أعلن عدد من المتطرفين اليهود قبل شهرين تمزيق بطاقات التبرع بالأعضاء البشرية التي يحملونها من خلال شريط نشروه على موقع يوتيوب، وذلك بحجة أن هذه الأعضاء قد تصل إلى من وصفوهم بالإرهابيين الفلسطينيين، وكان هذا بعدما أشيع في وسائل الإعلام أن صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ينتظر عملية زراعة رئة في أحد مستشفيات إسرائيل.
اتصل هؤلاء المتطرفون بالمسؤولين في جمعية التبرع بالأعضاء، وسألوا ما إذا كان ممكنا أن يصل العضو الذي قد يتبرعون به إلى من وصفوهم بالمخربين، فردوا بأنه حسب القانون يحق لكل مواطن إسرائيلي الحصول على عضو من متبرع. يفهم من هذا ضمنا أن عريقات لن يحصل لأنه لا يحمل جنسية إسرائيلية.
منذ عقود يصل نموذج للتوقيع على التبرع بالأعضاء بعد الموت مع رخصة قيادة السيارة، وهناك حملات واسعة في المستشفيات والمؤسسات والأمكنة العامة للتوقيع على التبرع بالأعضاء. من حقك أن توقّع على التبرع بجميع أعضائك أو أن تستثني بعضها أو أن لا توقع فهو ليس إلزاميا. عندما وصلتني الرخصة ونموذج التبرع بالأعضاء، دفعني الفضول للدخول إلى عدة مواقع لمعرفة مدى انتشار ظاهرة التبرع في الوطن العربي.
لفتت نظري الحملة الكبيرة التي قام ويقوم بها مركز حمد الطبي في دولة قطر، وأعداد الموقعين على التبرع التي وصلت إلى 148 ألفاً حتى شهر أغسطس عام 2016، كذلك فقد دُشنت أكاديمية الدوحة للتبرع بالأعضاء العام الماضي، وهي فريدة من نوعها في العالم، هناك محفزات كثيرة للمتبرعين ومنها، الرعاية الصحية المجانية للمتبرع وأسرته لمدى الحياة، ونظام متقدم جدا يضمن العدل في توزيع أعضاء المتبرعين بالدور، بلا تمييز بين مواطن ومقيم في قطر.
في الأردن نسبة المتبرعين منخفضة جدا، وهي أقل بكثير من الطلب على أعضاء، حسب ما جاء في صحيفة «الدستور» في فبراير 2016، وهناك بيروقراطية كبيرة تلف الموضوع بين المستشفيات والوزارة، ورغم حملة وطنية لتشجيع التبرع بالأعضاء، ولكن يبدو أن الوعي بضرورة الأمر ما زال ضعيفا جدا. وعدد الموقعين على التبرع لا يزيد عن بضعة آلاف، بينما تزدهر تجارة الأعضاء.
تعتبر تجارة الأعضاء في مصر مزدهرة جدا، وهناك استغلال وحشي للمهاجرين من الأفارقة، أما نسبة التبرع بالأعضاء فهي تقترب من الصفر، كذلك في الصومال وموريتانيا والسودان، لا يكاد يذكر وجود متبرعين. في المغرب هناك محاولة للنهوض في السنوات الأخيرة، ولكن كما يتضح فهي تسير ببطء شديد، وهناك أقل من متبرع واحد لكل مليون شخص، والوضع في الجزائر ليس بأفضل، وفي السعودية تسير عملية التبرع ببطء شديد، رغم صدور فتاوى تتيح التبرع بعد الموت وبدء العمل بنظام تسجيل المتبرع على رخصة القيادة. في الإمارات والبحرين وعُمان تجري جهود لتنشيط هذا الجانب، ولكنها ما زالت في طورها الأول، والتبرّع قليل جدا. في تونس يوجد ثمانية متبرعين لكل مليون، ويبلغ عدد الموقعين في تونس على التبرع بعد الوفاة حوالي 15000 فقط، وهي نسبة لا تتجاوز اثنين بالألف من عدد السكان البالغين.
في سوريا لم يكن الوضع أفضل قبل الثورة، وهناك تجارة في الأعضاء، حسب تقرير نشر في عام 2010 في صحيفة سورية إلكترونية بعنوان «جُهينة»، وزارة الصحة لم تتعامل بشفافية مع الموضوع، ورفضت في حينه نشر معطيات عن التجارة في الأعضاء. أما التبرع المجاني فهو يكاد يكون معدوما. حاليا تحيق خطورة كبيرة باللاجئين السوريين الذين قد يتعرضون للاستغلال بسبب الظروف القاسية التي يمر بها ملايين منهم. في العراق منذ الحصار الدولي وحتى يومنا هذا يتدهور الوضع الصحي وتزدهر التجارة بأعضاء العراقيين، سواء داخل العراق أو خارجه. ولا مجال للحديث عن تبرع بالأعضاء. أما حكومة فلسطين في الضفة وقطاع غزة فقد تداولت مطلع هذا العام في قانون يسمح بالتبرع على أمل إقراره، هذا يعني أن التبرع شبه معدوم حتى الآن. في فلسطين داخل مناطق 48، كثيرا ما يعلن عن عائلة عربية أو يهودية تبرعت بأعضاء أحد أفرادها الذي قتل في حادث ما ومات دماغيا، فأنقذ عددا من المرضى العرب واليهود.
قلب محمد في صدر يشاي وكِلية أوري في جسد أحمد، ليست أمرا نادراً، فلا تمر بضعة أشهر حتى نرى خبرا كهذا، فالحياة قيمة عليا لدى البشر الأسوياء، رغم طموحات النظام العنصري في إسرائيل بزرع الموت في أرض وبلاد الآخرين فإن مصلحة المحتاجين لأعضاء من الشعبين تبقى أقوى، وعلى هذا الأساس تجري عملية تبادلية مع الحياة، أما من يواصل زراعة الموت كما يفعل بيبي نتنياهو ومن حوله فإنه لن يكون معصوما. هناك شكوك قوية بوجود جرائم سرقة أعضاء من جثث شهداء فلسطينيين واستغلالها بدون موافقة ذوي الشهداء، وهناك شهادات فلسطينية بهذا.
منذ عام 1953 كان القانون الإسرائيلي يسمح بنقل أعضاء من جسد الميت إلى جسد آخر من دون استشارة ذويه، وعُدّل القانون عام 1983 بحيث يتطلب التبرع موافقة ذوي الفقيد، أو أن يكون المصاب موقّعا على التبرع قبل وفاته. لا توجد إحصاءات عن نسبة المتبرعين العرب داخل مناطق 48 من النسبة العامة، وأعتقد أنها منخفضة مقارنة مع اليهود، ولكنها عالية بالنسبة للدول العربية، كذلك فالنسبة منخفضة لدى المتدينين اليهود، فبعض الربانيم لا يقر بموت الإنسان، رغم موت جذع المخ لديه، والبعض يتشدد في قضية قدسية الجسد حرفيا بعد الموت، بمعنى رفض أخذ عضو من الجثة، وهنالك عنصريون يرفضون مبدئيا أن تذهب أعضاؤهم إلى مرضى من العرب. حسب معطيات موقع جمعية التبرع بالأعضاء في إسرائيل، وصل عدد الموقعين إلى حوالي 860 ألفا ما يشكل نسبة 14% من السكان البالغين من العرب واليهود في إسرائيل، وهي أضعاف أعداد المتبرعين في كل العالم العربي مجتمعة، رغم وجود مئات آلاف من حالات الفشل الكلوي في العالم العربي. وجود هذه النسبة من المتبرعين لم يلغ وجود تجارة أعضاء في إسرائيل، كُشف عنها أكثر من مرة، ولكنها محدودة مقارنة بالدول العربية.
واضح أن ثقة الشعب بالمؤسسة وعدالة التوزيع هي عامل مهم يدفع الناس للتبرع بالأعضاء، وإذا استثنينا دولة قطر نرى أن الثقة شبه معدومة في معظم الأقطار العربية، كذلك فإن ضعف الوعي ما زال سببا في ضعف التبرع، علما أن هناك فتاوى كثيرة تجيزه،»ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا». وبمثل هذه المعايير يقاس تطور أو تخلّف الشعوب والأمم.
كاتب فلسطيني
سهيل كيوان