الدوحة- “القدس العربي” -إسماعيل طلاي:
أكد خبراء في الإعلام وممثلو منظمات حقوقية أن الهجمة التي تواجهها قنوات شبكة الجزيرة من قبل دول الحصار للمطالبة بإغلاقها، تندرج ضمن التردي الخطير الذي يعيشه الإعلام العربي، جراء تزايد الاعتداءات والانتهاكات ضد الصحافة، في غياب سلطة رادعة ومعاقبة الجناة الذين يفلتون من العقاب؛ موازاة مع التردي الخطير للخطاب الإعلامي العربي، وانتهاك القيم الإعلامية والمهنية.
جاء ذلك خلال الندوة الإقليمية السنوية التي نظمها مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان، بالتعاون مع مركز الدوحة لحرية الإعلام، بعنوان “الإعلام المهني: في حرية الصحافة وسلامة الصحفيين”، بمشاركة ممثلين عن نحو 10 منظمات دولية متخصصة في مجال حقوق الإنسان وحماية الصحافيين، ونخبة من الصحافيين والإعلاميين والأكاديميين وخبراء في مجال الإعلام والصحافة.
توصيات لمواجهة التردي الإعلامي واستهداف الصحافيين
وخرج المشاركون بمقترحات توصيات حيث، جدّدوا من خلالها المطالبة باعتماد الإعلان العالمي لحماية الصحافيين من قبل الأمم المتحدة، وضرورة تفعيل المواثيق الدولية ومدونات السلوك المهنية لمواجهة التردّي الإعلامي، خاصة في المنطقة العربية. وتفيعل القيم المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي، وتدريب الصحافيين، وتفعيل دور المؤسسات الإعلامية بهذا الشأن.
وأوصى الحاضرون بضرورة حماية المؤسسات الإعلامية من خطابات التحريض، وتعزيز سلامة الصحافيين خلال الأزمات السياسية، ومطالبة الحكومات بتغيير نظرتها تجاه مهنة الصحافة، وعدم اعتبارها جريمة.
كما طالبوا بضرورة الالتزام بالمعايير المهنية من قبل الإعلاميين والصحافيين في مواقع التواصل الاجتماعي، والحث على تفعيل القانون الدولي، وآليات المحاسبة تجاه خطابات الكراهية والتحريض ضد وسائل الإعلام.
وشدّدوا على ضرورة مطالبة إدارات مواقع التواصل الاجتماعي بالتصدي لخطابات الكراهية أو التحريض على العنف، سواء الصادرة من قبل الأفراد أو الجيوش الالكترونية التابعة للدول والمنظمات المختلفة.
مصطفى سواق: دول الحصار تمر بمحنة
وقال الدكتور مصطفى سواق، المدير العام لشبكة الجزيرة بالإنابة إن “البيئة الإعلامية تراجعت لدرجة لم تكن عليها قبل سنوات بسبب قمع الإعلاميين والمواطنين وتزايده، والجناة لا يزالون دون عقاب ونطالب بتحقيق جدي ضدهم وإطلاق سراح المعتقلين وتعويض كل ضحايا الجرائم ضد الصحافيين”.
وأضاف: “في أكثر من بلد عربي واماكن اخرى يقتل الصحافيون ويضطهدون ويهددون في حياتهم وأسرهم، ولا من متابع لوقف تلك الجرائم البشعة التي تهدف بالدرجة الاولى إلى حرمان المواطنين من المعرفة”.
وطالب سواق من ممثلي المنظمات الحقوقية والسفراء وممثلي السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى قطر “أن يبلغوا حكوماتهم أن ” الصحافة ليست جريمة”، ولا بدّ عليهم أن يدعموا الحملة الدولية لإنهاء إفلات قتلة الصحافيين ومرتكبي الجرائم من العقاب، ويجب النظر إلى العمل الصحفي المهني المتوازن باعتباره مساعدا أساسيا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لأن حرية التعبير والحصول على المعلومة أساسية، وقياس جدية الدول في تنمية مجتمعاتها يقاس بمعيار حرية الإعلام فيها”، مشيراً إلى أنه “قد وقع عريضة دعم الإعلام أكثر من 1300 صحفي وناشط حقوقي حول العالم”.
ووجه سواق انتقادات لدول الحصار المطالبة بإغلاق قناة الجزيرة، قائلاً: “دول الحصار تمر بمحنة أخرى، لأن أحد أبرز مطالبها إغلاق الجزيرة وووقف هذا الصوت المهني الحر والمستقل، من دون أن تقدم أي شكوى ضد الجزيرة، باستثناء شكاوى من مصر التي لا تحتمل أي صوت يختلف مع صوت السلطة، ولم تكن شكواها إلا ادعاءات واهية، لأن الجزيرة تكشف كل ما لديها على الشاشة، والأخطاء واردة ويمكن تصحيحها”.
حنان اليافعي: دول الحصار أنتهكت قيم الإعلام
بدورها، قالت حنان اليافعي، مدير مركز الدوحة لحرية الإعلام: “إننا اليوم وبكل أسف، نرى أن بعض وسائل الإعلام في منطقتنا العربية قد ساهمت في تردي الخطاب الإعلامي، من خلال ترويج دعاوى التضليل والتزييف، ونشر خطاب الكراهية ضد الشعوب وبت التفرقة، فساهمت بذلك في حدوث انتهاكات بحق الإعلاميين، وتعريض سلامتهم للخطر”.
وتابعت تقول: “لعل الأزمة الخليجية خير شاهد على هذا التردي، حيث رأينا كيف عمدت بعض الدول إلى اختراق المؤسسات الإعلامية وتزييف الأخبار وفبركتها، فانتهكت بذلك جميع قيم مهنة الإعلام، وضربت بها عرض الحائط، بل تجاوز الأمر إلى حد المطالبة بإغلاق مؤسسات إعلامية من بينها قناة الجزيرة، وتجريم التعاطف مع دولة قطر بكل وسائل وأشكال التعبير”.
واعتبرت اليافعي أن “الوضع الذي تعيشه مهنة الإعلام والظروف التي يمارس فيها الصحفيون عملهم تشتد خطورة وتزيد قلقا يوما بعد يوم، إذ تطالعنا تقارير المنظمات المختلفة بارتفاع عدد الانتهاكات ضد الصحفيين والإعلاميين، لتشمل القتل والإخفاء القسري والتعذيب، وذلك رغم الحملات المتواصلة التي تتبناها المنظمات المدافعة، وارتفاع الوعي والنقاش العام بأهمية حماية مهنة الصحافة، وضمان حقوق الإعلاميين للعمل في بيئة حرة وآمنة”.
جون يوورد: 350 صحافياً قتلوا العام الماضي
من جانبه، قال جون يوورد مدير رئيس مجلس إدارة المعهد الدولي إن “هناك حوالي 350 صحفيا قتلوا السنة الماضية، وهناك 120 آخرين صحفيا يقبعون وراء القضبان في تركيا، والكثير منهم يحاكم بتهم ملفقة، وجريمتهم هي مزاولة الصحافة، أو يحاكمون بجرائم مزعومة كالتهرب من الضرائب ودعم المجموعات المحظورة”.
وأكد ييروود أن “الصحفيين مسجونون لأن السلطة لا تريد لهم أن يتحدثوا”، مشدّداً على أن “الصحافة ليست جريمة، وهؤلاء الصحفيون يجب ان يطلق سراحهم على الفور”.
وطالب ييروود باطلاق سراح الصحفي محمود حسين الذي يحتاج للرعاية الطبية المن قبل السلطات المصرية، لافتاً في الوقت ذاته إلى ضرورة “جلب قتلة الصحفيين إلى العدالة، عندما يقتل صحفي فهذه جريمة مسؤوليتها تقع على الدولة وعليها تحمل مسؤولياتها
وأكد أن “منظمة صحفيون بلا حدود انضمت إليها منظمات حقوقية عديدة بطلب إلى الأمين العام للامم المتحدة لتعيين مقرر خاص مكلف بالجرائم التي يتعرض لها الصحفيون وإنهاء افلات الجناة من العقاب”، مؤكداً أن “عالم الصحافة يتطور من خلال ما يعرفه العالم من تقدم ويجب ان تتضافر جهودنا لكي يعمل الصحفيون بدون خوف أو محاباة”.
محمد كريشان: الأزمة الخليجية وضعتنا بين المطرقة والسندان
وقال محمد كريشان الإعلامي بقناة الجزيرة والعضو العربي الوحيد في لجنة حماية الصحفيين، إن اللجنة تعمل حاليا على رصد10 سنوات من استهداف الصحافيين، مشيراً إلى أن سبعة دول عربية لم تغب عن السجل الأسود لانتهاكات حقوق الصحافيين خلال عشرية كاملة، بينها سوريا والصومال والعراق، لافتاً إلى أن 96 بالمائة من حالات القتل لم يعرف القاتل ولم تتم محاكمته، وأن ثلث هذه الحالات تقوم بها منظمات سياسية متطرفة في أصقاع مختلفة، وفي منطقتنا العربية منظمات دينية مثل تنظيم الدول الإسلامية وربع هذه الحالات مسؤول عنها مسؤولون حكوميون وعسكريون.
وأشار إلى أن 93 بالمائة من الحالات هي لصحفيين محليين، بعضها يتعلق بقضايا سياسية والفساد وكشف مافيات، حيث أن الصحفي إذا قرر متابعة قضية فساد ما في هذه الدول فسيقتل لا محالة.
ونوّه كريشان إلى أن الأزمة الخليجية تفرض ضرورة حماية المؤسسات الإعلامية، من قبيل حالة مؤسسة الجزيرة الإعلامية التي تطالها مطالب دول الحصار؛ حيث تبرز مجموعة دول تطلب إغلاق مؤسسة إعلامية في بلد آخر.
ودعا إلى ضرورة حماية الصحفيين خلال الأزمات السياسية، مشيرا إلى وجود حالة اصطفاف بين قنوات دعمت الربيع العربي وأخرى دعمت الوضع القائم والأنظمة ودافعت عن الاستبداد.
وخلص إلى القول: “الأزمات الأخيرة في العالم كشفت أن الصحفيين هم أكثر من يدفع ثمن هذه الأزمات؛ وفي حالة الأزمة الخليجية، فإنها فصلت بين من يقف مع قطر ومن يقف مع الباقين، ما جعل الصحفي بين المطرقة والسندان، فهو يدفع الثمن خلال الأزمات وخلال التسويات، وحينما يتخذ الصحفي موقفا ما، يحسب على أنه مرتزق وهذا لا يليق به”.