لقد أضحى موضوعُ القيم موضوعًا هامًّا تحَلّقتْ حوله دوائرُ البحث في مختلِف الأقطار والأمصار؛ نظرًا للتحولات البنيوية التي عرفتها المجتمعات العربية، والغربية؛ ورغم ما كُتب في الموضوع ـ أعني: موضوعَ القيم ـ من دراسات قاربتِ الموضوعَ من زوايا مختلفة، إلا أنه ما زال بحاجة إلى البحث والنظر، لكون ظاهرة القيم لها عُلْقَةٌ بالظاهرة الإنسانية، وهذه الأخيرة، عُرفت بالتعقيد، وصعوبة الفهم، ومن ثمة فكل الإنجازات التي قدمها الباحثون هي مساهمةٌ في مقاربة الظاهرة، ولبنةٌ في تأسيس، وترميم صرح القيم الإنسانية المنهار. والكتاب ـ الذي نقدمه للقارئ الكريم ـ جهد بذله الأستاذ الباحث «الحسّان شهيد» في إغناء النقاش القيمي السائد في العهد المعاصر.
صدر للباحث «الحسّان شهيد» كتابٌ في القيم الإنسانية، بعنوان «القيم والإنسان في ضوء التدافع الحضاري المعاصر»، وهو سِفْرٌ من الحجم المتوسط، وعدد صفحاته خمس وسبعون صفحة، إذ تقاسمتْ تركةَ الكتاب مقدمةٌ، وخاتمة، وأربعة فصول، وكل فصل تم تقسيمه إلى مباحث عدة؛ بحيث جاء الفصلُ الأوّلُ موسوما بــ: (إشكالية القيم الإنسانية بين التدافع والتمانع)؛ بينما عُنون الفصل الثاني بــ: (القيم الإنسانية بين الثقافة والعلم)، هذا؛ وقد اختار صاحب الكتاب للفصل الثالث عنوانا مغايرا تمثل في: (القيم الإنسانية والمقاصد، دراسة مقاصدية في القيم)، وخُتِم الكتاب بفصل رابع بعنوان: (في الحاجة إلى فتوحات قيمية).إن أوّل ما يواجهك ـ أخي القارئ، وأنتَ تُطالعُ الكتابَ ـ عنوانُهٌ؛ إِذْ حظِيَتْ صفحةُ العنوانِ ـ عِنْدَكَ ـ بالدرجة الأولى من الأهمية؛ لأنها «أول ما يتطلع إليها النظر، وينشدُّ إليها الانتباه، وينفعل بها الفكر؛ فيُطرح مدى توثيق ما ورد في تلك الصفحة من معلومات، وإفادات، ومدى ما يمكن أن يُثار حول حقيقتها، وهُويَّتها من إشكالات، وتساؤلات»، وقد لاحظْتَ تأصيلَ الكاتب لمفهوم «التدافع» من منظور الدرس القرآني، وفي هذا، إشارةٌ إلى الرؤية الدينية، وإحالةٌ على التدقيقِ المفهوميّ، والضّبطِ المصطلحيّ؛ لأن بعض الدارسين يستعملُ مفهومَ «الصّراع»، عوض «التدافع»، والأستاذ «الحسّان شهيد» يسمي الأشياء بمسمياتها؛ فيقول: «والمقصود بالتدافع الحضاري في هذه الورقة هو إرادة الحضور والمشاركة والفعل الحضاري من كل ثقافة إنسانية، وفرض وجودها الثقافي بشتى الوسائل والآليات المتاحة».
ويذهب الدكتور «المهدي بنعبود» ـ رحمه الله ـ إلى المعنى السابق، عندما يقول: «التدافع يرمي إلى حفظ التوازن والدفاع عن العدل حتى لا ينتشر الفساد في الأرض، وحتى لا تهدم صوامع، وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله عز وجل». فالكاتب «الحسّان شهيد» يتنبّه إلى خطورة المصطلح، وما يحمله من مرجعيات قد لا تخدم الأطروحة التي يسعى للدفاع عنها، وتعضيدها بالحجج والبراهين؛ لأن المصطلح نفسه؛ إما أن يتضمن قيمًا إيجابية محمودة، أو قيمًا سَلبية مذمومة؛ لذلك قبل استهلاكِ المصطلحات، والمفاهيم، وتوظيفِها في الدراسات، والأبحاث؛ لابد من أن تُزان بميزان القيم، والباحثُ «الحسّان شهيد» لم يستعمل مصطلح «الصّراع»؛ لأن «الصّراع» ـ كما يقول الأستاذ «المهدي بنعبود» ـ: «تنازع أعمى تتبارز فيه القوى الغريزية بسطوتها المادية، وحيلها الخادعة، المغلية أو المحافظة على الكيان وعلى العكس من ذلك التدافع الذي يردع الباطل، والتنافس الذي تزكو بفضله الأعمال الصالحة.
فالكتاب ـ إِذَنْ – ينتصرُ للقيم السماوية الكونية التي تجعل من الإنسان إنسانًا، كما يفحص صاحبُه بعين ناقدة القيم المادية، التي تمررها المدنية الغربية إلى المجتمعات العربية، ومن المعلوم، أن بعضا من المفكرين العرب لا يذهب إلى أن الغرب يعيش «حضارة»؛ وإنما يعيش ـ حسَب رأيه ـ «مدنية»؛ لأن الحضارة ـ كما يفسرها المفكرُ «مالكُ بن نبي» ـ تنحصر في شقين، شق مادي بحت يتجلى في المنشآت الصناعية، وما يخدمها من علوم؛ وشق روحي محض يتمثل في القيم الروحية، والأخلاق المطبوعة في الإنسان التي تحفظه من التلف والانهيار، ومن هنا، فالغرب لا يتحلى بأخلاق جُبِلَ عليها؛ وإنما يعيش قيما براغماتية نفعية؛ وانطلاقا من هذا الكلام، فإن الغرب لا يحيا حياة متحضرة، وإنما يعيش تمدّنًا. وأود أن أشير إلى أن أبرز المجتمعات التي حافظت على قيمها، هي المجتمعات التي فتحت أبواب التجديد؛ لأن «التدافع» يجعلها يقظة، تواجه قيم الآخر بحكمة، وتبصر؛ ولكنْ عندما تُغلِق أبواب التجديد، فإنها ستعيش انحصارا، ونُكُوصًا، وتقهقرًا في القيم، فيسهل اختراقها؛ لأنها لا تستمد قوتها من الاحتكاك بالآخر، والتعرف إليه.
من المؤكد أن القرآنَ الكريمَ يحصّن الإنسانَ المسلمَ من التّيارات الغربية الجارفة، وممّا يحسبُ للكاتب «الحسّان شهيد» أنه حاول جسْرَ العلاقة بين القيم، والشريعة الإسلامية، كاشفًا الأبعادَ الكونيةَ للقيم الإنسانية؛ وهذه الدراسةُ محاولةٌ من المحاولات العزيزة التي أصّلت للقيم تأصيلاً واقعيًّا كونيًّا؛ وقد بنى الباحثُ تصوره للقيم من منظور الشريعة على قول الرسول الأكرم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ، لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ».
ويقول الباحث «الحسّان شهيد»: «يشكل المدخل المقاصدي للشريعة الإسلامية مسلكا جوهريا في استثمار المنظومة القيمية الإنسانية لأجل إنقاذ البشرية من الفقر الأخلاقي والعوز القيمي الجاثم على صدر الإنسانية، ولم تكن الشريعة بدعا من التمثلات الأخلاقية والقيمية، وبغاية إتمامية للبعد القيمي.» هذا؛ وقد ناقش الباحث «الحسّان» سؤال القيم في المؤسسة الإعلامية، متتبعًا القيمَ بين الهُوية والصّورة بنظرة فاحصةٍ متفحّصةٍ مشخِّصةٍ الأمراضَ القيميةَ التي يعاني منها الإعلامُ، ومؤسساتُه؛ وممّا ينبغي الإشارة إليه، أن الإعلام يُجَيِّشُ إمكاناتِه المتعددةَ؛ لزرع القيم التي يريد غرسها في المستهلك، وعندما ناقش الباحثُ الصورةَ من زوايا قيمية، لم يقف – ربما ـ عند خطورة الصورة الإشهارية، باعتبار الإشهار يمارس سلطة جمالية، وقيمية، وإقناعية على المتلقي/ المستهلك، فالإشهار؛ كي يرسخ قيمًا معينة، يوظف الأبعاد النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والأدبية، والنقدية في صناعة الصورة الإشهارية، فهي صورةٌ إشهاريةٌ مدروسةٌ على معطياتٍ، وقيمٍ تؤطر ثقافة الاستهلاك عند فئة محددة، فخطورةُ الصورة تكمن ـ أَسَاسًا ـ في كون الإنسان يقضي أغلب أوقاته أمام التلفاز، وصفحات الجرائد، واللّوحات الإشهارية التي تواجهه في الشوارع، ولذلك ينبغي الاحتراز من القيم السَّلبية التي يمكن أن تحملها الصورةُ الإشهاريةُ.
وإذا ما حاولت أن أرصد المنهج الذي قارب به الباحث «الحسّان شهيد» القيمَ الإنسانيةَ في كتابه؛ يمكن أن أقول: إن الكلام على الكلام صعب، فصعوبة الحديث عن المناهج النقدية، ناتج من صعوبة النصوص نفسه، والكاتب لم يصرح بالمنهج الذي اتبعه في الكتاب، وإنما أوكل الأمر إلى المتلقي، فأعطاه تأشيرة الدخول إلى أروقة الكتاب، لكشف الحجاب عن المنهج المتبع في الدراسة. والباحثُ اللبيبُ هو من لا يخندق نفسه في منهج محدد، بل يتكئ على منهج متكامل يمتح من المناهج جميعها. والباحثُ «الحسّان» له طريقةٌ خاصّةٌ في اختيار العناوين التي تناسلت من رحم الكتاب، واختيارُ الكلام أصعبُ من تأليفه ـ كما قال «ابن عبد ربّه» الأندلسي في «العقد الفريد» – إذ إنه ينتقيها بدقة، وذوق رفيعين، ومما ينبغي أن يذكر أن الباحث لم يغرق المتلقي في كثرة الهوامش ، والحواشي. وقد درس الموضوعَ من وجهة نظر شمولية، تميزت بطابَعَيْ: الجدة، والموضوعية، يقول الكاتب «الحسّان شهيد»: «فإنه جدير بالدراسات الفكرية المعاصرة إيلاء الأهمية البالغة لموضوع القيم، ومنحه الأولوية في النظر والتأمل، كما هو جدير بالإنسانية إعادة الاعتبار للقيم النبيلة المشتركة على الحد الأدنى للاستئناف الحضاري، وحفاظا على ضرورات التدافع الثقافي، وتمييزا للخبيث من الطيب في التصرفات البشرية». خلاصة القول: إن الكتاب يندرج ضمن تجديد، وتحيين القيم الإنسانية، وإرجاعها إلى طاولة الحوار؛ معتمدًا على الرصد، والوصف، والنقد، وطرح البديل من أجل فتوحاتٍ قيميةٍ، وصحوةٍ أخلاقيةٍ «صحوةِ الإنسان المساهم في خلاص الإنسانية من دمار الحروب، وجمود القلوب، وموت النفوس، وعمى البصائر، وقلب الحقائق، وتدهور الأوضاع، وهلاك الأمم»( ). والكتاب ـ في نظري ـ يحتاج إلى توسيع لأفكاره؛ لأن كل فصل يستحق كتابا كاملا؛ نظرا لأهمية القيم بناء الإنسان، وبقاءُ الإنسان ببقاء قيمه الروحية، والجمالية، والاجتماعية، وغيرها من القيم النبيلة، ورحم اللهُ الشاعرَ أحمد شوقي، الذي صاغ «الأخلاق» في بيت شعريّ أنيق، قائلا:
وَإِنَّــمَا الأُمَمُ الأَخْــلاَقُ مَابَقِـــيَتْ فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاَقُـــهُمْ ذَهَبـــُوا
كاتب من المغرب
د. محمد حماني