اللغة في حقـيقـتها تواصل وتأسيس لعالم فني وخطاب متعدد يمر عبر العلامات ورموزها. و يكون هنا دور القارئ مثلما وظيـفة الكاتب سبر أغوار اللغة/الكتابة وحفر دلالاتها اللاواعية التي يتكشّف عنها الخطاب الضمني وتأويل معانيه.
اِستحضرت هذا المعطى عند قراءتي لرواية منصف الوهايبي (2) عشيقة آدم (*) وهي الرواية الأولى التي تصدر لهذا الشاعر التونسي الذي تملّكـته القوافي والصور الشعرية لأكثر من ثلاثين عاما وجاب المغرب والمشرق العربي مستلّاً سيف الشعر ونافثا عطور القصائد.
* رواية افتراضية بلغة شعرية
إن القارئ لهذا المتن الروائي تواجهه اللغة الشعرية المناسبة التي تتخلل كلام الراوي-السّارد للأحداث. فهل أن الراوي هو المؤلف ذاته. أم شخصية ابتدعها الكاتب ليخـتـفي وراءها ويوجه من خلالها المسار السردي للرواية؟
لعل امتزاج لغة السرد بإيحاءات الشعر وصوره هنا يكشف عن توق الكاتب إلى إبداع نصٍّ جديد مغاير للنصوص الروائية السائدة حتى وإن كان شكل هذا النص الجديد ‘افتراضيا’ عبر الانترنات (الفيسبوك) اِنطلاقا من المحاورات ‘الافتراضية’ التي جرت بين ‘سي الحبيب’ والفتاة- المرأة ‘الهام’ التي تعرف إليها عبر التواصل الالكتروني: ‘…هذه تونسية استـثـنائية على ما يبدو ويمكن ألعب لعبتها أو أستدرجها بدل أن تسـتدرجني…. بل يمكن أن أنشئ شكلا سرديا لم يحلم به أي من كتاب القصة أو الرواية : سرد فايسبوكي خالص .غير أن بعض محادثاتنا الأولى وكذلك الأخيرة …. ضاعت للأسف ولا ادري، قيل لي إن ذلك قد يكون مرده إلى فيروس ما التهم بعض محتويات حاسوبي’. (3(.
ليس من الغريب أن المطّلع على هذا النص الروائي الذي نحاول تفكيك بعض مكوناته وعناصره البنيوية قد تتنازعه أسئلة حارقة وتطوّح به بعض تجلّـيات الخطاب في أتون التخوم القصيّة من تشكلات السرد والتواءاته المغرية. ذلك أن كاتب ‘عشيقة آدم’ شاعر بالأساس وانتقاله من عالم الشعر إلى عالم الكتابة الروائية لابد أن يثير إشكالات أدبية وأسلوبية حول مفهوم الأجناس الأدبية ووظيفتها وحدودها الفنية .و من هنا يمكننا القول أن الشعر حاضر في هذا العمل الروائي عبر التشكيل اللغوي أو عبر الإيحاء أحيانا ببعض المرجعيات الشعرية: ‘اِسمع أريدك أن تقرأ ما كتبت…اُدخل على بروفايلي…محمود درويش. هويّة الرّوح..اِقرأ تعليقي وقل لي ما رأيك .أنا لست بشاعرة….أنت سيّد الحروف…ليـتني كنت مثلك ..-أنت شاعرة، لكن ربما لا تدرين، مثلي أنا تماما، هذا ما يقوله لي منصف الوهايبي ليتني كما تراني أنا لا أراك يا اِلهام، ولا أستطيع أن أحلم بك’. (4)
– التجريب وفتوح السوريالية :
إذا نظرنا في أبنية النظام السردي للعمل الروائي الذي نحاوره في هذا السياق فإننا نستـنـتج دون عناء أن نص ‘عشـيقة آدم ‘ ينتمي من حيث الشكل إلى الاختيار السردي القائم على أسلوب التجريب .فالسرد هنا يرتكز إلى حوار ثنائي على موقع الفايسبوك ولا يستطيع القارئ أن يـتـبـين بجلاء تام هويّة الراوي وملامح الأبطال والشخصيات لأن ‘ سي الحبيب’ يبدو لنا اِسما مستعارا في العالم الافتراضي. ثم أن ‘اِلهام’ التي أمضت ليال طويلة تحاوره وتثير قـلقه ورغـبـته تبدو هي أيضا بلا هويّة واضحة بل إنها تُمعـن في التخفّي أحيانا وتسوق أمكنة وأشياء وهميّة ومختلفة للبقاء في العتمة أمام مُحاورها : أنا متأكد أنك شاعرة، أنت تخـفـين ما تكتـبيـن….- تذكرت حلمت ….كأني معك في غرفة واحدة، لم أستطعْ أن أتـبـين وجهك-….. ومن البدروم اِنسللت إلى الحديقة الله في الجنان- أنا تعجـبت من هذا الحلم ـ لماذا ؟ – أرويه لك يا اِلهام دون تفصيل…الحلم شيء…و رواية الحلم شيء- الحلم الظاهر والحلم الباطن تعجبت لأنني لم أتـبـين حتى وجهك في الحلم طبعا الدلالة تخـتـلف، هناك الرمز وهناك تأويله فقط أذكر صدرك وشـفـتيك ربما شعرك أيضا…ودّعتُ إلهام لأعود حالاً إلى نصّيِ المنشور بالفايسبوك عن القيروان، خشـية أن أكون وقّعـته باسمي الحقـيـقي، وحمدت الله أني أثـبتّه في بروفايلي باسم ‘سي الحبيب’ (5)
– السّرد وتداعيات الذاكرة
إن هذا النص الروائي الذي يـتـنـزل في إطار نمـط التجريب السردي وهو اتجاه أسـلوبي منـفـتـح على الأجـناس الأدبـية الأُخـرى، وفي الوقت نـفسه حافـل بالأبعاد الرّمزية التي لا تنزاح بـسـهولة عن لعـبة التخـفي وتعـمّد العـتـمة والاحتماء بالأقـنعة . ذلك أن الراوي هنا يتعـمّد أحيانا اِستحضار أسماء أدبية وفنية وغـنائية، وكذلك أمكنة متعـددة (بيروت، تونس، المغرب، لشـبونة، البرتغال، فاس، القيروان …) بقصد التأليف بين المـتـباعـدات والجمع بين المـتـناقـضات والإيغال بالمسار السردي في تخوم الإبهام والغموض: ‘من هذا الرحم تـنـبثـق قـوة هذه الرواية، تلك التي تضاف إلى سمات اللغة والمعاني الكـثيرة التي تبدو هـيـّنة مقارنة بهذه السّـمة الأساسـية النابـعة من الشكل …إننا أمام عمل روائي ممعـن في ترويـض الشكل، أو قـل إِنه يطوّع الشكل والمعنى لخدمة المخـيال… وعبر لغة تخـتلـف عما نـتـداول من لغات أقـبل منصف الوهايبي على كشف المسـتور دون أن يصرح بذلك وهل النصوص الكبرى إلاّ تلك التي تغـمغـم دون تصريح…؟ ‘ (6)
إنه بالإضافة إلى فصول المتن الأساس لهذا النص السردي (إلهام وسي الحبيب في الفايسبوك : حديث الأصابع / الفايسبوك هذا الغول / يوسف يجلس من راعيل مجلس الحائز من زوجته / ستكون لآدم عـشـيـقـته / لحـبـيـبتي عطر اِسمه اِتبعني / مع خناس / زمّج الماء كان يـبـتسم لي من جهة الشارع / نلتقي قبل 2049 لنقل 2025 مثلا / رشف الزلال من السحر الحلال / ونصيـبـنا من الكسل ) فقد ضمّن الكاتب / السّارد صلب هذه الرواية نصّا عنوانه ‘صندوق الأقنعة’ يسرد فيه التـداعيات الجانـبية التّي طفحت بها ذاكرته الضّاجة بالأحداث والتأملات (زيارته للشبونه عام 2002 والتقاءه بالشاعر ‘فرناندو بسّوا’ وحديث عن ثورة القرنـفل في البرتغال – ذكريات الدراسة الجامعيّة العليا في كلية 9 أفريل بتونس العاصمة أواخر الستيـنات ودروب الحياة التي تـفـرقت بأبناء ذلك الجيل…. وإلى جانب نص آخر وسمه بال’حاشية’ وهو نص يـتـدارك فيه بعض الأفكار والتواصل الثـقافي عبر اللغات في البحر المتوسط : ‘كان المتوسط الذي لا نزال نـقيـم على ضفـتـيه أشبه بمنزل أو بيت تـتردد فيه أصداء شتى من لغات نـشأت على ضفافـه أو هي وفـدت عليه مع من وفـد من الغـزاة والفاتحيـن. أصداء طواها النسـيان وأشـياء عفّ عـليها الزمان، فهي تلوح كباقي الوشم أو هي أشـبه بـشـواهد القـبور في جـبانة اللغة’ (7(
– التجريب ..تلاشي الأمكنة والأزمنة :
و لعلّ من نوافـل القـول الإشارة في هذا المجال إلى تلاشي مقومات الـبنية الروائية المعروفة ومنها الإطار الزماني والإطار المكاني . فلا نكاد نظفر في نص ‘عـشيـقة آدم’ بزمن واحد أو مكان محدّد لأن الأزمنة متداخلة ومضطربة، كما أن الأمكنة متعددة ومختلفة. من هنا تتأكد تجليات النزعة التجريبية وتتكثف الأبعاد الرمزية لمضامين السّرد وإيحاءاته وربما تكاد تتلاشى حقيقة الواقع: ‘نحن نتماثل سوى أنني واقعي وأنت كائن إفتراضي أنت في منطقة ملتبسة بين الواقع والإفتراض تعالي إلى منطقتي الملتبسة ها نحن على مشارفها…’ (8)
فالمنصف الوهايبي الروائي / الشاعر قد ااقتحم بنصه السردي البكر هذا تخوم الروائية وولج فجاج التجريب المتلبّسة بالعتمة / الغموض . لهذا فإن القارئ كثيرا ما يـتـيه في تلمّس المسار السردي ويستـبـدّ به الضياع أمام تداخل الشخصيات وتعـقد علاقاتها المبهمة ،علاوة على تداخل هذا النص الروائي وتقاطعه مع نصوص سردية أُخرى يستحضرها الراوي / السارد: ‘أما التلصص.. فأيٍّ من الكتّاب والشعراء والفنانين لم يتلصص ولم يفعل فعلته في ستر أو لم يتخلق بأخلاق اللص كما تقول العرب، بداء كأبي نواس وهو يرقب من كوّة في شبكة اللغة المغتسلة وقد نضت عنها القميص لصبّ الماء …قصيدة برع سي توفيق بكار في شرحها، وصولا إلى جيمس جويس في روايته ‘فينجان يستيقظ’ حيث نتلصص مع الكاتب في فصل منها على أنّا ليفيا بلورابيل وهي تتهيأ لملاقاة عشيقها فتتعرّى وتغتسل بالماء البارد والطمي المعطّر وتتزين بأوراق النبات وحشائش المروج…فرواية الياباني ميشيما ‘البحار الذي لفظه البحر’ حيث يتلصص الطفل نيبورو كيرود ابن الثالثة عشر على أمه التي يعيش وحيدا معها ويكتشف علاقتها بضابط في البحرية التجارية…أنا أحب هذه الكتابات المتلصصة، صلاح الدين بوجاه في ‘لون الروح’ وحسونة المصباحي في ‘جنون بنت عمّي هنية’ والكاتب المصري صنع الله إبراهيم في روايته ‘التلصص’ حيث نرى بعيني طفل مصر الأربعينات في زواياها وتفاصيلها وشواردها…أخبار القصور والأحزاب، فساد السلطة، العرب وإسرائيل، الأخت، الأم التي نحار أهي ميتة أ مطلقة ثم نكتشف أنها ميتة في مستشفى المجانين …ويكاد لا يساورني شك في أن صنع الله تلصص في روايته هذه على رواية الياباني مشيما واستبدل الأم بالأب عسى أن يمحو أثرا فيما المحو أدلّ على الأخذ وأنمّ…..'(9)
وعموما بالإمكان القول أن رواية ‘عشيقة آدم’ للمنصف الوهايبي تعدّ من أكثر الروايات التونسية الجديدة توهجا سرديا وإيغالا في تخوم التجريب واستثمار المخيال الشعري / الرمزي بحثا عن نص سردي منشود يستحضر ذاكرة الماضي ويشرّح آلام الحاضر ويرنو إلى المستقبل الإنساني الأفضل في ظل التحولات الثقافية والحضارية المذهلة التي تواجهها الإنسانية في عالمنا المعاصر
ammar ouni G yahoo.fr (1) كاتب وباحث تونسي:
(2) شاعر تونسي وأستاذ محاضر يدرّس الأدب القديم والحديث بالجامعة التونسية. أصدر 7 مجاميع شعرية تراوح بين العمود الشعري وقصيدة النثر.
(*)دار الجنوب للنشر/سلسلة عيون المعاصرة. تونس 2012
(3) رواية عشيقة آدم. ص = ص 19 20
(4) م.ن ص 250
(5)- م، ن. ص، ص : 172 – 173
(6)- صلاح الدين بوجاه : تقديم رواية ‘عشيقة آدم’ ص، ص : 10 11
(7)- عشيقة آدم : ص 342 .
(8)- م، ن : ص 333 .
(9)- م، ن : ص ص ،95 102