القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: رحل عن عالمنا الدكتور محمود علي مكي أستاذ الأدب الإسباني عن عمر يناهز الرابعة والثمانين في العاصمة الإسبانية مدريد بعد رحلة صراع مع مرض ‘ قرحة القدمين السكري’. وكان الناقد الراحل قد غادر القاهرة في رحلة علاجية إلى مدريد منذ سنوات، إثرَ سقوطه مغشيا عليه في محاضرة له بمكتبة الإسكندرية، وكانت علاقة مكي بأسبانيا قد بدأت منذ بعثه إليها الدكتور طه حسين بعد حصوله على درجة الليسانس سنة 1949 في كلية الآداب.
ولِد محمود علي مكي في 11/9/ 1929 بمدينة قنا حيث أتم فيها دراستيه الابتدائية والثانوية.
بعد حصوله على الدكتوراة سنة 1955 عاد الدكتور محمود علي مكي إلى مصر لفترة قصيرة ليتم اختياره ملحقا ثقافيا في إسبانيا وليقوم في الوقت نفسه بالتدريس في جامعة مدريد لمدة عشر سنوات كاملة، ثم يعود إلى مصر ليتولى إدارة العلاقات الثقافية بوزارة التربية والتعليم، ثم مديرا لإدارة النشر والترجمة بوزارة الثقافة لمدة عامين ليغادر بعدها إلى المكسيك أستاذا زائرا للدراسات العليا، ليتوجه بعد عامين اثنين إلى جامعة الكويت سنة 1971 أستاذا للأدب العربي والأندلسي لمدة ثماني سنوات كاملة، ليعود بعدها لجامعته الأم جامعة القاهرة أستاذا للأدب العربي حتى تقاعده سنة 1989 لينتخب عضوا في مجمع اللغة العربية وعضوا في مجمع اللغة الإسبانية في مدريد وعضوا في كثير من المجامع الأوروبية والعربية.
جمع الدكتور محمود علي مكي بين الدراسات العربية والدراسات الاسبانية وله أبحاث كثيرة وكتب ترجمَ فيها كثيراً من الآثار الاسبانية سواء في اسبانيا أو في أمريكا اللاتينية التي تتحدث اللغة الاسبانية، كما ترجمها أيضاً إلى العربية مع دراسات واسعة حول هذا الأدب الذي لم يكُن معروفا ومنتشرا، فربما كانت الآداب الإنجليزية والفرنسية والألمانية معروفة في عالمنا العربي لكن الأدب الإسباني وأدب أمريكا اللاتينية لم يكونا كذلك وقت أن بدأ مكي جهوده العلمية في البحث والترجمة … وحينما كان رئيسا لقسم اللغة العربية بكلية الآداب في منتصف ثمانينيات القرن الماضي استطاع بجهوده وإخلاصه إنشاء قسم للغة الإسبانية بجامعة القاهرة ظل هو نفسه رئيسا له حتى إحالته للتقاعد.
ترك الدكتور محمود علي مكي أكثر من مائتي مؤلَّف بين البحوث والترجمات وتحقيق المطبوعات منها على سبيل المثال لا الحصر: أثر العرب والإسلام في الحضارة الأوروبية؛ بحثه عن المؤرخ الأندلسي ابن حبان؛ دراسته وتحقيقه لديوان ابن درَّاج القسطليّ. كتابه مدريد العربية وغير ذلك مما أثرى به المكتبة العربية فضلا عن عشرات المؤلفات والبحوث باللغة الإسبانية.ذ
وقد قام على تربيته أخ يكبره بثماني عشرة سنة وهو الذي تولى تربيته، وكان مدرساً مغرماً بالأدب وكان منزل العائلة يحتوي مكتبة تضم كثيراً من كتب التراث وكثيراً من الكتب الرائجة في ذلك الوقت في الحياة الثقافية المعاصرة، وكثيراً من المجلات. وكانت المجلات الأدبية في مطالع القرن العشرين كثيرة ومتنوعة فأقبل على القراءة والنهل منها .
منذ ذلك الوقت وأصبحت للقراءة سواء في التراث القديم أو في الأدب العربي المعاصر والحديث شيئا أساسيا، وهذا ما جعله في المرحلة الثانوية يتقدم إلى مسابقة اختبار في اللغة العربية وآدابها في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية وكان هذا الامتحان اختيارياً وليس إجباريا يتقدم إليه من يتوسم في نفسه القدرة على ذلك وكان الامتحان عبارة عن مجموعة كتب تدرس ثم يمتحن فيها تحريراً ثم شفوياً وكانت هذه الكتب متنوعة في الأدب وفي التاريخ، منها على سبيل المثال (كافوريات المتنبي) و(فصول عديدة من مقدمة ابن خلدون) وكتاب (في تاريخ النقد الأدبي عند العرب) لطه إبراهيم وكان من أكبر أساتذة دار العلوم، وعدد آخر من كتب التاريخ مثل عصر إسماعيل خديوي. وقام الراحل بدخول الامتحان ونجح فيه وكان الامتحان في مدينة (أسيوط) وكان الوحيد في المدرسة الثانوية الذي استطاع أن يتقدم إلى الامتحان الاختياري، وكان الامتحان الشفوي في القاهرة يؤهل لمن ينجح فيه التعلم في الجامعة مجاناً، فالحقيقة إن هذا الأمر هو السبب الذي دفع مكي لدخول الامتحان وإنما كان شغفه بالدراسات الأدبية وعلى أثره تقدم إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وظل متميزا حتى نال درجة الليسانس في سنة 1949هـ وعلى أثر ذلك أرسل في بعثة أرسلها الدكتور طه حسين، وكانت بعثة جديدة وغريبة في ذلك الوقت إذ أنها كانت إلى إسبانيا.
كانت بعثة مكونة من خمسة طلاب إلى لإعداد رسالة الدكتوراه هناك، وكان الاتجاه إلى إسبانيا شيئاً جديداً بالنسبة للجامعة، لأن البعثات من المتعارف عليه أنها دائماً ما ترسل إلى انجلترا وفرنسا وكانت فكرة الدكتور طه حسين منصبة نحو إنشاء معهد للدراسات الإسلامية في مدريد، وكان هذا أول اتصال بين ثقافتنا العربية واسبانيا في العصر الحديث.
وقد أتمم الدكتور مكي رسالة الدكتوراة وعاد إلى مصر في مدة قصيرة، ثم بعث مرة أخرى إلى إسبانيا لكي يكون ملحقاً ثقافياً، في الوقت نفسه كان يدرس في جامعة مدريد، حيث قضي في هذا نحو عشر سنوات من 1955م تاريخ حصوله على الدكتوراه حتى 1965م، بعد ذلك عاد إلى مصر ليتولى إدارة الترجمة والنشر في وزارة الثقافة، ثم استعارته كلية المكسيك للدراسات العليا أستاذاً زائراً فقضي فيها أكثر من سنتين، وبعد ذلك دعته جامعة الكويت للعمل فيها، فذهب إلى الكويت في سنة 1971م وقضي فيها حتى 1978م أستاذاً للأدب العربي عامة، وللأدب الأندلسي خاصة.
وبعد ذلك عرضت جامعة القاهرة عليه أن يعود إليها فعاد أستاذاً للأدب العربي حتى تقاعد في سنة 1989م، ثم انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية وعضواً في كثير من المجامع الأوروبية والعربية ودرس في كثير من الجامعات العربية كأستاذ زائر واشترك في عدد من المؤتمرات ونشر عدداً من الكتب والمقالات سواء منها المؤلفة أو المترجمة أو الدراسات الأدبية المتنوعة في أدبنا المشرقي والأندلسي والمغربي وأدبنا الحديث أيضاً.
وقد عني مكي بما أسماه الاستشراق الإسباني وكتب فيه الكثير حيث كان يعني به ‘الاهتمام بكل ما يتصل ببلاد الشرق من العالم العربي على امتداده إلى آخر ما يعرف باسم الشرق الأقصى، فهو مصطلح واسع فضفاض، حسب مكي، وإن كنا في عالمنا العربي نعطيه دلالة أضيق تعنى دراسات الأوربيين حول حضارة العالم العربي الإسلامي بصفة خاصة.
ويري مكي أن للاستشراق الإسباني خصوصية تميزه عن استشراق البلاد الأوربية الأخرى . وتتركز هذه الخصوصية في نقاط أهمها حسب تصنيفه : أن ميدانه الرئيسي الأول كان تاريخ الأندلس وحضارتها وذلك لأن إسبانيا ظلت خلال فترة طويلة من تاريخها (من القرن الثامن الميلادي حتى القرن الخامس عشر على الأقل) جزءاً من العالم العربي الإسلامي، وهي ظاهرة انفردت بها هذه البلاد، ولم تشاركها فيها إلا إيطاليا على نحو جزئي، إذ إن أجزاء منها (جزيرة صقلية وجنوبي شبه الجزيرة الإيطالية) كانت أيضا تابعة للعالم العربي خلال ما يقرب من ثلاثة قرون . وترتب على ذلك، حسب مكي، أن الاستشراق الأوربي كان يدرس حضارة العرب والمسلمين من منطلق الفضول وحب الاستطلاع لحضارة غريبة عنه، أما الاستشراق الإسباني، كما يقول مكي، فكان يرى في دراسته للأندلس اهتماما بحقبة من تاريخ بلاده القومي، والتراث الأندلسي إنما هو تراث مشترك بين العالم العربي والحضارة الإسبانية نفسها . ومن ناحية أخرى فإن الاستشراق الأوربي كان في أكثر أحواله ممهداً أو تابعاً للامتداد الاستعماري للبلاد الأوربية (ولا سيـما إنجلترا وفرنسـا ثم هولندا وبلجيكا والبرتغال)، في آسيا وإفريقيا بما فيها العالم العربي والإسلامي. أما إسبانيا فيقول محمود علي مكي أنها لم تكن لها مستعمرات تذكر في عالمنا فيما عدا الشريط الضيق المواجه لسواحلها في شمالي المغرب . فالمطامع الاستعمارية لم يكن لها دور في توجيه دراسات المستشرقين الإسبان إلا على نحو عابر طفيف . ومن الطريف، يقول مكي ،أن نذكر حينما نتتبع تاريخ الاستشراق الإسباني أن هذا الاستشراق كان هو السابق في الظهور على كل ألوان الاستشراق الأوربي، وذلك لأنه منذ فتح العرب شبه جزيرة إيبريا (إسبانيا والبرتغال) حدث امتزاج كبير بين الفاتحين وأهل البلاد، فتولد عن ذلك مجتمع مولد من كل العناصر التي كونته: عربية وبربرية وقوطية ولاتينية، وهو مجتمع اتخذ في غالبته من الإسلام دينا ومن العربية لغة. على أن هناك أقلية ظلت في داخل هذا المجتمع محتفظة بديانتها المسيحية، وهي أقلية أطلق عليها مصطلح المستعربين، وذلك لأنهم تشبهوا بالعرب في كل أوضاعهم وعاداتهم وكانوا يستخدمون العربية في تعاملاتهم . ويضيف مكي أن هؤلاء المستعربين هم نواة الاستشراق الإسباني قبل أن يعرف مصطلح الاستشراق بقرون طويلة . وقد أدى التفاعل بين الثقافتين العربية واللاتينية إلى أن تظهر في مدينة طليطلة التي استولى عليها المسيحيون في سنة 478 (1085 م.) مدرسة تعرف بتراجمة طليطلة عملت على ترجمة العلوم العربية المختلفة من فلسفة وفلك ورياضيات وعلوم طبيعية إلى اللاتينية، ويؤكد مكي أنه تمت أول ترجمة للقرآن الكريم في هذه المدرسة وهي ترجمة ماركوس الطليطلي وتلتها الترجمة التي أوصى بعملها بيتر الجليل سنة 1143 م . فهذه الترجمات، حسب مكي، يمكن أن تعد النواة الأولى للاستشراق الأوربي في القرن الثاني عشر الميلادي. ويردف أنه خلال القرن الثالث عشر اتسعت حركة الترجمة وشملت كل العلوم العربية وذلك في ظل رعاية الملك الإسباني ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم، وهي حركة تختلف عن سابقتها في أنها لم تكن من العربية إلى اللاتينية، بل إلى اللاتيتية الدارجة التي أصبحت اللغة الإسبانية.
على أنه بعد هذا التفاعل الخصب الذي أصبح قاعدة للنهضة الفكرية والعلمية في إسبانيا، بل في القارة الأوربية كلها أتت فترة من القطيعة بين إسبانيا والثقافة العربية الإسلامية منذ أن أسقطت آخر دولة إسلامية في الأندلس (سنة 1492 ) ويعلل مكي ذلك بأنه ساد إسبانيا المسيحية جو من التعصب الديني حاولت فيه الكنيسة ومحاكم التفتيش محو كل أثر لحضارة العرب والإسلام التي كان لها الفضل في نهضة هذه البلاد، وانتهى الأمر بطرد مئات الآلاف من الموريسكيين أي المتمسكين بإسلامهم من الشعب الأندلسي وإرغام من بقى منهم في البلاد على التنصر . واستمرت هذه الحقبة المظلمة من تاريخ إسبانيا، حسب مكي، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وخلالها تجاهلت السلطات الحاكمة الماضي الأندلسي وعملت على طمس معالمه.
على أنه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبحكم محاولة إسبانيا اللحاق بالركب الأوربي في تيار ما يعرف باسم ‘التنوير’ عاد الاهتمام بالدراسات العربية الإسلامية وبالماضي الأندلسي لإسبانيا، وهنا يسرد مكي أن الملك كارلوس الثالث عمل على استقدام بعض الرهبان السوريين واللبنانيين من الموارنة لكي يدرسوا العربية ويهتموا بالمخطوطات العربية الموجودة في مكتبة الإسكوريال. وكان أن اضطلع بمهمة فهرسة هذه الكتب الأب اللبناني ميخائيل الغزيري وأصدر هذه الفهرسة في مجلدين كبيرين (بين سنتي 1760و1770 ) وكان هذا العمل العلمي هو الشرارة التي انطلقت منها الدراسات العربية في إسبانيا من جديد. ويذكر مكي أن أول من استفادوا من هذه المخطوطات أحد الآباء اليسوعيين وهو خوان أندريس . وحدث أن أصدرت السلطات الإسبانية قراراً بطرد اليسوعيين من إسبانيا، فلجأ خوان أندريس إلى إيطاليا، وهناك ألف كتابا جامعاً في ثمانية مجلدات حول نشأة الآداب الأوربية وتطورها (سنة 1799 )، وفيه يشيد لأول مرة بالحضارة العربية الأندلسية، بل ويصرح بأن كل ظاهرة أدبية أو فكرية في أوربا تدين بنشأتها إلى العرب، وكان من جانب هذا الأب اليسوعي ضربًا من الإلهام إذ لم تسعفه على ذلك الدلائل المادية المستمدة من النصوص. ولذلك رفض الباحثون الأوربيون نتائج أبحاثه وقالوا إنها من نسج خياله.
ويضيف الدكتور محمود علي مكي أنه تلا ذلك أول كتاب عن تاريخ للأندلس قام به خوسيه أنتونيو كوندي الذي أصدر كتابه في سنة 1820 وكان بدوره متعاطفا مع الحضارة الأندلسية، ولكن كوندي وقع في أخطاء كثيرة مرجعها إلى أن مصادره كانت كلها مخطوطة. وقد هاجمه المستشرق الهولندي رايتهارت دوزي مهاجمة عنيفة أدت إلى أن كتابه المذكور لم يلق قبولا من جانب العلماء الأوربين والإسبان.
يتوقف مكي أيضا عند شخصية يقول إنها تملأ القرن التاسع عشر ويعنى به باسكوال دي جايانجوس (1809 1897) ويقول عنه لإنه ‘رائد الاستشراق الإسباني الحديث، وكان ينتمي إلى طائفة المستنيرين المتحرري الرأي، وهذا ما اضطره إلى مغادرة بلاده التي كان يسيطر عليها المحافظون المتعصبون، فقضى في فرنسا وإنجلترا سنوات عديدة تعلم خلالها العربية ودرس العديد من المخطوطات المتصلة بالتاريخ الأندلسي، وكان من أجل أعماله ترجمته الإنجليزية لكتاب ‘نفح الطيب’ وهو موسوعة أندلسية شاملة، ثم الاهتمام بنشر بعض الموريسكين الذين كانوا يكتبون بالإسبانية ولكن بحروف عربية، وغير ذلك من المخطوطات المهمة. على أن أهم أعماله، حسب مكي، كان رعاية المشتغلين بالدراسات العربية على اختلاف مجالات نشاطهم. فالتف حوله عدد كبير من تلاميذه كان لهم الفضل في إرساء الدراسات الأندلسية على أساس راسخ متين.
فكان هؤلاء التلاميذ، يذكر مكي: إدواردو سافيدرا الذي درس الفتح العربي لإسبانيا وفرانسسكو سيمونيت اللغوي الذي درس لغة عرب الأندلس ولغة المسلمين ولغة المستعربين وتاريخهم (ولو أن هذا الباحث كان شديد التعصب ضد العرب والإسلام) ولا فونتي ألكتترا الذي حقق كثيراً من النقوش العربية على الآثار الإسبانية ونشر بعض النصوص العربية المهمة .
على أن أبرز هؤلاء التلاميذ، حسب مكي، هو فرانسسكو كوديرا السرقسطي (1836 ـ 1917م ) الذي كان من أجل أعماله نشر ما يسمى بالمكتبة الأندلسية في عشـرة مجلدات : تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي، والصلة لابن شكوال والتكملة لابن الأبار، ومعجم شيوخ الصدقي للمؤلف نفسه وفهرسة ابن خير . وكان هذا العالم يقوم بصف حروف هذه الكتب العربية بنفسه يعاونه في ذلك تلميذه خوليان ريبيرا (إذ لم يكن في إسبانيا آنذاك عمال مطابع يعرفون جمع الحروف العربية)، كما نشر مجموعات مهمة من الدراسات الأندلسية المختلفة أظهر فيها فضل عرب الأندلس على إسبانيا، وكان ينادي بأنه يجب الاهتمام بتدريس العربية التي رأى أنها ألزم للمؤرخ الإسباني من اللاتينية . ومما يستحق الذكر، حسب الدكتور مكي، أن الشاعر الكبير أحمد شوقي كان قد اختار منفاه إلى أسبانيا، وبها قضى خمس سنوات (1914 ـ 1919) في مدينة برشلونة القريبة من سرقسطة حيث كان كوديرا ينشر كتبه ودراساته . ومن أسف أنه لم يتم لقاء بين هذين العلمين الكبيرين.
ويذكر الدكتور محمود علي مكي أنه تخرج على كوديرا عالمان كبيران هما: خوليان ريبيرا (1858_1934) وأسين بلاثيوس (1871_1944) الأول كان من أشد الناس حماسة لبيان فضل عرب الأندلس على ثقافة إسبانيا وأوربا. فمن ذلك دراستان أثار بهما ضجة في أوساط الأوربيين، جميعا الأولى بحثه حول الشعر الغنائي ونشأته (سنة 1912) وفيه يقول إن كل شعر غنائي في إسبانيا وفي القارة الأوربية (شعر التروبادور) يدين بمولده للنماذج العربية ولا سيما الموشحة الأندلسية، والثانية دراسته للملاحم (1915) وفيها يصر أيضا على أن عرب الأندلس هم أول من أنشأوا شعراً ملحمي الطابع احتذته بعد ذلك الملاحم الإسبانية والفرنسية. ولهذا العالم دراسات أخرى حول مختلف ألوان الثقافة الأندلسية كان لها أثر عظيم في إثارة الاهتمام بماضي الأندلس الحضاري. وأما تلميذ ريبيرا الآخر أسين بلاثيوس فقد كان، حسبما يذكر الدكتور محمود علي مكي، من آباء الكنيسة وكان اهتمامه موجها للحياة الرومية للمسلمين، فأصدر دراسات عديدة حول الغزالي والمتصوفة الأندلسية (ابن مسرة القرطبي وابن العريف وابن عباد الرندي). ويذكر مكي أنه في سنة 1919 أصدر دراسته حول الكوميديا الإلهية لدانتي، وفيها دلَّل على أن دانتي استوحى عمله من قصة معراج الرسول (r)إلى السماء. وأنكر العلماء الإيطاليون نظريته، ولكن الأبحاث التالية والنصوص التي نشرت بعد وفاته أثبتت صحة آرائه حتى لم يعد أحد اليوم ينكرها. وكان من أهم أعمال أسين بلاثيوس دراسته لابن حزم وترجمته الكاملة لكتابه ‘ الفِصَل ‘ ثم كتابه عن ابن عربي وتصوفه.
وهكذا كان يقول الراحل الدكتور محمود علي مكي أن الاستشراق الإسباني يجتاز اليوم أخصب مراحل حياته، لاسيما بعد أن اعترفت الأوساط الإسبانية كلها بما للعرب من فضل على إسبانيا، وبعد أن أصبحت الحقبة العربية الإسلامية أكثر صفحات التاريخ الإسباني إشراقا،وأكثرها منجزات في كل وجوه النشاط الحضاري.
هذه هي الفكرة الجوهرية التي استولت علي معظم أعمال العالم الراحل محمود علي مكي وكانت بكل المعاني مؤسسة في مجالها لذلك ستكتب لها الريادة لسنوات طويلة.