إشكالية الموقف الكردي من العراق وتاريخه

من تابع تطورات مشهد أزمة استفتاء إقليم كردستان العراقي في طابعها الإعلامي، سواء كانت من خلال تصريحات القادة الأكراد أو من وسائل إعلام الصحافة التابعة للأحزاب الكردية الساعية للانفصال، لم يجد صعوبة في فهم الاستراتيجية الكردية والنوايا الخطيرة الهادفة إلى طعن الشرعية الجغرافية والتاريخية، وعدم الاعتراف بالعراق وتاريخه، الذي احتضنته بلاد الرافدين بعربه وكرده وأقلياته.
فالعراق الواحد الموحد على لسان السيد مسعود بارزاني ورفاقه «لا وجود له في التاريخ»، والدولة العراقية كما تراها الأقلام الكردية ليست سوى «كيان مصطنع» من ثلاث ولايات عثمانية هي «بغداد والبصرة والموصل» تم رسم حدودها من خلال اتفاقيات دولية، بعد اندثار الإمبراطورية العثمانية وتفتيتها من قبل الحلفاء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وإذا كانت فحوى هذه التصريحات الكردية، هي بمثابة الحقيقة الثابتة لتاريخ حلقة من مسلسل نشوء الدولة العراقية الحديثة، ابتداءً من سقوط الإمبراطورية العثمانية، والبدء بتقسيمها عن طريق ثلاث اتفاقيات دولية، هي «سايكس ـ بيكو ولوزان وسيفر»، يظهر منطق التحريف والتجريح وإخفاء تاريخ العراق وارتباطه بتاريخ بلاد الرافدين، من خلال تكرار الأخوة الكرد لما يفنده أعداء العراق والتشكيك بوجوده، على طريقة ما يعرف بلغة الببغاء التي يعتمدها البعض للوصول إلى الغاية المرجوة التي ينبغي الوصول إلى تحقيقها.
من المؤسف أن يختزل البعض تاريخ العراق، والتعمد في حصره في الفترة التي سبقت احتلاله من قبل بريطانيا في 1917، ومن ثم إعلان الدولة العراقية، وتثبيت حدودها نتيجة لمعاهدة «سان ريمو»، التي رسمت الحدود الجغرافية بين دول المشرق العربي، والتي ما زالت قائمة، إمعانا من الدول الاستعمارية في تقسيم المنطقة، حيث لا تزال فكرة عملية تقسيم العراقيين إلى ثلاثة مكونات، انطلاقا من تقسيم بلاد الرافدين إلى ولايات عثمانية، في غياب قوة سياسية عراقية قادرة على توحيدها. من المعروف ان أرض العراق الذي تم رسم حدودها الحالية، حسب اتفاقية «سان ريمو» في 1920 هي أرض الرافدين نفسها التي قسمتها الإمبراطورية العثمانية إلى ثلاث ولايات هي بغداد والبصرة والموصل، وسجلها التاريخ بحروف حضارية في سومر وبابل وأشور، انسجاما مع هويته التاريخية والثقافية وحدوده الطبيعية، التي رسمها نهرا دجلة والفرات، ودونتها عظمة الحضارات التي مرت على مدنها. كما أنها الأرض نفسها التي مر بها الإغريق والرومان ومن ثم الساسانيون الذين كانوا يسمون العراق ب(إيراق) والتي تعني (الأراضي المنخفضة) حتى قيام دولة المناذرة ومن ثم الدولة العباسية بعظمتها وتميزها.
وكما ان العراق هو هذه الأرض نفسها وهذه الحضارة نفسها التي قام بتدميرها التتار والمغــول، والتي احتلت من بعد من قبل الفرس والعثمانيين، لتجف أوراق كتبها وينضب فيها ماء الحياة في فترة مظلمة طال أمدها عدة قرون، لتساهم في تقسيمه إثنيا وقوميا وفتح باب الصراع بين القوى الكبرى من خلال اتفاقية سايكس ـ بيكو، بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث أطبقت بريطانيا على العراق، بنظام الانتداب الذي منحته عصبة الأمم في مؤتمر لندن عام 1922، ليرتبط العراق في النهاية مع بريطانيا بمعاهدات وأحلاف حدت عمليا من استقلاله إلى حين الإطاحة بالنظام الملكي في 1958.
لا شك في أن حدة الشعور بالانتماء القومي والطائفي للكرد والعرب في تمثيل الدولة العراقية هو أحد أسباب غياب التوافق الوطني وتوسع التصادم في الآراء ومن ثم الطعن بشرعية العراق ووحدته، حيث أصبح من المستحيل الوصول إلى تسوية ديمقراطية من خلال وجود الشمولية القومية والمذهبية، اللتين تعيقان التوصل لعملية ديمقراطية، وتعملان ضد أي إمكانية لتوحيد المكونات العراقية بشكل دائم.
من هنا، وفي غياب التوافق الوطني، أصبح من الصعوبة ولادة حركة أو تيار ديمقراطي وطني، لأن دولة الأمة العراقية التي ترغب الأحزاب القومية والطائفية التي حكمت العراق في تمثيلها من خلال الشمولية، لا تسمح بولادة عملية ديمقراطية، بل تعمل على إفشال كل الاحتمالات القادرة على توحيد المكونات المتعددة. وهذا ينطبق على التيارات الوطنية، حيث لم تستطع هذه الأحزاب التي تدعي الوطنية الوصول إلى إطار وحدة سياسية عراقية للاندماج الوطني، لأنها رغم سعي النخبة الوطنية إلى نبذ الطابع الطائفي أو القومي، بقيت هذه الأحزاب ممثلة لتطلعات المكون أو الطائفة التي تنتمي إليها.
لقد أثبت الوقائع التاريخية في بلاد الرافدين من خلال نشوء أول مجتمع حضاري، توفر الشروط اللازمة لدولة الأمة. في المقابل أصبح من الواضح في أن إشكالية النظام السياسي في العراق وفشله في إقامة دولة المواطنة منذ تأسيس دولته الحديثة في 1921 ولحد الآن، تكمن في طبيعة النظام والأحزاب السياسية التي جاءت للحكم. حيث أثبتت أسس وثقافة الأحزاب التي حكمت العراق عن غياب وجود إطار معترف به ومقبول من جانب جميع المكونات الاجتماعية، يمكن من خلاله التوصل إلى توافق في الآراء والأهداف، حيث سادت الثقافة القومية والطائفية على قمة الهرم السياسي للأحزاب والزعماء العراقيين، على شكل وعمل الدولة ومؤسساتها، ضاربة عرض الحائط بخصوصية العراق في تعدده للقوميات والطوائف، إلى حد فشل التيار السياسي «الوطني» العراقي نفسه، في تمثيل كيان عراقي موحد عابر للطوائف والأديان، له القدرة على إنجاح عملية الاندماج الوطني ولا يطعن بشرعية العراق وتاريخه كأمة ووطن، ودوره المركزي في مسلسل التطور الحضاري والاجتماعي، من خلال ابتداع الكتابة وتطوير الزراعة لحفظ إنتاجه الفكري والاقتصادي من الاندثار لتتوارثه الأجيال اللاحقة ليصبح مثالا تاريخيا لولادة الأوطان.
كاتب عراقي

إشكالية الموقف الكردي من العراق وتاريخه

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية