أبو فراس الحمداني وأبو القاسم الشابي وأبو العتاهية وأبو نواس في لوحات فنية

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: سعيد النهري خطاط ورسام فلسطيني بارع، يستلهم القرآن الكريم في كثير من أعماله الفنية منذ سنوات، لكنه عاد في الآونة الأخيرة إلى بحور الشعر العربي يلتقط روائعها ويعرّف العالم بها، باستلهامها وتحويلها إلى لوحات فنية.
النهري الذي يغرف من بحور الخط العربي يبدع في تحويل السورة إلى صورة، تكاد تنطق، وبفضل ريشته الخلاقة يتطابق فيها الجوهر والمظهر بلوحات فنية متقنة. النهري خطّاط محترف وصوفي من أتباع الطريقة القادرية في مدينته سخنين داخل أراضي 48، وقد بدأ مشواره مع الخط العربي قبل نحو ثلاثة عقود.
إضافة للبعدين الجمالي والبعد التكويني (البنيوي) عمل النهري على اكتشاف البعد الثالث – السيميائي (التشبيهي). يعتمد الخط العربي بالأساس على شريط كتابي وشكل بيضوي وشكل دائري، لكن النهري يعتمد على إظهار معاني الآية القرآنية والحديث الشريف بمزاوجة بين الرسم والخط العربي، وبالمحافظة على الموازين الكلاسيكية لهذا الفن. ومثال واضح على ذلك يتجلى في لوحة «أعدوا لهم» التي ترد على شكل حصان، حيث يلتحم الشكل والمضمون معتبرا ذلك دعوة لحفظ الآيات وترسيخ قيمة الفن العربي. ويشكل هذا التوجه إضافة نوعية للتحولات الكبرى في المسار التجويدي لمسيرة الخط العربي.
في لوحاته الفنية زاهية الألوان ينتج النهري مشبهات للآيات القرآنية وأسماء الله الحسنى ويواظب على تحوير وتطويع الحروف لخدمة الشكل، محاولا تحاشي الإخلال بقواعد الخط العربي، غير مكتف بالزخرفة والإحالة العاديتين، بل يتعداهما بقوة الإبداع.

سورة وصورة

وكتبت الأسماء الحسنى بخط الثلث الجلي، الذي يعتبره النهري تحديا صعبا للخطاط باعتباره ملك الخطوط وأكثرها طواعية في التشكيل. ويحوّل الخطاط الفلسطيني أسماء الله الحسنى من سورة إلى صورة، فيعين المتلقي على فهم النص قبل قراءته بواسطة أشكال تقريبية مستوحاة من المضمون. النهري الذي يقيم عروضا في العالم ينجز لوحاته هذه بالحبر العربي على ورق كانسون هندي، وورق مقهر يدوي الصنع وبألوان الإكريلك. وتحمل كل منها واحدا فقط من أسماء الله الحسنى، وحتى الآن يشمل المعرض الجديد 50 اسما وهو يعمل على استكمال بقية الأسماء وبعضها يضم اسمين معا لعدم جواز لفظها واحدا دون الآخر كـ»الرحمن الرحيم» و»مالك الملك».
بيد أن النهري كرّس العام الجاري لإنتاج لوحات مستوحاة من روائع الشعر العربي، موضحا أن ما دفعه لذلك هو الرغبة بالتنويع وإنصاف شأن الشعراء الكبار، خاصة الفلاسفة منهم أصحاب الميول الصوفية، ممن تحاكي منتوجاتهم شغاف القلب لا العقل وحسب، لاسيما «أننا محاطون بمليون شاعر اليوم لا شيء لديهم من الشعر عدا ألقاب يمنحونها لأنفسهم». وأنجز النهري حتى اليوم لوحة مستوحاة من قصيدة «ليتك تحلو والحياة مريرة» لأبي فراس الحمداني بعدما استهوته معانيها فحوّل بعض أبياتها للوحة على شكل فتاة جميلة في حالة سجود وخشوع ترتدي زيا كتب عليه:
وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ
إذا صَحَّ منك الودّ فالكُلُّ هَيِّنٌ وكُلُّ الذي فَوقَ التُّرابِ تُرابِ
كما استوحى لوحة من شعر أبو العتاهية وأبو نواس الذي يقول إنه لم يدن شاعر الخمر وحسب، بخلاف ما يظن كثيرون، واليوم يعكف على تصميم لوحة مستوحاة من قصيدة «أراك عصي الدمع» للحمداني لما فيها من مضامين وجدانية صوفية. كذلك يعكف على إنتاج لوحات مستلهمة من أشعار وأقوال الشافعي كالقصيدة: لا تأسفن على غدر الزمان لطالما .. رقصت على جثث الأسود كلاب. وهكذا قصيدة لأبي قاسم الشابي مطلعها:
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاة تبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
وقد حولها للوحة على شكل آلة العود وتحتضنه الحروف مكررا موتيف العناق في لوحاته بطريقة خلاقة، كما يحب فالنهري يحرص على التجديد وإثراء الخط العربي وتعزيز جماليته غير معتمد على ما أنجز في ما مضى فقط.

من أقلام القدرة

ويؤكد الخطاط الصوفي أن عمله الريادي هذا عطاء من رب العالمين ويقول إن قلمه من أقلام القدرة، وكأنه مسيّر فيه ويرى أن قمة الروحية أن تنجح بالتعبير عن فكرة كبيرة بصورة وبحروف قليلة، وأن ذلك يتم حسب الحالة الروحية السائدة في داخله كل مرة. ويضيف «عندما أحسست بالضيق وأن الدنيا قد ضاقت في وجهي أنجزت لوحة «المذّل» وهي عبارة عن صورة إنسان جالس على ركبتيه بصورة توحي بمشاعر الذل والانكسار، وتبرز فيه حركة الضمة مهيمنة على اللوحة. كذلك في لوحة «الرافع» فهي تعبير عن انتعاش حالته النفسية وتعكس لوحة «القدوس» حالة نشوة روحية كما يوضح النهري الذي ينجز أعماله في مرسمه في مدينته سخنين داخل أراضي 48.

زنبقة تتفتح

في لوحة «المحيي المميت» يظهر جسم الميت أو الهيكل تحت القبر واسم المحيي يظهر فوقه يشكل تصاعدي كالولادة يشير للحياة. أما لوحة «البارئ المصور» فولدت مع ملاحظته زنبقة تتفتح في حديقة بيته بالصباح أوحت له كل عملية خلق الكون. ويضيف «في كل مرة أرسم واحدا من أسماء الله الحسنى عندما استشعر بفكرته، وهو نتاج عملية اختمار داخلي تنتهي بتحديد قالب له». لكن عملية الرسم في المرسم ليست البداية فبدايتها تفكير وطقوس دينية كقراءة القرآن الكريم وصلوات وحلقات ذكر تنتهي في كثير من الأحيان بحالة روحية وجدانية.

الصوفية

ويؤكد أن تبعيته للطريقة الصوفية تساعده كثيرا لأنها تبقيه في حالة حضور دائم ووصل مع الله، وهي بالنسبة له أكثر من عبادة لأنها حالة تسام روحاني تمهّد لـ»عطاء رباني». وتتفاوت اللوحات الواحدة عن الأخرى بأشكالها ونوعية خطوطها وفي الوقت الذي تستغرقه فأحيانا تنجز بعد دقائق في ما تستغرق لوحات أخرى شهرا كاملا لكنها كافة تلقى إعجاب المتلقين والنقاد. ويعود ويشدد على ذلك بالقول: «اعتبر نفسي خادما للقرآن ولإبراز جماليته لجانب دلالاته». وتتفاوت كثيرا الأوقات والجهود التي تستغرقها رسوماته فيوضح أن «لوحة الحلية النبوية الشريفة التي أصف بها أوصاف الرسول استغرقت 120 يوما من العمل، أما آية الكرسي فكرست 90 يوما لإنجازها». أما لوحة الحصان التي يعتز بها فلها حكاية خاصة ويقول النهري إنها نتاج منام حلم به بعد صلاة الفجر، حيث ظهر له شيخ الطريقة وأهداه مجموعة لوحات وهذه واحدة منها، فما أن استيقظ في ذاك اليوم حتى بدأ برسم الصورة المطبوعة في مخيلته فنضجت بعد أربع ساعات.
النهري الذي يشي مرسمه أنه يغرف من بحر الفن يوضح حول آلية الإنتاج بالإشارة لقراءته معنى الآية وجمع قلبه إلى عقله حتى تفيض فيوضات رحمانية فيشعر بأنوار غريبة وكأنه يرى اللوحة قبل رسمها. لكن ذلك لا يعني أن مهمته سهلة فأحيانا يضطر لرسم لوحة وإتلافها مرات ومرات كما في لوحة «وخرّ موسى» التي يقول إنه رسمها ست عشرة مرة حتى اكتملت ورست على شكل السجود الظاهر في حرف الألف. وفي عمل آخر يعكس قيمة الأرض بالنسبة لصاحبها صّب مقطعا من قصيدة محمود درويش (والأرض تورث كاللغة) وهذه المرة فعل ذلك ليس بلوحة بل بعمل تشكيلي من حديد يوحي شكله بالجرة المصنوعة من تراب رمزا للتراث.
كما هو خطّه كذلك أدواته مميزّة إذ يرسم النهري بأقلام رسم بها الخطاطون السابقون في العصور الإسلامية يصنعها بيده من خشب القصب.

أبو فراس الحمداني وأبو القاسم الشابي وأبو العتاهية وأبو نواس في لوحات فنية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية