لندن ـ «القدس العربي»: بصوت السيدة صاحبة الصوت الناعم والواضح جدا التي تستعين بها شركات الاتصالات للرد على العملاء، يُمكن أن نتخيلها وهي توجه رسالة التحذير قبل الأخيرة للمدرب الإيطالي أنطونيو كونتي، والتي تحمل العبارة الأشهر في العالم بمختلف اللغات «عزيزي العميل… لقد أوشك رصيدكم على النفاد»، أو السيدة الأخرى المُسيطرة على سوق السيارات بعبارتها المعروفة «السيارة ترجع إلى الخلف».
لمّ هذه البداية الدرامية؟
لخصت الصور التي اُلتقطت للعراب القريب من دخول عقده الخامس، بعد هزيمته النكراء أمام أبناء جلدته روما بثلاثية مُذلة في دوري أبطال أوروبا، هذه البداية وما يدور في خياله الآن. أهذا هو الرجل الذي كان بالأمس القريب لا يتوقف عن الصراخ والقفز على الخط، وعندما يُسجل فريقه هدفا يحتفل بطريقة هستيرية مع الجماهير، وكأنه هو من وضع الكرة في الشباك؟ بالتأكيد لا. هذا أشبه بالمحارب العاجز العائد من هزيمة ومعه جواد يجر أذيال الخيبة.
نعم الهزيمة واردة في عالم كرة القدم، لكن المستوى الذي ظهر به تشلسي أمام ذئاب عاصمة بلاد البيتزا، لا يعكس أبدا صورة الفريق، الذي من المُفترض يحمل لقب بطل «البريميرليغ»، ولا حتى الصورة التي كان عليها في أغلب أوقات الموسم الماضي، وتحديدا منذ المباراة الفاصلة التي خسرها أمام آرسنال بثلاثية نظيفة على ملعب «الإمارات»، بعدها غيّر قناعاته بتعديل أسلوبه من 4-5-1، للعودة إلى أسلوبه المُفضل بالاعتماد على ثلاثة مدافعين في الخط الخلفي، والمعروفة بـ3-4-3 ومشتقاتها.
لا أحد ينكر أن كونتي أحدث ثورة في حقل التدريب في إنكلترا، خاصة بعد وصوله للتوليفة السحرية لثلاثي الخط الخلفي، باعتماده على دافيد لويز وغاري كاهيل كمحوري ارتكاز في القلب، وثالثهم ملك التكتيك الجديد سيزار أثبيليكويتا، الذي لعب دورا لا يقل أهمية عن دور نغولو كانتي وإيدين هازارد، بغلق كل الطرق المؤدية إلى المرمى من الجهة اليمنى، برفقة فيكتور موزيس، الذي أعاد المدرب الإيطالي اكتشافه، بعدما ظل مُهمشا أكثر من عامين خرج خلالهما على سبيل الإعارة مرة لستوك ومرة أخرى لليفربول. ونجح كونتي في إعادة تصدير موضة 3-4-3 للملاعب الإنكليزية من جديد، فبعد بدايته المتذبذبة حتى الجولة ليلة الهزيمة أمام المدفعجية، تغير الحال من النقيض إلى النقيض، وتجلى ذلك في سلسلة الانتصارات التي توقفت عند الرقم 13 أمام هاري كاين ورفاقه في دربي الأسبوع الـ20، والمُدهش أن الهزيمة لم تؤثر على اللاعبين، وفي الأسبوع التالي أعادوا الأمور إلى نصابها الصحيح بإسقاط مانشستر سيتي في عقر داره بنتيجة 3-1.
انتقال الفكرة
في الوقت الذي بدأ فيه مدرب يوفنتوس ومنتخب إيطاليا السابق يفرض سطوته على ملاعب إنكلترا الكبرى، بسرقة خصومه باللعب على الهجمات المعاكسة، سواء على ملعبه او خارجه، حاول أكثر من مدرب استنساخ الفكرة مع فريقه، ولنا في كشاف النجوم آرسين فينغر أكبر دليل، لدرجة أنه إلى الآن يلعب بثلاثة في الدفاع، بوضع ناتشو مونريال كمدافع ثالث بنفس استخدام كونتي لأثبيلكويتا، والأنكى أن مدرب توتنهام ماوريسيو بوتشيتينو، يصر دائما على أنه لا يسير على نهج جاره في الحي الغربي الراقي، بل يعتبر نفسه السباق في استحداث طريقة الثمانينات والتسعينات لتغزو بلاد مهد كرة القدم. وبصرف النظر عما إذا كان بوتشيتينو الأول أو كونتي، فالواقع يقول أن الأخير لم يُطّور من نفسه ولا من فكرته، رغم أنه شوهد على شواطئ جنوب بلاده في فصل الصيف وهو يقرأ كتُب عن الأفكار الحديثة في عالم كرة القدم، وكُتب أخرى عن معرفة الكثير من المصطلحات الدارجة في إنكلترا، لكن على أرض الواقع، بدا وكأنه مثل المغترب الذي كان يحلم ليلاً ونهارا بالعمل خارج الوطن، وبمُجرد أن حقق حلمه، سيطر عليه هاجس العودة من جديد.
أطلق الرصاص على نفسه
نتفق دائما أن لغة الأرقام لا تكذب، وكونتي نفسه يفهم جيدا أن وظيفة «المدرب» في فريق مثل تشلسي بالذات، تتوقف على النتائج قبل أي شيء آخر، حتى لو استمر يُقدم كرة قدم «قبيحة» بالمسمى المتعارف عليه في صحف إنكلترا، وشاهدنا مورينيو نفسه يقول بالنص بعد فوزه الباهت جدا على بنفيكا بهدفين نظيفين «الأداء؟ لا لا لا… المهم أننا حققنا الفوز، وهذا يعني دخول أموال وأموال وأموال لخزينة النادي». هذا حال مورينيو الذي يعمل الآن لدى مؤسسة معروف عنها الانضباط وعدم التعجل في طرد المدربين، حتى الاستثناء الوحيد مع الاسكتلندي ديفيد مويز، جاء في نهاية الموسم أو بالأحرى في الشهر الأخير بعد خروج الفريق من كل البطولات، وتأكد غيابه عن المشاركة في دوري الأبطال لأول مرة منذ سنوات، فما بالك بمدرب لا يُحقق نتائج ولا يُقدم كرة مُقنعة ويعمل مع المتهور الأعظم رومان آبراموفيتش.
التاريخ لا يكذب
التاريخ يقول أن رجل الأعمال الروسي يتّحول إلى وحش كاسر بمجرد أن يشعر بحدوث هزة في النتائج، ونتذكر مع فعله مع جوزيه مورينيو نفسه في مناسبتين، الأولى بعد أسابيع قليلة في بداية موسم 2007-2008، والأخرى كانت قبل عامين، عندما دفع ثمن ما وصفه «خيانة اللاعبين»، بخسارة منصبه وهو في طريقه للعودة من ملعب «كينغ باور»، مهزوما أمام ليستر. أهناك أعز من نهر «ستامفورد بريدج» الخالد روبرتو دي ماتيو؟! الذي حقق أهم بطولة في تاريخ النادي «دوري أبطال أوروبا» 2012، هو الآخر وقع ضحية لآبراموفيتش بعد بدايته المتواضعة في أول موسم بعد التتويج بالكأس الأوروبية ومعها كأس إنكلترا، وأمثلة أخرى كالبرتغالي فيلاش بواش والبرازيلي لويس سكولاري، مع ذلك لم يضع كونتي في اعتباره قبل بداية الموسم، أنه قد يواجه هذا المصير، أو تتكرر معه لعنة الفوز بالبريميرليغ، التي أطاح بمورينيو ورانييري قبل إنهاء حملة الدفاع عن اللقب.
كلاكيت ثالث مرة
لا شك أبدا أن المشهد الواضح أمامنا الآن، يُنذر بعاصفة وشيكة داخل جدران معقل الأسود، صحيح على مستوى دوري الأبطال، لديه أفضلية كبيرة على أتلتيكو مدريد بفارق أربع نقاط قبل انتهاء مرحلة المجموعات بمباراتين، لكن الكارثة الحقيقية، تكمن في تراجع النتائج على مستوى الدوري المحلي، واتساع الفارق لتسع نقاط مع المتصدر في قادم المواعيد، من شأنه أن يُعّجل باقتراب النهاية أكثر من أي وقت مضى، وهذا إن حدث، سيكون المسؤول الأول عن ذلك هو الضحية.
ضحى بنفسه لإسعاد غيره
نعم. كونتي هو المسؤول الأول عن المشاكل التي يُعاني منها البلوز في الوقت الراهن، بعيدا عن تصريحاته غير الموفقة بالمرة، التي بالغ فيها عن اشتياقه وحنينه للعودة إلى بلده الشهر الماضي، والتي قد تكون زعزعت الثقة بينه وبين اللاعبين، أو جعلتهم يشعرون بأنه لا يُخطط لمستقبل معهم، فهو من دّبر للجريمة الكروية الكاملة الأركان التي تحدث عنها فل نيفل بعد مباراة روما. الشقيق الأصغر للمحلل المُبدع غاري نيفل، قال: «صاحب فكرة بيع نيمانيا ماتيتش يجب أن يُحاسب»، وكأنه يقصد عن عمد إشعال موجة غضب الجماهير على كونتي، خاصة في الوقت الذي يُعاني فيه خط وسط تشلسي بصورة غير مسبوقة، بضعف واستسلام أمام روما، كان ماتيتش يصول ويجول على مسرح الأحلام، وفي النهاية كافأ نفسه بالتسديدة الصاروخية التي منحت الفريق هدف التقديم الأول على بنفيكا في نفس السهرة الأوروبية.
وما يقهر جماهير البلوز أكثر، أن تألق لاعبهم الصربي السابق فاق كل التوقعات، وصل لدرجة عدم تأثر خط وسط كتيبة مورينيو بغياب بول بوغبا، بفضل الأداء المُبهر الذي يُقدمه ماتيتش بجوار أي لاعب يضعه المدرب على الدائرة كلاعب محوري ثان، لكن في تشلسي، حدث انهيار بعد إصابة نغولو كانتي الأخيرة، التي صاحبها هبوط حاد في مستوى أكثر من نصف الفريق، في مقدمتهم الظهيران ماركوس ألونسو وفيكتور موزيس، ناهيك عن حالة الضياع التي ظهرت على سيسك فابريغاس وعدم انسجام الوافد الجديد باكايوكو مع أجواء البريميرليغ، وبدرجة أسوأ منه بمراحل المدافع الألماني أنطونيو روديغر، الذي يُعتبر بدون مبالغة نقطة الضعف الأبرز في الفريق، وهفواته الساذجة التي كان آخرها مشهد ترك الكرة للشعراوي ليُسجل الهدف الثاني، وكأنه ما زال يعتقد أنه لاعب في روما!!
هل سيخرج من المحنة؟
بالتأكيد هذا هو السؤال الأهم في الوقت الراهن، والإجابة عليه لن تتأخر عن نهاية الشهر الجاري على أقل تقدير، وعلى كونتي أن يُدرك جيدا أنه حان وقت تعديل أفكاره لأن تشلسي الآن أصبح الكتاب المكشوف أمام المنافسين، وشاهدنا درس دي فرانشيسكو القاسي جدا ذهابا وإيابا، صحيح الفريق اللندني تعادل في المباراة الأولى، لكنه قدم مباراة للنسيان، ونفس السيناريو تكرر في مباراة «الأولمبيكو»، لكن هذه المرة كان المنافس أكثر تركيزا أمام المرمى، فحدثت الكارثة التي فتحت النيران عليه أكثر من أي وقت مضى، فهل سيُفكر في إستراتيجية لعب جديدة تتناسب مع اللاعبين لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه؟ أم أنه يتعرض لخيانة كالتي تحدث عنها مورينيو قبل عامين؟ أم هي ضريبة بيع ماتيتش ورحيل القائد الأسطوري جون تيري؟ كل هذه الأسئلة تؤكد أن تشلسي كونتي الآن على صفيح ساخن وأوضاعه ليست على ما يرام.
عادل منصور