من بونابرت إلى بلفور: جنيالوجيا الوعد المنجز

في ظرف أيام قليلة فقط تتزامن مئوية وعد بلفور مع مئوية الثورة الروسية، فالمئوية الخامسة لحركة الإصلاح الديني المسيحي. أحداث مفصلية دشن كل منها مسارا تاريخيا استثنائيا، ولكن كلا منها ارتبط بتصورات شاعت عن وقائع أو وثائق تسمى بالاسم حتى صارت من مكونات الوعي العام، إلا أنها وثائق لا توجد ووقائع لم تقع!
من أرسخ هذه التصورات، التي لا أساس لها من الصحة، ما شاع في أدبيات الحركة الصهيونية، وبعض التيارات البروتستانتية، من أن أول مشروع لإقامة دولة يهودية في فلسطين، في العصر الحديث، قد كان من وضع نابليون. زعم باطل، ولكنه عنصر أساسي في جنيالوجيا الأساطير التأسيسية للقومية الصهيونية، وما يتعلق بها من «تحييز» لهذه القومية، أي إفرادها بحيز جغرافي محدد.
ظهرت الفكرة منذ عام 1799، أثناء حملة نابليون على مصر، عندما نشرت جريدة المونيتور اونينفرسال الفرنسية خبرا عن دعوة قالت إن بونابرت وجهها إلى «جميع يهود آسيا وإفريقيا للانضواء تحت لوائه من أجل إعادة (أو إحياء) أورشليم القديمة». ولكن الفكرة سرعان ما اختفت في القرن 19، رغم أن الكاتب جي بيشنو أثارها عام1807 في كتابه «إحياء أمة اليهود»، في إطار صيغة باكرة عن برنامج صهيوني خادم للمصالح الامبراطورية الفرنسية. إلا أنها عادت للظهور في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897. على أن الاستخدام الدعائي المكثف لهذا الزعم التاريخي قد بدأ أثناء الحرب العالمية الأولى، وكان كتاب هربرت سايدبوثام «انكلترا وفلسطين»، الذي نشر في لندن عام 1918، من أبرز هذه الأعمال الدعائية. وكان سايدبوثام على صلة بجريدة «مانشستر غارديان» (الاسم الأصلي لجريدة الغارديان) التي كانت معروفة بحماسها للمشروع الصهيوني. وهو ممن كانوا يسمون «الليبراليين الامبرياليين» الذين كان الزعيم الصهيوني حاييم فايتسمان ذاته يتحرج منهم ويعدّهم متطرفين في صهيونيتهم! من ذلك أن سايدبوثام يزعم أن الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ونابليون جميعهم أيدوا القومية اليهودية، ليس من منطلق العاطفة فقط، بل ومن منطلق الواقعية السياسية باعتبار أن وجود اليهود في فسلطين يمثل مفتاح أي مسعى امبراطوري غربي في الشرق.
وفي كتاب «تاريخ الصهيونية»، الصادرفي لندن عام 1919، قدم ناحوم سوكولوف أطروحة كاملة عن «مشروع بونابرت لبناء دولة يهودية في فلسطين»، وخلص إلى أنه قد شاعت في فرنسا وبريطانيا في أواخر القرن 18 فكرة تحبيذ حل المشكلة اليهودية على أساس قومي. وقد أصبحت أطروحة سوكولوف هذه رائجة في العشرينيات والثلاثينيات. ولعل أقوى التعبيرات عنها ظهر في الندوة التي نظمتها الجمعية التاريخية اليهودية في لندن عام 1925، وكان المحاضر الرئيسي فيها هو الكاتب فيليب غواديلا الذي نادى منذ عام 1915، أي قبل عامين من وعد بلفور، بوجوب أن تقتدي بريطانيا بنابليون. وفي ختام الندوة عقد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج (الذي كان آرثر بلفور وزير خارجيته) مقارنة بين الأوضاع عام 1799 والأوضاع أثناء الحرب العالمية الأولى في إطار شرحه للملابسات التي حفت باستئناف الحلفاء عام 1917 لفكرة نابليون، وذلك بإصدار وعد بلفور، فقال في توضيح صريح إن موقف البريطانيين لم يكن منطلقه الوحيد هو شدة التعاطف مع الشعب اليهودي بحكم قوة تأثير العهد القديم الذي «يعرفه البريطانيون أفضل من معرفتهم بتاريخهم الوطني».
بل إن الدافع الأول يكمن في امتنان حكومة جلالته لحاييم فايتسمان على مساهمته الفعالة في المجهود الحربي البريطاني. ذلك أن الزعيم الصهيوني الروسي الأصل قد تمكن، في إطار عمله أستاذا وباحثا في الكيمياء في جامعة مانشستر، من التوصل إلى حل لمشكلة تزويد الجيش البريطاني بالمتفجرات بفضل اكتشافه طريقة سهلة لتصنيع مادة الآستون. وقد أوجز لويد جورج الموقف في قولة تشرح كل شىء: «لقد جعلني الآستون أعتنق الصهيونية». وهذا هو الدليل القاطع، مثلما بينت قناة الجزيرة في سلسلتها الوثائقية «الحرب العالمية الأولى في عيون العرب»، على أن سياقات الحرب وإرغاماتها هي العامل التفسيري الأول لوعد بلفور. أما نابليون، فإن التمحيص التاريخي أثبت أنه لم يكن لديه أي مشروع لتجميع اليهود في فلسطين، ناهيك عن بناء دولة لهم هناك.

٭ كاتب تونسي

من بونابرت إلى بلفور: جنيالوجيا الوعد المنجز

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية