نظرة على خارطة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحيلك إلى خراب لا نظير له ومجموعة من الدول المنهارة، كلٌّ على طريقتها.
الدول الكبرى أمست صغرى، والصغرى أمست غير جديرة بالذكر أو غائبة. الدول التي ظُنَّ يوما أنها جديرة بالزعامة تراجعت، والتي كانت تقود لم تعد كذلك.
تراجعت الكيانات والهيئات التي في وقت ما تبنت قضايا المنطقة، ولو على استحياء (جامعة الدول العربية، منظمة المؤتمر الإسلامي، مجلس التعاون الخليجي)، بشكل أفقدها مبررات وجودها، وجعل أطرافا أخرى تستفرد بالمنطقة وتصفي فيها ـ ومن خلالها ـ حسابات قديمة وجديدة.
السعودية متخبطة لا تعرف ماذا تريد. مصر ممسوحة وسعيدة بما هي فيه. تركيا مأزومة تعيش واحدة من أسوأ فترات تاريخها. المغرب منكفئ ولا يريد غير الانكفاء. الجزائر لا ترُدُّ. دول الشام في عين خراب آني أو آخر آت. دول الخليج في وضع لا تُحسَد عليه من صراعات طفت على السطح إلى غير رجعة.
هناك منتصران في هذه الفوضى العارمة. إسرائيل وإيران. العَدوَّان اللدودان يحققان مجدهما من شقاء أعدائهما وجيرانهما. حالة إسرائيل أقل تعقيداً إذا سلّمنا بأن منتهى طموحها أن يتشتت من (كانوا) بالأمس أعداءها كي تنام قريرة العين، لكن حالة إيران مختلفة.
إذا كان انتصار إسرائيل مفهوما وواضحا، فانتصار إيران مثير للاهتمام. استراتيجيا وسياسيا وعسكريا، في كل ما يدور بالمنطقة منذ عقدين، وبالذات منذ 2011 وبداية الثورات العربية، إيران هي الدولة الوحيدة التي تدير مصالحها وخططها بعقل.
إذا اكتفى المرء بالفترة من 2011 إلى 2017، يتبيَّن بسرعة أن إيران كانت، ولا تزال، الوحيدة صاحبة الهدف الواضح والخطط الأوضح: مَن صنّفتهم إيران أعداء في 2011، وحتى قبل ذلك، هم ذاتهم أعداؤها اليوم. طموحها في 2011 هو ذاته طموحها اليوم. خطط عملها في 2011 وقبل ذلك، هي ذاتها اليوم وفي المستقبل.
في المقابل، غيّرت ما تسمى الدول «الثقل العربي» خططها وأهدافها (إن كان لها فعلا خطط وأهداف) بلا توقف، على الرغم من أن الحرائق كلها حولها. السعودية غيّرت قائمة أعدائها عدة مرات. وقفزت بين السياسي والاقتصادي بلا حسابات ومن دون توفيق. أنفقت الأموال والعتاد والرجال، وراهنت بسمعتها، لينتهي بها المطاف مستسلمة لواقع قرأته قراءة الهواة (الصراعان اليمني والسوري على سبيل المثال لا الحصر).
تركيا جعلت من تغيير قائمة أعدائها وأهدافها هوايتها المفضلة.. مرة العدو إيران، ومرة سوريا، ومرة السعودية، ومرة إسرائيل، ومرة الأكراد، ومرة الجميع، ومرة لا أحد. وفي النهاية خسرت الجميع ولم تكسب بدلاء، فكانت المحصلة أن تركيا اليوم في وضع سياسي واستراتيجي لا تُحسد عليه، وتواجه وضعا داخليا مأزوما تشوبه القلاقل الأمنية من العدو القديم، الأكراد، ومن عدو جديد اسمه «التنظيم الموازي»، المقصود به تنظيم الداعية فتح الله غولن. ناهيك عن خطر «داعش».
مصر احتارت في فرز أعدائها من حلفائها. وقد فاقم من حالة التيه التي تعيشها مصر تغيّر أشكال الصراعات ومعها التوازنات والتحالفات كذلك، مما حرمها من أدوار احتكرتها طويلا، غالبا بعناد ومن دون حاجة.
لا غرابة، والحال هذه، أن تتمدد إيران كل هذا التمدد من دون حروب. استولت على العراق من دون قتال. وعلى لبنان لتصبح طرفا فاعلا في يومياته السياسية. وعلى سوريا حتى تحولت جزءا من الحرب والسلم فيها. وعلى اليمن فأصبحت هي وكيل كل الأطراف «المثيرة للشغب».
والأهم، لا غرابة أن تأسر إيران قلوب قطاع واسع من سكان المنطقة، العرب، من غير الشيعة.
إيران الحاضرة في كل مكان، لا تدفع أيّ فاتورة لقاء ذلك. فهي تعيش استقرارا سياسيا وأمنيا لا تعرف معه إرهاب «القاعدة» و»داعش»، ولا وجود فيها لتوترات عرقية ومذهبية تنسف نسيجها الاجتماعي كما فعلت بالجيران. ولا وجود فيها لمعارضة تغامر بحمل السلاح بحيث تتأذى منه الدولة وهيبتها. ولا تبدو متضررة من أزماتها الداخلية ومن الحصار الغربي بشكل عرقل أهدافها.
في إيران حد أدنى من الممارسة الديمقراطية بانتخابات رئاسية وبرلمانية دورية لم تنقطع. هذه الممارسة تقود إلى توفر حد أدنى من الثقة في مؤسسات الدولة والشعور بالانتماء لها. عندما اهتدت السلطات الإيرانية إلى البرنامج النووي، هي كانت تضرب عدة عصافير بحجر واحد: مقارعة الغرب دوليا، ومناكفة الجيران إقليميا، ولمِّ الشعب الإيراني حول هدف أسمى من جدل السياسة وتناطحاتها، هدف يجعل الإيراني يفتخر ببلده ووقوفها نداً لغرب أذلَّ العالم بحروبه المفتوحة والمتنوعة.
إذا أضفنا إلى هذه «الخلطة» أن إيران تمتلك جرأة المواجهة، أصبحنا امام دولة يجوز وصفها بالأقوى والأذكى في جوارها، نالت الاحترام والإعجاب بينما تفوَّق الآخرون في جلب السخرية لأنفسهم.
هذا ما يجعل إيران تمتلك ترف نقل حروبها مع الآخرين إلى ميادين أخرى بعيدة عن أرضها، وتتغلغل في النسيج السياسي والاجتماعي والروحي للمنطقة العربية بشكل غير قابل للرجوع.
وهذا ما يجعل أي مواطن من سكان دول الجوار الإيراني المنكوبة بأزماتها، يكن الاحترام لرموز إيران كلما شاهد صورهم على الشاشات، ويتحسر على بلاده التي لا يرى فيها إلا رموز الفشل والفساد.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي