قطعةُ القُمَاش ، التي تسمى عَلَمَ الوطن ، كم من فتنة أشعلتها ، وكم من فتيل أزمة أطفأته ! كيف أضحت قطعةَ قُماشٍ رمزاً ، ورسالةً ، وشرفاً ووطنناً ! مَنْ أعطى لقطعة القُمَاشِ ، الملونةِ ، الصغيرةِ هذه كل هذه القيم الكبيرة ، الشاسعة . المجتمع ، هو من أعطاها هذه القيمة الرمزية ، لتتحول من مجرد قطعة قُمَاشٍ ملونةٍ ، صغيرةٍ إلى رمزٍ يُذكِّرُ بقيمِ وطنٍ ما ، وتأريخه . وبوسع قطعةَ القُمَاشِ هذه ، التي أضحت رمزاً أن تُرسِلَ أشاراتٍ ، ورسائلَ تماماً كما يرسل نجمٌ ساطعٌ معلقٌ في السماء دلائلَ ، وعلاماتٍ ، وبشائرَ ، وأشاراتٍ تدِلّنا على أحداث ستقع ، أو ستنشأ هنا ، أو هناك ، فنتسمر أمام هذا النجم كبدوٍ رُحَّلٍ ، نتمعَّنُ في الرسائل التي يرسلها ، ويبثها لنقبض من خلالها على أطراف خيوطٍ من شعاعٍ توصلنا لأخبارٍ مخفيةٍ عن أنظارنا البشرية .
المجتمع الإنساني ، بما يحمله من ثقافةٍ هي موسوعةُ حياتهِ من الألف إلى الياء ، هو الذي صنع من مجرد قطعةٍ من القُمَاش وسيلةً لأظهار التشريف ، والتكريم ، والفخر ، ولأرسال رسالةَ محبةٍ ، أو ترحيبٍ ، أو صداقةٍ ، أو إحترامٍ ، أو حزنٍ ، أوتعزيةٍ ، أو مُوَاسَاة . ولكي تتحول هذه القطعة الصغيرة من القُمَاش إلى جبلٍ أشمٍ ، شاهقٍ من المعاني المعطاة في حياة المجتمع ، كان لابد من خلق منظومةٍ من القواعد ، والأعراف ، والتقاليد التي تحكم شؤون قطعة القُمَاش هذه ، وتنظمها تنظيماً دقيقاً جعلت أستخدام قطعة القُمَاشِ هذه أستخداماً مبرمجاً لدرجة أن أيّ خللٍ ، أو خرقٍ لهذه القواعد والأعراف يتجاوز كونه استعمالا مغلوطا لقطعة قُمَاشٍ إلى أن يصبح فعلاً متعمداً هدفه أرسال رسالةٍ محددةٍ ، ودقيقةٍ ، ومؤلمةٍ ، أو مُسيئةٍ .
هذه المنظومة من القواعد أصبحت تُعرف ببروتوكول الأعلام . بروتوكول الأعلام هو عبارةٌ عن قواعدٍ ، وأرشاداتٍ تَشترِك بمعظمها كل دول العالم اليوم تحدد بموجبها المواضع التي يكون العَلَمُ فيها حاضراً ، وكيفية أستخدامه ، والتعامل معه ، وتنحيته ، أو إزالته من موضعه .
حصل هذا عندما عملت الأعراف المجتمعية على تحويلِ ما قد يبدو مجردَ قطعةِ قُمَاشٍ ، صغيرةٍ ، ملونةٍ إلى وطنٍ ، يُمثِّلُه عَلَمٌ . كثيرٌ من الناس يبلغ من السذاجة منزلاً يجعله لا يفهم الرسائل التي تبُثّها قطعةُ القُمَاشِ هذه، المرفرفةِ في السماء ، أو على الصواري ، أو على المنصات ، أو على المركبات المدنية ، والآليات العسكرية ، أو الأعلام المُنَكَّسة ،أو المُبَرقِعَةِ لجثمانٍ ، أو المحروقةِ ، أو المُداسةِ بالأقدام . ساذجٌ ، وغافلٌ من لايقرأ الرسائل التي ترسلها الأعلام والرايات . من يظن أن الاعلام والرايات تُستخدَمُ ببراءة ، وأن لا وجود لبروتوكولٍ ، أو منظومةٍ تحكمها ، وتوجهها هو أما ساذجٌ ، غافلٌ ، أو هو مستخفٌ ، شاردٌ ، لامبالٍ ، أو منحازٌ ، متحيزٌ ، أو جاهلٌ ، خائنٌ لوطنه ، دون وعي ، أو عن عمدٍ ، وقصدٍ . تتعدد الأسباب ويبقى العَلَمُ هو الوسيلة التي تُبَثُّ الرسائل من خلالها ، وبواسطتها ; رسائلَ مشفرةٍ ، مخفيةٍ ، مُبرقَعةٍ بقطعةِ قُماشٍ ، مُلونٍ تملأ الفضاءَ ، والاجواء بضجيجِ همسٍ ، أو بصراخٍ يَشُقُّ الأفاق المُقفلة ، أو بهمهماتٍ صارخةٍ ، متحدية .
الجثامين التي تُلَفُّ بعَلَمِ الوطن ، تعني أن الوطن يفخر بهذا الجاثم في التَابُوت ، وأنّ هذا الجاثم كان أبناً باراً لهذا الوطن ، لترابه ، وتأريخه ، ووحدته ، والآن جاء دور الوطن ليحتضنه ، ويلثمه ، ويدفئه ، ويؤنسه في وحدته ، وموته . مَنْ يُلفُّ نَعشهُ بعَلَمِ قوميته ، لا يعني هذا إلاّ أنّ وطنه هو قوميته ، ومَنْ يُلفُّ نَعشهُ بعَلَمِ حزبه ، لايعني هذا إلاّ أنّ حزبه هو وطنه ، ومَنْ يُلفُّ نَعشهُ بعَلَمِ دينهِ ، لا يعني هذا إلاّ أنّ دينهُ هو وطنه ، ومَنْ يُلفُّ نَعشهُ بعَلَمِ طائفتهِ ، لايعني هذا إلاّ أنّ طائفته هي وطنه . هذه هي الرسائل المرسلة ، وهذه هي التراجم .
الأعلام لا تحتضن ، ولا تعانق إلاّ جثامين مَنْ أحبوا وطنهم إلى حد أنّهم ضحوا بحبهم لأشياء أخرى من أجل عيني أوطانهم . الذين ضحوا بحبهم لأنفسهم من أجل أوطانهم ، الذين كانت أوطانهم أغلى ، وأعلى من أيّ إنتماء قومي، أو إنتماء ديني، أو إنتماء طائفي ، هؤلاء وحدهم من يستحقون أن تعانق أجسادهم أعلام أوطانهم . وينضوي تحت هذه الخانة كلّ مَنْ قاتل تحت ظلِ عَلَمِ وطنه ، ولم يقبل أن تظلّه أية راية أخرى حزبية ، أو قومية ، أو دينية ، أو طائفية .
مَنْ قاتلَ في سبيل وطنه في ميادين المعارك ، أو ميادين السياسة ، أو ميادين العِلْمِ ، أو ميادين العمل ، أو ميادين الثقافة ، هو مَن يستحق أن لا يكون وحيداً لحظة الموت ، وأن يكون عَلَمَ وطنه رفيقه ، يشهد له أمام الله على أنه لم يخنه ، ولم يخن أمانته ، ولم يخن واجبه ، ولم يخن عشرته . وبالتالي فأن من لايؤمن بوحدة وطن سكن فيه ، وعاش من خيراته ، ومن سعى ، وظل يسعى لتقسيم هذا الوطن ، وتجزئته لا يستحق أن يحتضنه عَلَمُ هذا الوطن عندما يموت ، ويشبعه أحضانا وقُبلاً . العَلَمُ وطنٌ لا يحتضن إلاّ مَنْ كان وطنه هواه ، ومَنْ كان وطنه هويته ، ومَنْ كان وطنه روحه التي تسكنه ويعيش بها .
كاتبة من العراق
شهباء شهاب