بعد سنة بالضبط من تكليف الرئيس اللبناني، سعد الحريري، تشكيل حكومته، لم يكبد الحريري نفسه عناء العودة إلى لبنان لنشر بيان استقالته فيه، بل أطلقه من السعودية مرفقا به تفسيره «للوضع في لبنان الذي يذكّر بعهد اغتيال أبيه رفيق الحريري» وأن «إيران تحاول تدمير العالم العربي وأن سلاح حزب الله موجه ضد السوريين واللبنانيين». فهل الخوف من تصفيته هو الذي يقف خلف قراره؟ نشرت وسائل الإعلام السعودية تفاصيل قليلة عن نية كهذه مقتبسة من مصادر تفيد أن أبراج الرقابة التي تتابع قافلة سيارات رئيس الوزراء لضمان أمنه، تعطلت، وذلك على ما يبدو منعا لاستدعاء المساعدة عند تنفيذ الاغتيال. ولكن إذا كان هذا هو بالفعل سبب الاستقالة، فلِمَ لم يُعلن عنها في بداية الأسبوع عند وصوله إلى السعودية يوم الاثنين. يبدو أن الأسباب الحقيقية تتعلق بما سمعه في السعودية في الزيارتين اللتين عقدهما هذا الأسبوع، لا سيما الزيارة التي أسمعه فيها تامر السبهان، الوزير السعودي لشؤون الخليج، عن أداء حكومة لبنان وفشلها في صد حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان.
المعركة التي لا هوادة فيها بإدارة ملك السعودية سلمان وابنه محمد، الذي يدير المملكة عمليا، وجدت صعوبة في هضم استمرار ولاية وزراء من حزب الله في حكومة الحريري. فمنذ تشرين الثاني الماضي، الشهر الذي تشكلت فيه الحكومة، تشد السعودية على أسنانها حيال الخطوات السياسية التي يتخذها الحريري، بعد أربعين يوما من إقامة حكومة الوفاق التي نجحت حتى الآن في الحفاظ على الاستقرار السياسي. وكان هذا الاستقرار تحقق ضمن أمور أخر، بفضل تنازل الحريري لحزب الله (وعلى أي حال لإيران)، بما في ذلك الامتناع عن المطالبة بنزع سلاح حزب الله (برغم إعلانه أن هذا السلاح غير قانوني)، التعاون بين الجيش اللبناني وحزب الله في الحرب على الحدود اللبنانية في بلدة عرسال وطرد (داعش) من قرى الحدود الشرقية، وتأييده لتعيين ميشيل عون رئيسا للبنان، مرشح حزب الله، الذي عينه أيضا رئيسا للوزراء. الحوار السياسي «المرن» الذي أداره الحريري مع حزب الله أغضب أيضا عددا من مؤيديه البارزين في لبنان ممن طلبوا تحذيره من فخ العسل الذي أعده حزب الله، ولكن يبدو أن الحريري كان مقتنعا بقدرته على استخدام المنظمة لأغراضه.
وبالفعل، ساعد حزب الله الحريري في إدارة الحكومة، وخلافا لسلوكه في الحكومات السابقة لم يمنع مبادرات حكومية واجتهد لعدم إحراج الحكومة التي يشارك فيها. المشكلة هي أنه كلما مرت الأشهر تبين ليس فقط للبنانيين، بل أيضا للسعوديين، أن مرعيهم الذي يحمل في حقيبته جواز سفر سعودي وفرنسي يجد صعوبة في أن يقرر إذا كان هو «سعودي أم إيراني». والغضب السعودي تفجر بعد أن أعلن علي أكبر ولايتي، مستشار الزعيم الإيراني الأعلى، علي خامنئي، يوم الجمعة في أثناء زيارته للبنان أن «انتصار لبنان على الإرهاب هو انتصار للمقاومة (أي حزب الله)، وأن إيران ستواصل الحفاظ على لبنان ولن تسمح للأمور بالعودة إلى ما كانت عليه سابقًا». واللقاءات التي عقدها ولايتي في لبنان مع الرئيس ميشيل عون، ومع رئيس الوزراء ومع رئيس البرلمان نبيه بري، في اليوم الذي وصل فيه فلادمير بوتين إلى طهران، شدت حتى أقصى مدى شفا الصبر السعودي. فإيران لا تظهر فقط على الملأ دورها في الشؤون اللبنانية وتحاول جذب روسيا ضد السعودية، بل إن رئيس الوزراء الحريري يستضيف المندوب الإيراني كأنه حليفه.
ويمكن للرحلة العاجلة التي أجراها الحريري إلى السعودية أن تشهد على واحدة من إمكانيتين، إما أن يكون تسلّم رسالة من ولايتي كي ينقلها إلى ملك السعودية أو أن يكون استدعي لحديث توبيخ بعد «عدم فهمه» للتلميحات الواضحة التي أسمعتها في أذنيه القيادة السعودية في يوم الاثنين. مشكوك فيه أن تكون هناك رسالة إيرانية ما، بل إن استقالة الحريري هي دليل على أن السعودية عرضت عليه مطالبة إنذارية ليس فقط للكف عن سياسة التنازل لحزب الله، بل أن يستقيل من منصبه كي يدفع إيران وحزب الله إلى طريق مسدود في لبنان.
الطريق المسدود هو على ما يبدو ما ينتظر لبنان الآن الذي تمر فترة عليه حتى ينتخب رئيس وزراء جديد. ومع أن الحريري سيبقى في منصبه إلى أن يوجد له بديل، ولكنه سيكون متحررا من الاتفاقات التي توصل إليها مع حزب الله، كما يشير إلى ذلك النقد الذي وجهه أمس ضد المنظمة بعد بيان الاستقالة. نظريا، يمكن للرئيس اللبناني أن يكلف بإقامة الحكومة وزيرا أو نائبا آخر، ولكن تجربة الماضي تفيد بأن تشكيل حكومة وفاق في لبنان مثلها مثل اقتناص فيل. والسيناريو المتفائل يتحدث عن فترة أسابيع كثيرة قبل أن تتشكل مثل هذه الحكومة. أما السيناريو الأسوأ فيطرح التخوف من مواجهات عنيفة بين مؤيدي الحريري ومؤيدي حزب الله، شغل مليشيات مسلحة وأعمال ثأر ضد لاجئين سوريين، ممن يعلقون على أي حال منذ زمن بعيد في هجمة مدنية غير عنيفة تطالب بتركهم لبنان.
يفهم حزب الله وإيران جيدا التهديد الذي تضعه أمامهما استقالة الحريري. والرد الإيراني الذي يقول إن «الاستقالة هي مؤامرة من السعودية والولايات المتحدة» يدل على التخوف الإيراني من فقدان السيطرة في الساحة اللبنانية التي دارت حتى الآن، إلى هذا الحد أو ذاك، برضى من طهران. وفي الوقت ذاته يجدر على المرء ألا يسارع إلى تبني سيناريوهات المصيبة التي تفيد بأن حزب الله سيستغل الاستقالة كي يهاجم إسرائيل لاستعراض سيطرته في الساحة السياسية.
هآرتس ـ 6/11/2017