مراكش ـ «القدس العربي» من عبدالله الساورة: يحفل فيلم «كتاب هنري» للمخرج الأمريكي كولين تريفوراو بالكثير من المفاجآت غير المتوقعة. من قضايا الاستغلال الجنسي والأمراض الاجتماعية القاتلة، من خلال تدوينات طفل يدعى (هنري) عمره لا يتجاوز 12 عاما في دفتره الأحمر وتسجيلاته الصوتية.
حكاية الأمومة والتآخي
ينطلق فيلم «كتاب هنري» في أجواء الأم سوزان (نعومي واتس) تشتغل في كافتريا للوجبات السريعة، وتنقلها بين العمل ورعاية طفليها هنري (جايدن ليبرهر) وبيتر (جاكوب ترمبلاي) ثماني سنوات. يعيش الطفلان حياة اعتيادية بين اللعب والمرح في البيت وبين ذهابهم للمدرسة وانشغال الأم عنهما في العمل لإعالتهما. تحرص الأم في المساء على قراءة القصص لهما حتى يطيب نومهما في استعداد ليوم تال. عائلة صغيرة من الطبقة المتوسطة في مواجهة جار مريب بنظراته وانزوائه. ينتقل الفيلم بين المنزل ومكان عمل الأم والمدرسة والغابة مع ما يظهر من سلوكات تبدو غريبة، وغضب الطفل هنري ورعايته لأخيه الأصغر منه والدفاع عنه وما يتمتع به من ذكاء حاملا دفتره الأحمر الصغير.
حكاية الآخر الغريب
في التوازي مع حكاية الأمومة تنمو حكاية جانبية مهمة، حكاية تحقيق صغير يبدأه الطفل هنري قبل موته وينتهي بتسجيلات صوتية وتدوينات كتابية في دفتره الأحمر. هذه الحكاية /الاستقصاء عن الجار المريب والطفلة سوزان الصغيرة الصامتة والحزينة، وما علاقتها بالشخص الذي تعيش معه في المنزل؟ تجد الأم الدفتر وتقبض على الخيوط التي وصل إليها هنري، من خلال تسجيلات دقيقة عن الجار «المريب» وتواصل عمليات البحث وتقتني سلاحا وتستعد لمواجهة الجار.
حكاية سوزان
بالموازة مع الحكايتين السابقتين تبزغ حكاية ثالثة تؤرق الطفل هنري والأم ومدرسي المدرسة بطرحهم السؤال.. لماذا تتصرف هذه الطفلة بهذا الحزن العميق؟ وماذا تعني نظراتها التي يخيم عليها الحزن والخوف؟ وما سبب زوج والدتها في هذه الكآبة التي تعلو محياها؟ حكاية صمت تنقشع رويدا بدون أن تدخل الكاميرا لمنزل «الجار المريب» سوى مرة واحدة مع والدة هنري، بينما في باقي المشاهد تتسلل الكاميرا من النوافذ التي تظهر الطفلة الممتلئة الجسد أنها تعاني في صمت المريبين. صمت يخيم عليه خوف الإفصاح، خوف من الجهر بما يمارس عليها من بشاعات واستغلال جنسي من قبل زوج الأم الغائبة.
الموت والبراءة
يعالج المخرج كولين تريفوراو قضية بالغة الأهمية، وهي الاعتداء الجنسي على الصغار من قبل المقربين، وهو موضوع تطرقت له السينما الأمريكية في شتى تلاوينها، مرة بالإفصاح المباشر ومرة بطريقة غير مباشرة، لأن جهات وجمعيات أمريكية تمنع أطفالا ممثلين من عيش هذه التجربة، حتى لو في السينما نظرا لما تتركه من ندوب نفسية في حياة الطفل/الطفلة. يسعى المخرج إلى وضع حكاية الاستغلال في خلفية الأحداث وفي مرحلة متأخرة وهي ما تنكشف في المشاهد الأخيرة، رغم أنها هي القلب النابض لهذا الفيلم، وهي ما حاول الصغير هنري تدوينه واستقصاه في بحثه عن علامات الصمت المتكررة على محيا الجارة الصغيرة. دلالة الموت ليس فقط موت الطفل هنري بأورام سرطانية في المخ، ولكنه موت أخلاقي يسمح بطرح سؤال عريض، كيف تسمح لزوج الأم أن يمارس رغباته» الحيوانية « والدفينة على جسد الطفلة الصغيرة؟ أي إحساس يخالج زوج الأم وهو يمارس «عذاباته» الشيطانية على الطفلة الصغيرة؟ يطرح الفيلم سؤالا بليغا عن موت العفة في الإنسان، وعن الموت الأخلاقي وعن موت الإنسان داخل هذا الوحش الآدمي وهو يمارس لعبته الصغيرة مختبئا وراء حزن الصغيرة وقهرها وترهيبها بنظراته المخيفة والقاتلة والحائرة.
أفق الحكي
ينتقل فيلم «كتاب هنري» من أجواء الطفولة والحبور، التي تعم عائلة الطفل هنري إلى أجواء الفزع .. صرخة تفزع الأخ الصغير والأم وتوقظهما جزعا، فما الذي حدث؟ حالة من الهستريا تجتاح الطفل هنري ويتم نقله بسرعة إلى المستشفى، ليقدم الطبيب الفحوصات الطبية على أن الطفل يعاني من أورام سرطانية، حالة من الترقب تخيم على الأم والطفل الصغير، ويوصي هنري أخاه الأصغر أن يعتني بوالدته وكأنه يودعه الوداع الأخير، وينهار الأخ الصغير باكيا بكاء حارا، لكن المشهد الأكثر تأثيرا وإيلاما والأكثر تراجيدية، حينما تحتضن الأم هنري ويموت في أحضانها. مشهد نفسي معقد متقن سينمائياً. يتجاوز المخرج أفق السرد التقليدي وصناعة حبكة بسيطة بتعقيد الحكي ومتواليات السرد الفيلمي. يصبح هنري بعد الموت هو ربان سفينة المنجز الفيلمي، وذلك من خلال حضوره في توجيه الأم من خلال آلة للتسجيل تضعها الأم في أذنها وتنصت لما يقول وتطبقه، وبذلك يظل حضور الطفل هنري مكثفا في الفيلم. وتتبع الأم لما دونه هنري في دفتره الأحمر، أو من خلال تسجيلاته الصوتية واستغلالها من طرف المخرج وتوظيفها في عملية البناء السردي، التي جعلت الفيلم ينأى عن البعد التقليدي في سرد حكاية الاستغلال الجنسي.
حاول المخرج أن ينوع في طريقة السرد، وأن يبدأ الفيلم بوتيرة عادية لينتقل إلى أجواء أكثر تعقيدا وصولا لقضية اغتصاب الطفلة وانتحار زوج الأم، حيث سنسمع صوت الرصاص داخل المنزل المحاصر من طرف رجال الشرطة وانتحار الجار المريب.
الانتحار والتحرر
يأتي مشهد الطفلة الحزينة في مشهد رقص تعبيري حر في حفل خيري في المدرسة فتظهر أنوثتها ومفاتنها وامتلاء جسدها على أنها ليست الطفلة التي تختفي في ملابسها الصغيرة، بل الطفلة ذات الإيحاءات الموقظة لشهوة الجسد. المشهد الثاني زوج الأم في المنزل يضع مسدسه بالقرب منه ويتوجس الآخر، ويشعر بأن ما اقترفه خطأ جسيم وقهر نفسي، وفي المشهد الثالث الأم تحمل بندقيتها وهي تصوب على الجار المريب وتتردد في قتله فاسحة المجال لتطبيق القانون ومحاصرة رجال الشرطة لمنزله. في هذه المشهد الجامع لهذه المشاهد يضعنا المخرج في سؤال عميق، لماذا تتردد الأم في عدم قتل الجار المغتصب؟ ولماذا ولمن ترقص الطفلة؟ هل رقصتها متنفس تعبيري عن تحررها من نير الاغتصاب الجنسي والقهر النفسي اللذين عانتهما مع هذا الرجل؟
متعة حكي القصص
يحتفي الفيلم في مشهدين بحكي القصص وأهمية القراءة قبل النوم.. حيث تجتمع الأم في بداية الفيلم مع طفليها وهي تقرأ قصصا لهما بأحاسيس الحب المتدفقة وانشراح الذوات على فعل القراءة كفعل للحياة. وفي المشهد الأخير من الفيلم حيث تحكم المحكمة بتبني الأم للطفلة وتأخذ سرير هنري وتعيد الأم لفعل قراءة القصص للطفلة المتبناة وطفلها كعادة يومية وتسعد فرحة بهذه العملية تعويضا عن فقدانها لهنري. وفي المشهد الأخير تعمد الأم إلى حرق الكتاب الأحمر لهنري، لتقرأ ما تيسر من قصص الحب على طفليها وتوزيع بقايا من حنان أمومتها.
في السنوات الأخيرة عالجت السينما قضايا الطفولة حتى أضحت «موضة» سينمائية على سبيل المثال لا الحصر.. فيلم «الغرفة» ثم فيلم «موهبة استثنائية» وفيلم «كتاب هنري»، وهي أفلام على جودتها استغلت موضوع الطفولة للتطرق لقضايا الاغتصاب والعنف الموجه نحو الأطفال والاستغلال الجنسي بقوالب فنية ودرامية وطرق سرد فيها الكثير من الإبداع والتخييل.