أحد الأقوال الهُرائية الذي اعتاد ياسر عرفات قولها وحتى اليوم بالإمكان سماعه يكررها من خلال عدد من رجاله ـ لولا مقتل رابين من قبل يغئال عمير، فإن مسيرة السلام كانت ستستمر وتصل إلى نهايتها السعيدة. دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
عرفات وأوساطه كان يجب عليهم تبرير اتفاق أوسلو في نظر أنفسهم وفي نظر شعبهم. كان عليهم تبرير الأخطاء الشديدة التي ارتكبوها في المفاوضات (في البداية بسذاجة وعدم اكتراث، وبعد ذلك بخليط من السذاجة، عدم اكتراث، الغباء وقلة الحيلة، وضعف متزايد، إغماض الأعين، حسابات شخصية تتعلق بالبقاء، فساد). السياسة الإسرائيلية لم تتشكل ولا تتشكل حسب قرارات رجل واحد. وبالتأكيد ليس عندما يدور الأمر حول المسألة الأساسية لوجودنا الصهيوني: ماذا بحق السماء يعملون مع كل العرب هؤلاء الذين دخلوا إلى بيتنا اليهودي. الإجابة الصهيونية عن هذا السؤال اليوم هي واقع الجيوب الفلسطينية المكتظة، المتقزمة داخل الفضاء اليهودي النهم للأراضي التي وعده الله بها. سواء كان الله موجودا أم لا.
إن شخصا واحدا لا يمكن أن يكون مسؤولا عن هذا الواقع السهل، حتى ولا المفكرين الجيوسياسيين الأذكياء جدا لدينا شمعون بيري أو اريئيل شارون، أو شلومو موشكوفيتس والذي من 1988 وحتى 2013 وقف على رأس مجلس التخطيط الأعلى في الإدارة المدنية، والتي ثبتت الأبرتهايد المخطط في الضفة. من أجل تشكيل واقع الجيوب السكانية احتاجوا نسيجا كاملا من الأيديولوجيين، الجنرالات، القانونيين، الموظفين، المحتاجين إلى سكن فاخر، كهنة، سياسيين، جغرافيين، مؤرخين، مقاولين وغيرهم.
لهذا أيضا لا يكفي شخص واحد من أجل وقف سياسة يشكلها نسيج كامل مصمم منسق. حتى ولا رابين، حتى لو افترضنا للحظة بأنه فهم حقا أن اتفاقا معقولا يمكن أن يكون قائما فقط على دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي.
صحيح، ان رابين قد دعا مستوطني الجولان بالمراوح. ولكنه أيضا قال يا ليت غزة تغرق في البحر. كما أنه أحسن في تحديد تطلعات إسرائيل من المتعهد الثانوي الفلسطيني عندما قال: السلطة الفلسطينية ستحكم من دون «محكمة عدل عليا» ومن دون «بتسيلم». ومع ذلك، ولكن أكثر أهمية من أقواله الحقائق على الأرض، التي ثبتت قبل القتل.
فيما يلي أسس وقع الجيوب، التي هي عكس الدولة: فصل القطاع عن الضفة الغربية، فصل القدس الشرقية عن باقي الأراضي الفلسطينية، منطقة (ج)، قيادة فلسطينية ضعيفة، تعزيز الاستيطان والمستوطنين، نظامين قضائيين غير متساويين ـ واحد لليهود والآخر للفلسطينيين، استخدام الذريعة الأمنية وسيلة كولونيالية. هذا واقع لم يكن ليوجد بين يوم وليلة. في عهد رابين، الإغلاق على قطاع غزة، أي نظام منع الحركة، ازداد وتعزز. لم يُسمح للطلبة بالعودة للدراسة في الضفة، وها هو فجأة يسمح لطلاب بيرزيت بالعودة. سألوه لِمَ فقط تسمح لهم، أجاب كما قال لي أحد من أعضاء لجنة الارتباط الفلسطينية حينئذ: «لأن عرفات طلب أن أسمح للطلاب بالعودة، وقد ذكر فقط جامعة بيرزيت».
لقد أيد رابين شق شبكة الطرق الالتفافية في الضفة ـ شرط مهم لجذب مستوطنين جدد وتقسيم التواصل الجغرافي الفلسطيني. هذا يعني، تقوية المرحلة الانتقالية مقابل التنازل عن مرحلة الدولة الفلسطينية. مروان البرغوثي بمزيج من السخرية والجدية أعاد على مسامعي المحادثة التالية بين رابين وعرفات ـ رابين: «ولكن كيف سيصل المستوطنون إلى بيوتهم في المرحلة الانتقالية إن لم يكن لهم شوارع خاصة»؟ عرفات: «أهلا وسهلا. يمكنهم السفر عبر مدننا». رابين: «ولكن إذا ضربهم شخص ما، سنوقف المفاوضات وإعادة الانتشار؟». عرفات: «لا سمح الله. حينئذ، يمكنك شق هذه الطرق».
كرئيس حكومة ووزير للدفاع عاقب رابين الفلسطينيين في الخليل على المذبحة التي ارتكبها ضدهم باروخ غولدشتاين. فقد فرض الجيش الواقع تحت سلطته على الفلسطينيين قيودا كبيرة جدا على الحركة، والتي تزداد شدة وهي مسؤولة عن إخلاء وسط المدينة من السكان الفلسطينيين. رابين هو الذي رفض إخلاء مستوطنو الخليل. سياسة الترانسفير الهادئة في القدس (سحب المواطنة من مواليد المدينة الفلسطينيين) بدأت سرا ـ كالمعتاد من دون أن يعلن عنها رسميا ـ في فترة ولايته رئيسا للحكومة. النضال ضدها بدأ فقط حين بدأت البينات بالتراكم في 1996. التقسيم المصطنع لمناطق (أ) و(ب) و(ج) كتوجيه لإعادة انتشار الجيش على مراحل، تم فرضها في المفاوضات على الاتفاق الانتقالي، الذي وقع في أيلول 1995. كما هو معروف هذا التقسيم كان يجب أن ينتهي في 1999. لا نعرف فيما إذا كان رابين شريكا في هذه الخدعة الشريرة، التي تحت قناع التدرج لأسباب أمنية أبقت منطقة (ج) خزان أراض لليهود. ولكنه هو الذي صك المقولة المقدسة «ليست هناك تواريخ مقدسة»، في سياق تنفيذ اتفاق أوسلو.
لقد نجح القاتل كثيرا، لأنه خلافا لدعاية اليمين، فإن الحكومة برئاسة حزب العمل لم تكن تنوي قطع الحبل السرّي التي كانت مربوطة به مع أساليبها وأهدافها الكولونيالية. النقاش مع الخصوم في الليكود ليس ولم يكن على المبدأ، بل فقط على عدد من البانتوستانات التي ستعطى للفلسطينيين وحجمها.
هآرتس 5/11/2017
عميره هاس