من اليسار الإسلامي إلى الحركة الخضراء

لم يقف الصراع من داخل الإسلام، منذ الحقبة التأسيسية إلى الآن، عند حدود الموقف من العصر أو العلاقة بالآخر أو الأكثر جدارة بالخلافة، بل كانت أشرس المعارك هي تلك التي خيضت حول طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي الأكثر ترجمة للنصوص الأصلية والكلمة الإلهية، فقد ظهر في حضرة الرسول الأعظم (ص) من صحابته من مات وفي بيته ما يكسّر من الذهب بالفؤوس، بينما حرص صحابة آخرون على ملاقاة ربّهم وليس في دورهم درهم واحد أو دينار.
و بحسب روّاد في تمحيص التراث الإسلامي، من أهمّهم الراحل محمد عابد الجابري رحمه الله، فإن من أسباب اعتراض غالبية كبار الصحابة على ولاية علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وخلافته الرسول (ص) مباشرة، وتحبيذ ولاية أبي بكر الصدّيق (رض) عليه، أن عليّا كان يشكّل خطرا حقيقيا على أصحاب المصالح المالية والتجارية الكبرى بالنظر إلى أفكاره الاجتماعية والاقتصادية المنحازة للفقراء وآرائه التقدّمية بشكل عام، سواء في تأويل القرآن أو تقدير الواجب استمراره من سنّة نبي الإسلام.
وبالمقدور القول إن ‘اليمين’ في الإسلام قد حسم المعركة مبكّرا، إذ جرى الدّين في غالبية مراحل التاريخ الإسلامي في ركاب أصحاب المصالح، الّذين كانوا وما يزالون- أقدر على تمويل المؤسسات الدينية، سواء من خلال نظام الوقف والحبس، أو من خلال أنظمة أخرى جعلت آليات الفتوى والتفسير والتأويل عادة ما تصبّ في خانة أهل السلطة وذوي البأس والقوّة ممّن لهم القدرة على تقديم المكرمات للفقهاء والعلماء، إذ لم يعدم سلطان وجود فقيه أو عالم يلوي له عنق النصوص ويضفي على حكمه الشرعية.
ولا تبدو جماعة الإخوان المسلمين إلا بمثابة نسخة معاصرة لهذا اليمين الإسلامي المتجدّد عبر القرون، ولهذا فقد تبنّت هذه الجماعة وسائر الفروع المنبثقة عنها في الغالب رؤية ‘رأسمالية’ في الاقتصاد، ولم تخل تنظيماتها من ‘رأسماليين’ طموحين بل جشعين، وهو ما ثبت في تجارب الإخوان سواء في المعارضة أو الحكم، على غرار ما سجّل في مصر وتونس مثلا، حيث أظهرت القوانين والتشريعات والسياسات التي سنّتها أو تبنّتها حكوماتهم أنها أكثر ‘يمينية’ و’غربية’ اقتصاديا واجتماعيا من الأنظمة البائدة.
وبالمقابل، فإن التاريخ الإسلامي قد حفل منذ الفترة التأسيسية أيضا، بحلقات متجدّدة من ‘اليسار الإسلامي’ منذ الصحابة من أمثال علي بن أبي طالب وعمّار بن ياسر وأبو ذرّ الغفاري الّذين قاتلوا ‘اليمين الإسلامي’ على ‘التنزيل’ ثم على ‘التأويل’، مرورا بتجارب ‘الفاطميين’ و’القرامطة’ الذين حاولوا إقامة أنظمة اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة، وانتهاء بالجهود التنظيرية التي قدّمها مفكّرون إسلاميون معاصرون ضمن مشاريع فكرية ومراجعات فقهية تطلّعت إلى إسلام منحاز للثورة والإنسان والعصر والعدالة، من بينها أطروحات المرحوم مصطفى السباعي عن ‘اشتراكية الإسلام’ والدكتور حسن حنفي عن ‘يسارية الإسلام’ والدكتور احميدة النيفر عن ‘تقدّمية الإسلام’.
وتشكّل إيران حالة خاصّة في محيطها فيما يتّصل بعلاقة اليمين باليسار في الإسلام، التي بلغت أوج تعقّدها في تجربة ‘الجمهورية الإسلامية’ المعاصرة، فقد انقسمت النخب الإسلامية الحاكمة منذ نجاح الثورة التي قادها الإمام الخميني أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى ‘يمينية’ و’يسارية’، قبل أن تأخذ طابعا أكثر عصرية تجلّى فيما يعرف اليوم بصراع ‘المحافظين’ و’الإصلاحيين’، وهي مقولات أكثر شمولا وتعبيرا عن تجاوز الخلاف حدود الاقتصادي والاجتماعي إلى المعرفي والسياسي والدولي.
ومن أبرز مفكّري الإسلام اليساري في المجال الشيعي الإيراني الراحل علي شريعتي الّذي اغتالته المخابرات الشاهنشاهية في لندن سنة 1977 قبيل نجاح الثورة بقليل، وقد عرف هذا المفكّر الإسلامي الكبير بدفاعه المستميت عن ‘الإسلام العلوي’ في مقابل ‘الإسلام الصفوي’، وإيمانه القوي بأن ‘الله’ و’الناس’ في حلف واحد في مقابل ‘الشيطان’ و’المستبدّين’، واجتهاده البنّاء في استقراء التاريخ البشري على نحو يبرز هذه المعركة الدائمة بين ‘المستضعفين في الأرض’،أي الفقراء والمهمّشين، والجبّارين.
ومنح الرئيس الإيراني السابق محمّد خاتمي نسخة أكثر ‘تقدّمية’ و’عصرية’ للأطروحة اليسارية الإسلامية، على نحو مزج فيه بين نضال المسلمين من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية والنضال من أجل المساواة بين الجنسين وعلاقات دولية أكثر حوارا وانفتاحا ومناخ ثقافي وسياسي يتّسم بأكبر قدر ممكن من احترام الحرّيات وحقوق الإنسان، وهو تطوير يلمس له شبه في ما طرأ على أطروحات اليسار العالمي بشكل عام بعد انهيار جدار برلين، إذ اقترنت حركة النضال من أجل العدالة الاجتماعية مع حركات الدفاع عن البيئة والأقليات وحقوق الإنسان.
و بالعودة إلى أصل القضية، فإن قراءة الإسلام في سياق التاريخ البشري باعتباره قد مثّل دفعة قوية للتيار التقدّمي على أكثر من صعيد كمكانة المرأة وتحرير العبيد وأنسنة الحروب..إلخ، سيجعل اللقاء بين النظرة اليسارية والرؤية الخضراء مسألة جدّ طبيعية، ممّا سيفسّر التحوّل التدريجي الذي شهدته وستشهده أكثر حركة اليسار الإسلامي من شكلها الكلاسيكي الذي عرفته في القرن العشرين، إلى شكل أكثر حداثة وشمولا وفاعلية وإنسانية وعالمية، يجد تعبيرا مناسبا له فيما سمّي بـ’الحركة الخضراء’.

‘ كاتب اردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية