من مفارقات الرواية كجنس أدبي هي أنها لا تكون رواية إلا إذا كانت خيالاً، فالتخييل سمة جوهرية في أي عمل روائي، وما أن تحيد عن ذلك عبر ذكر أحداث تاريخية أو حقيقية وجعلها الحدث الرئيسي والوحيد في العمل، تتوقف عن كونها عملا إبداعياً روائياً وتصبح كتابا تأريخياً أو عملاً سِيَرياً، ولكن في الوقت نفسه هي لا تحافظ على مصداقيتها – على الرغم من خياليتها- إلا إذا كانت واقعية.
فهذا الجنس الأدبي القائم على الأحداث المتخيلة والمنعدم وجودها تاريخيا وسيرياً، لا تثبت موثوقيتها إلا بالاستناد إلى الواقع. وهنا محل تساؤل مهم، ما هو الواقعي في الرواية إذا كانت كل أو جل أحداثها متخيلة وليس لها وجود؟
نسخ الواقع الذي نراه أمامنا على الصفحات وإعادة كتابة الأحداث والحوارات، التي نشاهدها ونسمعها حرفياً كما هي على الورق، لا يجعل العمل الروائي واقعياً، بل يجعله أجوف مفرغاً من أي حميمية، ويجعل من شخوصه مانيكانات يحركها المؤلف بخيوط مرئيّة ومفضوحة، وتتحدث كما لو أنها تحمل مسجلات صوتية في صدورها تكرر ما نسمعه بشكل روتيني في المقاهي والشوارع، وعند الإشارات وفِي المطاعم والمطارات وغيرها. واقعية الرواية هي ليست ذلك التطابق الحكواتي والسطحي والباهت في الأحداث، واقعية الرواية هي تلك الواقعية الحميمية التي لا تتم إلا عبر أحد أهم عناصر أي رواية وهي الشخصيات، فهي التي تتخذ القرار في كل حركة وتقوم بالحدث وتتأثر بنتائجه، فهذه الشخصيات الخيالية هي الركن الرئيس ومفتاح المؤلف في إحياء روايته، وهي التي بإمكانها أن تكون رافعة لواقعية الرواية، وتتجاوز نفسها كشخصية من حبر وورق، وتسطر نفسها كقيمة خالدة في التاريخ تجعل من نفسها أكثر شهرة حتى من مبتدعها.
على سبيل المقاربة، الحوارات الروائية تتخلل استرسال السرد لتقدم خطابا يوهم القارئ بتطابقه مع الحوارات «الحقيقية» لتزيد من متانة واقعية الشكل الروائي، على الرغم من عدم تطابقه مع الحوار الطبيعي، فالأول يخلو من حشو التحيات والمباشرة والإجابات المقتضبة، كما يمتاز بلغة أدبية بين الشعر والنثر، وهذه جميعها تعد لبنات أساسية لتحويل الحوار – الذي هو مجرد حديث بين طرفين أو أكثر- إلى «حوارية» وهي كما يقول ميخائيل باختين علاقة الخطابات والأصوات داخل النص الروائي الواحد. وهذه العملية ككل تصب فيما سماه الشكلانيون بالتغريب، أي انتزاع الألفة من الأفكار والصور النمطية وإعادة صياغتها في قالب غريب، وهذا الفعل لا يخلو من مفارقة، إذ أن هذا التغريب يجعل تجربة المتلقي أكثر امتلاءً وصميمية.
فالسؤال إذن كيف يمكن توظيف التغريب في الشخصية الروائية لرفع مستوى الواقعية في الشكل الروائي؟
الإنسان كائن في غاية التعقيد نفسياً، فهو يجمع أضداد الصفة الواحدة كالبخل والكرم، التعجرف والتواضع، التهور والرصانة، الفجور والعفة، الكسل والاجتهاد وغيرها، ما يجعل استيعاب وتبرير هذا الكائن مستعصياً، وأفعاله غير قابلة للتبرير.
أما العمل الخيالي فيدور في فلك الأفكار، وشخصياته أكثر انضباطاً واتساقاً، والتناقض في الصفة الواحدة غير موجود، حيث يسرب المؤلف جوانبه المتناقضة على مخلوقات خيالية متعددة، بحيث يجعل منها كائنات متوافقة ومتسقة، أما تلك الشخصية المتناقضة في الرواية، التي تجمع الأضداد فيُطلق عليها شخصية غير منطقية ولا يلتفت إليها القرّاء والنقاد ولا تُعطى التفاتة تحليلية أو فكرية لعدم أهليتها للتواجد في عالم متخيل ومتسق كهذا.
والأمثلة عديدة على مثل هذه الشخصيات الروائية البارزة والمتسقة في المتن الروائي، أذكر منها شخصية أبو الخيزران في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، المهرّب الفلسطيني المخصي الذي خسر رجولته في عام 1948 والانتهازي، إذ يقوم باستغلال ما جره الاحتلال الاسرائيلي من تهجير للفلسطينيين ويقوم بتهريبهم عبر الحدود العراقية الكويتية، مدعياً التعاطف، وهو في الوقت نفسه لا يتوارى عن رمي جثثهم في النفايات وسرقة أموالهم وأغراضهم الشخصية، ثم يلقي باللائمة عليهم عبر جملته الشهيرة «لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟». وهذه الشخصية في غاية التوازي مع الرمز الذي تشير إليه وهو القيادة الفلسطينية المهزومة، التي لا تخجل من استغلال القضية لمصالحها الشخصية.
فمثل هذه الشخصيات تعكس جزءا ومكوّنا متناسقا في المؤلف أو ممن حوله، الكائنات الحقيقية والبيولوجية المعقدة والمتضاربة، أو ما يعتقد أنها هي أو ما تريد أن تكونه أو ألا تكونه، ولهذا السبب قد يكون وليد مسعود أكثر واقعية من جبرا إبراهيم جبرا، وأكاكي أكاكيفيتش أكثر حضوراً من غوغول، وجورج وليني أكثر منطقية من جون شتاينبك، أو حتى الوحش وصانعه المتخيل الآخر فرانكشتاين، قد يكون أكثر حقيقةً من ماري شيلي مبدعة كلتا الشخصيتين.
من جانب آخر، يعد الموت التهديد الرئيسي لنا نحن الكائنات البيولوجية، إلا أن الكائنات الروائية في كثير من الأحيان تتجاوز ذلك، فهذه الشخصيات غالبا ما تعيش في فترة زمنية مجتزأة، ما يجعل الهرم والشيخوخة خارج سياق الصراع لدى الشخصيات، وبالتالي ما يزيد من تراجيدية ودرامية هذه الكائنات، هو بروز ما لا تريد أن تكونه، أو بمعنى أصح، «ما تريد ألا تكونه»، وهذا يختلف عن «ما لا تريد أن تكونه». ولمقاربة الفكرة أستطيع أن أقارن بين مقولتَي «أنا لا أريد أن أكون مشردا» و«أنا أريد ألا أكون مشرداً». فالأولى هي شخصية كسولة passive غير ديناميكية، غالباً غير مقررة لأي شيء، خاملة ولا تتحرك في النص إلا قسراً، على عكس الشخصية في الجملة الثانية التي تجسد صراعاً حقيقياً يدفعها لاتخاذ خطوة مبنية على ما تؤمن به من أفكار ومعتقدات وقيم. فهذا الاختلاف ليس لغوياً محضاً، بل على مستوى الشخصيات الخيالية هو متعلق بمدى حركيتها في النص واتخاذها القرار وتحمل عواقبه، وهذا ما يبرز أفكار وقيم الشخصيات الروائية التي هي هويتها الحقيقية، إذ أنها ليست كائنات بيولوجية ذات وجود حقيقي، وإنما هي تجليات حميمية متخيلة ذات أفكار وقيم داخل النص، فكلما زادت حركة هذه الشخصيات وكثر عملها داخل النص تتجلى أفكارها وقيمها، وذلك ما يجعل بعضها أكثر خلوداً من الأخرى.
ولكي أقرب الفرق بين الجملتين أكثر لنأخذ مثال من «لا يُؤْمِن بوجود إله» ومن «يُؤْمِن بعدم وجود إله». فالأول يُؤْمِن باللاأدرية والآخر ملحد، ولكن الفرق ليس تصنيفيا فقط، بل ينعكس على حركيّة الشخصية، فالأول يكون غير معني بإثبات فكرته أو المحاربة من أجلها لإقناع الآخرين، بل هو في هذا الجانب خامل وصاحب موقف سلبي ويكون دائما في موقع رد الفعل، بينما الآخر يكون أكثر ديناميكية وظهوراً ويكون ذا موقف إيجابي ومبادر ودائما في موقع البدء بالفعل، وأشهر ما يُبين ذلك هو بروز الملحدين الجدد أمثال ريتشارد دوكينز وسام هاريس وهيتشنز وغيرهم.
فالشخصية التي «ترغب ألا تكون» دائما أكثر واقعية وأقوى حضوراً وأرسخ في ذاكرة القارئ، هي شخصية فاعلة ومؤثرة في النص الروائي وخارجه، والأمثلة أيضاً كثيرة على مثل هذه الشخصيات، ولكن أذكر منها شخصية الغريب في رواية الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، التي تحمل الاسم ذاته، ورغبته في ألا يخضع لمعيارية المجتمع الذي يعيش فيه والمحاولة للتنصل من ذلك الواقع، فهي شخصية لا تأبه بموت والدتها ولا تخشى الموت، بل مستعدة أن تقدم عليه بدم بارد.
وعلى الرغم مما تملكه شخصية الغريب من سمعة شائنة، وأنها من أبرز الشخصيات الروائية سيئة الصيت شهرة، إلا أنها على المستوى الروائي من أكثر الشخصيات جاذبية لما تحمله من حميمية وواقعية.
هذه الشخصيات الروائية ليست كائنات بيولوجية من لحم ودم، فهي مخلوقات لا وجود لها، ولذلك موتها داخل النص هو موت مجازي، هي مجرد أفكار وقيم متجسدة، وهذا في الوقت ذاته ما يجعلها قابلة لأن تكون واقعية، وربما خالدة، فعلى غرار V من فيلم V for Vendetta عندما قال لحظة موته «تحت هذا القناع فكرة، والأفكار ضـــــد الرصاص»، أستطيع أن أقول ما إن توجد شخصية أدبية واقعية فإنها تظل باقية ولا تموت، فلا أحد يستطيع قتل هولدن كاولفيلد «الحارس في حقل الشوفان» بما هو فكرة، أو دوريان غراي «صورة دوريان غراي» أو هيبا «عزازيل» إلا إذا كان بُعدها العملي محدودا جدا مما يغيّب أفكارها وقيمها ومُثُلها فتصبح بعد ذلك بلا وجود حي في التاريخ.
٭ كاتب سعودي
حسين الضو