مهمة النقد تثوير الحالة الإبداعية: الروائي الأردني جهاد أبو حشيش: الكتابة هي الفاعل الحقيقي في مواجهة الذهنية الظلامية

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي» ـ منى حسن: يرى الروائي والناشر الأردني «جهاد أبو حشيش» أن الكثير من الروايات العربية أشبه بدفقات شعورية لا علاقة لها بالسرد، وأنه حين تجد ناشراً جيداً ونصاً جيداً، ستجد بالضرورة قارئاً جيداً، فالمشكلة ليست مشكلة الرواية أو الشعر، بل إنها مشكلة نص إبداعي ونص غير إبداعي. وأبو حشيش روائي وشاعر أردني، من مواليد أريحا، حاصل على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، ويدير دار فضاءات للنشر والتوزيع منذ سنة 2006. وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، واتحاد كتاب الإنترنت العرب، واتحاد الناشرين الأردنيين. صدرت له عدة مؤلفات منها .. «أغنيات للحلم» شعر، «مدِّي الأرض» شعر شعبي، «جسد بلا نوافذ»، «ارتجافات الذاكرة عند أبواب أحمد مطر»، قراءات»، و«امرأة في بلاد الحريم»، شعر، «بيمان، درب الليمون» رواية»، و«ذئب الله» رواية. حول تجربته الإبداعية ورؤيته للمشهد الأدبي الآن، كان هذا الحوار ..

■ ككثير من الشعراء توجهت لكتابة الرواية، فهل في الرواية متسع للقول مقارنة بالشعر؟
□ بدأت مسيرتي سارداً، يقول الشعر ولا يكتبه. فنشرت أول ما نشرت في الملحق الثقافي لجريدة «الدستور» الأردنية العديد من القصص القصيرة، وكان آنذاك المرحوم خليل السواحري. ثم نشرت في الملحق الثقافي لجريدة «الرأي»، و«صوت الشعب». لكنني كنت أقول الشعر ولا أكتبه، وأكتب الأغاني للفرق الوطنية، فرقة الشراع، وفرقة المخيم. إلى أن التقيت أستاذي وصديقي كمال أبو ديب الذي أثر كثيرا في مسيرتي بعد ذلك. و«بيمان» ليست الرواية الأولى التي كتبت، لكنها الأولى التي أنشر. للشعر عوالم إغوائية أقرب إلى السحر، وكلما كانت هذه العوالم متجاوزة للمتعاليات أصبح جمهورها نخبويا بطريقة أو أخرى. في الوقت الذي توفر الرواية للكاتب مساحة أكبر للقول والخوض في التفاصيل. القارئ عندما يعثر على نصّ جيد، سواء على صعيد الرواية أو الشعر فستجده أكثر اهتماماً، وتأكد من أنك حين تجد ناشراً جيداً ونصاً جيداً ستجد بالضرورة قارئاً جيداً. إنَّ تغييب النقد الجاد والمسؤول في ظل هذا الكم الرهيب يجعل القارئ في حيرة من أمره. المشكلة ليست مشكلة الرواية أو الشعر، بل إنها مشكلة نص إبداعي ونص غير إبداعي.

■ وهل ترى أنَّ اللغة الشعرية تنتقص من قيمة الرواية فنيًا؟
□ الكثير من الروايات العربية، أشبه بدفقات شعورية لا علاقة لها بالسرد. تشعر بها أشبه بفستانٍ كل قطعة منه لا تمتُّ إلى الأخرى رغم حياكتهما معاً. بعض الرواة يحاولون تغطية ضعف النص من خلال هذه الدفقات الشعورية التي قد تكون نصاً شعريا، أو أي شيء، عدا أن تكون سرداً روائيا. ولست أقول إنَّ شاعرية اللغة تنقص من مستوى النص، لكن تركيب فقرات كثيرة، بحجة شاعرية اللغة وتستيرها، كونها دفقاً شعورياً للشخصية، بدون أن تضيف جديدا في العمل الروائي. نعم عندها أرى هذا الدفق المفتعل لا علاقة له لا بالرواية ولا بالإبداع. بعض الروائيين المعروفين تجارياً، باتوا يتقنون نسج المقولات التي تشبه الشعر. ليداعبوا حاجة القارئ المراهق إلى خلاصة على شكل أيقونة. يعلقها على صدر اهتماماته.

■ وما تقديرك لموقف النقد من التجارب الروائية الكثيرة في الآونة الأخيرة؟
□ الساحة العربية لم تشهد سابقاً، كما هي الآن هذا الكم من الغثاء الذي يسمى نقداً. لكنه نقد ارتزاقي يتقن التهليل أكثر مما يتقن القراءة، وإعادة كتابة النص. نقد لا علاقة له بالنقد، فمهمة النقد كما أفهمها هي أن يؤسس لتفجير العملية الإبداعية وتثويرها. لكن ما نشهده مما نسميه نقداً، ليس إلا إعادة إنتاج أجيالٍ تحترف لذة القمع وتتقن الرقص والتصفيق للسائد/المستبد واعتباره معيارا للارتقاء والإبداع. إنَّ من الواجب على النقد أن يكون شمولياً في نموه، وإلا فهو غير كائن أصلاً.

■ هل أنصفك النقد كروائي؟
□ كُتب الكثير عما كتبت، منه ما أحببته، وأرى أنه لامس جوهر ما أردت قوله. ومنه ما لم يتعد كونه مراوحةً حول النص، أو إسقاطًا أيديولوجياً، أو نوعاً من المجاملة، لكنه ليس نقداً بالمعنى الدقيق. أن ينصفني النقد، تعني بالنسبة لي أن يُملِّكني الرؤية لتطوير أدواتي السردية التي يجب أنْ لا تتوقف عند حدّ. فهل أنار النقد لي دروباً لذلك، أم أنني سأحفر في صخرة السرد وأجرب لأفتح أبواباً لا تعتمد على البنية السردية الأوروبية التي يرتكز عليها معظم النقاد والكتاب.

■ هل ترى أنَّ القارئ العربي يبحث عن قصص تمس واقعه وتقترب من مشاكله المجتمعية والسياسية، لذا تلاقي روايات السرد الواقعي رواجا كبيرا؟
□ كما يقول محمد بنيس في ما أذكر في كتاب حداثة السؤال «إنَّ القارئ يفتش عن أجوبة لأسئلته المعيشة» فهل يا ترى تحمل نصوصنا هذا. عظمة النص لا تقتصر على غرابته وبنائه الغارق في نخبوية الشعر، بل بقدرة الكاتب أن يجترح أسلوبه في البناء الروائي من خلال معالجته لما يرى أنه يحقق حضور الجمال والحق والحياة في نصه، وأعتقد أنَّ الروايات التي تحمل في عمقها إجابات حقيقية وفاعلة لما يعاني منه القارئ على كافة الصعد هي التي ستلاقي رواجاً.

■ تعرضت روايتك «ذئب الله» لمشكلة التستر تحت عباءة الدين، وتوظيفه في المصالح الشخصية، فهل تستطيع الكتابة المساهمة في تغيير الواقع؟ أم أنها محاولة لتصحيحه من خلال نقض الموروثات الخاطئة؟
□ الكتابة محاولة لاستنهاض الجمال وتعميمه، فضح كل ما هو ظلامي ومدلس مستتر. الكتابة هي الفاعل الحقيقي في مواجهة الذهنيات الظلامية، والاستتار خلف كل ما هو بعيد عن الجمال بحجة المقدس. وليس المطلوب منها التغيير، بقدر ما المطلوب من الكتابة بذر سلال الأسئلة القادرة على خلق الجمال.
وقد حاولت «ذئب الله» إقامة مختبرها الحقيقي داخل بنية النص لتقول: لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، فكل ما تراه أنت قد أراه أنا بطريقة أخرى. وهي تحاول تفكيك بنية الواقع وفهم الأسباب الحقيقية التي تؤدي بنا إلى مسارات نقيضة للجمال.

■ من واقع تجربتك كناشر، هل ترى أن أنصاف الكُتاب هم الأجرأ دوماً على الكتابة والنشر؟
□ لذة أنْ ترى نصك محفوراً فوق الورق، لا تقتصر على فئة محددة. لكن من لا يعي حجم المسؤولية تجاه ما يكتب، لن يكترث إلا للحظة الصدور، مثل من يريد أن ينجز فرحاً شكلياً ليكمل «بريستيجه» الاجتماعي. أن تكون كاتبا حقيقيا، هذا يعني أن ترتجف وأنت تدفع بنصك للناشر. وفي الوقت الذي تثق في ما أنجزت، تشعر بأنَّ ثمة ما يمكنك إتقانه أكثر. لهذا لن تجد كاتبا حقيقياً يكتب نصه مرة واحدة، بل مرات عديدة. وقد لا تجد صلة بين بناء النص الأول والنص الذي دفع به للنشر.
الذين يستسهلون هم أولئك الذين صادفتهم الفكرة ذات عته، فجعلتهم يصدقون أنهم كتابٌ. ووجدوا من هو أكثر عتهًا منهم، فدخلوا المولد ورفضوا أن يحترموا أنفسهم. فكانوا أكثر الراقصين حركة.

■ من خلال إدارتك لدار فضاءات للنشر والتوزيع، ما هي المعايير التي تتبعونها في الطباعة الأدبية، وبم تفسر ظاهرة عزوف دور النشر عن طباعة الشعر ما لم يدفع صاحبه مقابلاً؟
□ جودة النص هي المعيار الأساس لقبول أو رفض أي كتاب. وديناميكية الكاتب في استيعاب دور الدار وحقها في تحرير النصوص، خاصة للكتاب الجدد. لم نشخصن، ولم ننتمِ لأحد قدر انتمائنا للنص المبدع، ولهذا نتعامل مع الكتاب بدون زيف، لا نعظم، ولا نقلل، بل نتعامل بحقيقة وننقد بما يؤدي إلى بناء أفضل، ونعتبر أنفسنا مسؤولين عن تربية ذائقة حقيقية، ولهذا ما نقوله للكاتب عن كتابه هو ما نقوله للقارئ، نعاين الضعف ونعاين مكامن القوة، ونسعى لننتج ما هو أكثر إبداعاً.
إنّ إغلاق الكثير من الدور وانهيار سوق الكتب في بعضها الآخر، وتخلي المؤسسة الثقافية الرسمية عن دورها، أو تقليصه في دعم الكاتب والناشر، واعتبارها الثقافة أمرا ثانوياً، قلص قدرة ودور الناشر والكاتب.
ومن الطبيعي عندما تتحدثين عن أي مؤسسة خاصة، وحتى إن امتلكت رسالة، أن تفتش عن هامش ربح معين. حتى تستطيع الاستمرار وتنهض بمستوى منشوراتها، ولا ألوم الناشر في هذا.
قدر ما ألوم الجهات الممولة والمهتمة بالشعر افتراضاً، التي حين يطبع الناشر مجموعة شعرية لا تشتري منها أكثر من نسخة واحدة.

مهمة النقد تثوير الحالة الإبداعية: الروائي الأردني جهاد أبو حشيش: الكتابة هي الفاعل الحقيقي في مواجهة الذهنية الظلامية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية