الثياب المستعملة في فرنسا.. «البرجوازية» للجميع

حجم الخط
0

باريس – «القدس العربي» ـ صهيب أيوب: لم تعد الثياب المستعملة سوقاً محتكرة للفقراء. فعلى رغم تكريس هذه السوق، على أنها مكان مناسب لكسوة الفقير، إلا ان الأمر بات مختلفاً في فرنسا، بعد تحول هذه المحلات إلى أمكنة أشبه بتبادل الأدوار، فالغني والفقير يتحولان إلى ندّين حول قطعة ثياب ثمينة، لا ينفقون عليها مالاً كثيراً.
تقول كارول فاري (42 عاما) إنها تشتري كل ثيابها من هذه المحلات، «السبب ليس غلاء الألبسة، لكن لمعرفتي السابقة بأني أقتني قطعة ثياب جودتها جيدة»، موضحة: «بدأت منذ مراهقتي بشراء ثيابي من البالات وصارت عادة. وأخبر رفاقي وأدلهم. إنهم يقولون عني في الشركة أني خبيرة ثياب مستعملة»، تضيف ضاحكة: «في فرنسا قد يسخرون منك، لكن الكل تقريبا يشتري من البالات الثياب ذات الماركات العالية».
وتعد سوق «البالات» (كما تعرف أسواق الثياب المستعملة)، وجهة مستجدة، في العاصمة باريس والمدن الفرنسية الأخرى. ففيها يمكن أن يجد كل شخص ضالته خصوصاً، في عالم الماركات، التي لا يمكن أن نتخيل أن موظفين من درجة ثانية أو عمالا أو طلاب جامعات لهم القدرة على امتلاكها، لكن مع وجود سوق البالات صار كل شيء متوفراً، وبجودة عالية.
يقول شارلي غارت (30 عاما) إنه يشتري الأحذية من هذه المحلات نظراً لسعرها الجيد ونوعيتها الممتازة، «إذا أردت أن أشتري حذاء صينيا سيكلفني ما لا يقل عن 30 يورو. في هذه المحلات أجد أحذية فاخرة وجلدية بالسعر نفسه»، يقول الشاب الذي يعمل في شركة محاسبة، مشيراً إلى أن هذه المحلات تعد متنفساً للطبقة المتوسطة في فرنسا، «ليس فقط لأنها رخيصة بل أيضاً لأنها تولي اهتماماً بجميع الطبقات. فهي تحتوي على بضاعة مرتبة وليس كما يتخيل البعض أنها للطبقات المسحوقة».
وفي تولوز، المدينة الزهرية في جنوب فرنسا، تكثر محلات البالات، حيث يتخصص شارع كامل بالمحلات التي تضم أفخر وأجود الألبسة والأحذية المستعملة والتي يأتي إليها الجميع، فصار يطلق عليها بين سكان المدينة على أنها محلات المساواة في البرجوازية، حيث لم تعد البرجوازية حكراًعلى الأغنياء فقط. «إنها مكاني المفضل»، يقول روبين، وهو مصور فوتوغرافي. يأتي روبين مع فريق عمله لشراء ألبسة بعضها للباس اليومي وبعضها الآخر للشغل، «أجد هنا كل شيء أريد، لأزياء التصوير وجلساته»، موضحاً: «عملي لا يسمح لي بالبذخ، لذا أقتني قطع ثياب مميزة وبأسعار مقبولة. إنها فعلا تجعل الجميع يحسون بالبرجوازية ولو بمعاشات الحد الأدنى».
وفي الجانب الآخر، تشتري نساء من الطبقة الغنية أيضاً ملابسها هنا، خصوصاً معاطف الفرو التي لا يمكن إيجاد واحد منها بأقل من ألفي يور، بينما في هذه المحلات يمكن شراء واحد منها بـ50 يورو. تقول جاكي وهي سيدة مالكة لأحد متاجر الألبسة المستعملة، إن زبائنها من كل الطبقات، لكن هناك الكثير من أصحاب الأموال والأغنياء يأتون إليها. «إنهم يجدون هذه المحلات مكاناً لهم لشراء ما يناسبهم وتوفير الباقي على أشياء أخرى. بالنسبة لي لا أفرق بين الزبائن، أفرح أن هذه التجارة تنمو كثيرا في فرنسا وأن روادها أيضاً من الأجانب والسياح يزدادون يوماً بعد يوم»، مشيرة إلى أن هذه السوق تحدد كم أن الحياة يمكن أن تعيد الناس جميعهم سواسية حتى لو كان النظام الاقتصادي والاجتماعي يأبى ذلك، «في النهاية كلنا يريد طلة بهية وبأسعار مقبولة. هذه هي العدالة الاجتماعية»، تنهي حديثها بابتسامة عريضة.

الثياب المستعملة في فرنسا.. «البرجوازية» للجميع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية