المنطقة العربية وحاجتها لعقد جديد

حجم الخط
0

أصبح من الواضح أن ما تمر به المنطقة العربية في الوقت الراهن هو عملية تغيير عميق للمسلمات العتيقة الخاصة بالمكونات المذهبية والإثنية للمجتمعات العربية، وعلاقاتها ببعضها وبأنظمتها السياسية والاجتماعية، وبمثيلاتها في دول الجوار. وفي خضم ذلك كله، يجب أن لا نتجاهل الأدوار الإقليمية والدولية النشيطة وتنافسها في تحفيز وادارة وتوجيه هذه التغييرات، بما يحقق مصالحها.
ولا شك أن نتائج هذه العملية ستحدد شكل وملامح المنطقة لفترة طويلة مقبلة، بما في ذلك من تغيرات سياسية وجغرافية وديموغرافية، ولن تكون نتيجة هذا التغيير في صالح الدول أو الشعوب العربية، إذا استمر الفعل الداخلي هزيلا مرتبكا أو مرتبطا بأطراف إقليمية نشيطة ذات دعاوى تاريخية أو مذهبية.
والذي يهمنا في هذه المقالة هو كيفية التعامل مع مخاض التغيير الذي تمر به المنطقة، وهل يمكن ان يؤدي الأسلوب الراهن في مواجهة التغيير بالاستقطاب الإقليمي أو محاولة إيقاف عملية التغيير، بل والعمل على إعادة إنتاج الأنظمة والأوضاع السابقة على الربيع العربي، الى النجاح في صنع الاستقرار في المنطقة وحماية انظمتها، وتأهيلها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ أم ان ذلك سيؤدي الى مزيد من الاحتقان والتناحر والارتهان لقوى إقليمية ودولية، وإحباط أي جهد للتنمية والاستقرار في المنطقة؟ وللاسف فإن هذا هو مآل المنطقة اذا استمرت مجابهة – أو معالجة كما يراها البعض- نتائج ثورات الربيع العربي وأزمات المنطقة، من دون الالتفات إلى الأسباب والتعامل معها.
وتحتاج الأنظمة العربية الى الرؤية والروية والتضحية لكي تصل بدولها وشعوبها الى بر الأمان. فأما الرؤية فهي خطة مفصلة تضع الدول العربية موقع الفاعل في صياغة المستقبل، أو على الأقل في مضاهاة دول مثل ايران وتركيا اللتين اصبح لهما باع اكبر في صياغة مستقبل المنطقة العربية من دول المنطقة ذاتها. وهذا لا يعني تجاهل المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة، ولكن يعني ان يكون دور دول المنطقة العربية فاعلا في رسم هذه المصالح وإدارتها، لا خاضعا لأفعال الآخرين مقتصرا على ردود الأفعال.
ولعل أهم ما تتضمنه هذه الخطة هو تحصين الأنظمة والدول العربية داخليا وخارجيا من الانزلاق في متاهات الحروب المذهبية أو الإثنية، أو الحدودية، أو الانقلابية أو الاضطرابات المدنية. وأجزم بأن عملية التحصين هذه على قدر أهميتها لسلامة واستقرار الأنظمة والحكومات العربية ولتطور شعوبها، هي أقسى ما في الأمر، لما فيها من تضحيات يعتبرها البعض شخصية، ولما فيها من نبذ لكثير من الموروث الذي يعتبره البعض استحقاقا.
ويبدأ تحصين أي نظام داخليا، من خلال إعادة صياغة العلاقات بين النظام وشعبه من خلال دساتير أو عهود أو مواثيق مكتوبة، تتيح المزيد من المشاركة الشعبية في إدارة الدولة ومقدراتها وإعمال مبادئ العدالة والمساواة والنزاهة والشفافية. يستوي في هذا الأنظمة الملكية والجمهورية، وانما هي مبادئ توافق عليها العالم المتحضر، وتمثل قبل ذلك وبعده مبادئ دينية وأخلاقية لا يختلف عليها عاقلان. وذلك هو السبيل الى التحصين الداخلي الذي يقي النظام والدولة والشعب من الاحتقانات الداخلية بين مكوناته أو بينها وبين النظام.
أما خارجيا، فمن الغريب أن تكون علاقات الدول العربية في تباعد وانزواء عن بعضها، فتبادلاتها الاقتصادية ضئيلة، وعلاقاتها السياسية مسمومة، واشتراكها في أي مصلحة محدودة، في الوقت الذي تمد كل دولة عربية يدها، وتفتح أسواقها لدول بعيدة لا يربطها بها الا منظومة من الأوهام، تبتدئ بوهم طمع القريب في ثروة أو أرض ولا تنتهي بوهم تأمين البعيد للنظام.
وأدت هذه الأوهام المتوارية خلف مجاملات الاخوّة الظاهرية، الى اختلالات اقتصادية وديموغرافية خطيرة تهدد وجود وطبيعة واستقرار المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج خاصة، أكثر من أي أمر آخر. ولو نظرنا الى العالم حولنا، سواء في اوروبا أو آسيا لوجدنا الامثلة واضحة بأن تحصين نظام أي دولة والحفاظ على حدودها واستقرارها ومصلحة شعبها لا يكون إلا بالتكامل اولا مع محيطها، ثم جوارها الاقليمي، وأن احترام اختيارات الشعوب لأنظمتها، واحترام الحدود بين الدول هو المدخل الرئيس للتكامل الاقليمي، وان تسهيل وتنظيم اسواق السلع والاستثمار والعمل، ومنح المزايا النسبية لدول الاقليم، يجب ان يتزامن مع تنسيق السياسات والخطط في مختلف المجالات. وذلك كله لا يتم بالنوايا الطيبة المعلنة، ولا البيانات المنمقة، ولكن بالاتفاقات الموقعة والمحددة، وبالإجراءات والقوانين والأنظمة المطبقة.
ان ما سيحدد مستقبل المنطقة العربية هو مدى استيعاب الأنظمة العربية لما يحدث من تفاعلات في المنطقة، وقدرتها على لعب دور فاعل وايجابي في احتضان ورعاية عملية التغيير. فاستعدادها للتوائم مع متغيرات العصر، وملامستها لمطالب شعوبها، ونزولها عند مقتضيات النزعات الانسانية للعدالة، وبعدها عن الاستئثار بالسلطة أو الثروة، والعمل نحو التكامل الاقليمي القائم على اساس المصالح المشتركة بعيدا عن علاقة المانح والمتلقي، أو الغني والفقير، أو القوي والضعيف، كفيل بتهيئة الميدان الداخلي والخارجي لتغيير مثمر وآمن. وقبل ذلك كله إدراك أن التغيير أمر لا بد منه كسنة من سنن الله في الأرض، وأن بأيدي الأنظمة الكثير في أن تجعل منه كارثة على رؤوسها ورؤوس شعوبها، أو أن تجعل منه فرصة تاريخية لولادة جديدة بعقد جديد.
كاتب يمني

المنطقة العربية وحاجتها لعقد جديد

عبدالملك عبدالرحمن الإرياني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية