التي تخصه شخصيا ويتماهى نظريا وعمليا مع نداء الملك عبد الله الثاني لمصلحة مرحلة التقشف ويظهر مرونة كبيرة في الاستجابة والتعاون مع وزير البلديات، المهندس وليد المصري، الذي لا يبدو متحمسا للإسلاميين ويحب إعاقتهم. الأكثر عمقا أن التيار الإخواني يستخدم موقعه في بلدية الزرقاء حصريا لإظهار تميزه في الخدمة العامة، بعيدا عن الطموح الشخصي والأجندة الذاتية والشفافية الإدارية والمالية .
وهي رسالة أعمق بكثير من البلدية نفسها، لأنها تتيح الفرصة للمواطن الأردني للمقارنة، وتزيل سلسلة طويلة من التشويهات التي كانت تلقى في وجه الإسلاميين بعد انتشار الترهل والمحسوبية والفساد الإداري والمالي في كثير من المجالس البلدية.
مهم جدا في السياق التذكير بأن الاستحكام في مجلس بلدي مهم مثل الزرقاء مع انسياب العمل وإرضاء المواطنين ورفع مستوى الخدمة وتشغيل الكادر العاطل عن العمل، ووقف الامتيازات المالية غير المبررة، عناصر أساسية في إبلاغ الرأي العام أن البديل الإخواني عن رموز الثقل العشائري وتلك الرموز التي تدعمها مؤسسات السلطة متوفر ويمكن الرهان عليه. ما يفعله أبو السكر ورفاقه تكتيكيا هو توجيه رسالة ود ورغبة في التعاون تجاه مؤسسات الدولة ليس فقط في إطار مجالس البلديات، ولكن أيضا في سياق المشهد السياسي الوطني، وهو ما يلمح إليه الشيخ بني ارشيد عندما يتحدث عن الاهتمام بميكانيزمات جذرية وعميقة تزيل مبررات ومسوغات الصدام كلها وتعالج مخاوف الانتخابات والصناديق المرتبطة بهواجس ضد الإخوان المسلمين، وتؤسس ـ وهذا الأهم ـ لنمط من الاستعداد للمشاركة في ظل الهدوء وتجنب المواجهة واحتواء التصعيد على أمل تجاوز مرحلة المصافحة نحو المصالحة.
لا يخفي الإسلاميون اهتمامهم بمراجعة شاملة وسعيهم لتبديد مظاهر لغة التصعيد كلها التي استخدمت ضدهم وبما يتطلبه الأمر من نقد ذاتي وتقويم موضوعي للحدث.
يبدو أن وجود الشيخ أبي السكر في رئاسة بلدية الزرقاء هو الرسالة الأبلغ من حيث المضمون السياسي في هذا السياق.

 

معقل الإخوان المسلمين في «الزرقاء» الأردنية ورسائل سياسية بالجملة: العمدة يلعب على وتر «التباين» ويشارك في «التقشف» ويطرح «البديل»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية