الدرع الإعلامي لمكافحة «الفساد» في السعودية يرتكب أخطاء قاتلة… مدرب «الأهلي» المصري و«بي إن سبورت»!

 

أخيرا، اكتشفت قناة «العربية» أن في الوطن العربي فسادًا يملأ البر والبحر والسماء، وأن أرض الحرمين الشريفين لا تنجب فقط الأتقياء الأنقياء، ولكنها تلد أيضا المشتبَه في أعمالهم وثرواتهم وشبكات علاقاتهم. ومن ثم، أفردت القناة المذكورة للموضوع برنامجا خاصا، كان أقرب إلى الحصة الدراسية منه إلى البرنامج التلفزيوني، حيث قدمت تعريفا للفساد وأنواعه وأسبابه ومظاهره وانعكاساته وكيفية معالجته.
هذه الحصة الدراسية التي بثت على الهواء قبل بضعة أيام، أشرفت عليها الإعلامية ميسون عزام، وشارك فيها ـ عبر الأقمار الصناعية ـ مختصون من بعض الدول العربية، ولا سيما لبنان والأردن، وهما برهان عكروش (رئيس هيئة مكافحة الفساد في الأردن، بالإنابة) وبول مرقص (المختص اللبناني في القوانين والتشريعات).
بيد أن القناة سعودية الهوى، وهي تقارب ذلك القضية، ارتكبت خطأين مهنيين قاتلين، ما يجوز معهما التساؤل حول إمكانية الحديث أيضا عن فساد إعلامي، سببه إما خط تحريري مهزوز ومُـوَجَّه، أو توظيف عديمي الخبرة بقواعد السلوك المهني.
الخطأ الأول يندرج تحت بند عريض معروف في أبجديات الإعلام وبخاصة المرئي والمسموع، تحت اسم «الحق في الصورة»، والمراد به حق المواطن الشخصي في الموافقة أو رفض التقاط صورة له، واستعمالها في تقرير صحافي معين. ويزداد الأمر خطورة حين تُوظّف صورة المواطن في موضوع إعلامي ذي طبيعة سلبية، وهو ما حصل في برنامج «العربية»، حيث بثت القناة وجوها لمواطنين في الشارع العام (يمكنهم التعرف على أنفسهم بسهولة، كما يمكن لذويهم وجيرانهم ومعارفهم أن يتعرفوا عليهم) وربطت تلك الصور بموضوع الفساد وأنواعه: الرشوة، المحسوبية، الواسطة، المحاباة، نهب المال العام…
ومما زاد الطين بلة أن «العربية» أيضا استعملت في الموضوع نفسه صورا التقطتها كاميرا القناة لمتعاملين مع أحد البنوك وهم يعدّون أموالهم أمام الشباك؛ وصادف بث تلك الصور حديثٌ عن الإثراء غير المشروع. ولم تجد القناة حرجا في إعادة بث صور المواطنين والمتعاملين مع البنك طيلة البرنامج، حيث أثثت بها التقارير والتصريحات، وبذلك قامت بتجريم أولئك المواطنين عن جهل واستخفاف، وحولتهم إلى متهمين بالفساد!
ولو كانت القناة تُـبَـثّ في بلد يعي فيه المواطن حقوقه، ومن ضمنها الحق في الصورة، ويمارس تلك الحقوق، لرفع المتضررون دعاوى قضائية ضد قناة «العربية» التي تدّعي المهنية، وهي منها براء.
ويتذكر مشاهدو الفضائيات الفرنسية كيف أن مواطنا كسب دعواه ضد إحدى القنوات التي التقطت له صورا برفقة بعض أصدقائه حين كان يقضي عطلته في مصطاف تايليندي بشكل عادي، وأدرجت تلك الصور ضمن تحقيق عن السياحة الجنسية في ذلك البلد الآسيوي، بينما لم يثبت أن المواطن الفرنسي المومأ إليه زار بانكوك من أجل الجنس.
أما الخطأ الثاني الذي ارتكبته القناة السعودية فهو حصر عينة آراء المواطنين على مصر فقط، والحال أن النقاش لم يكن عن الفساد في أرض الكنانة (ولن تجرؤ «العربية» على ذلك، ففيه إغضاب لعبد الفتاح السيسي… «المصلح» الكبير)، وإنما كان الموضوع عاما، وإن خصص بعض المتدخلين عبر الأقمار الصناعية الحديث عن الفساد في لبنان والأردن. وقد كان يُفترض تنويع آراء الشارع بأخذها من أكثر من بلد عربي. يُضاف إلى ذلك أن الطاقم التلفزيوني الذي التقط تصريحات المواطنين المصريين ربّما اعتراه الكسل والفتور، وأراد إنجاز المهمة بأقصى سرعة ممكنة، فحصر مكان تسجيل التصريحات ضمن فضاء واحد تقريبا. وبذلك، بدا إطار الصورة مفتقدا للمصداقية والمهنية.
أما الفساد في السعودية فكان غائبا عن ذلك البرنامج، وإن ظهر في برامج ونشرات إخبارية أخرى، واكتفت «العربية» بإدراج خبر عاجل يتحدث عن تجميد أكثر من 1200 حساب مصرفي في السعودية ضمن تحقيقات الفساد، نقلا عن وكالة «رويترز».
«العربية» صارت اليوم الدرع الإعلامي الأول لما يسمى «حملة مكافحة الفساد» التي شملت العديد من الأمراء والمسؤولين ورجال المال والأعمال والإعلام السعوديين، وما وازى تلك الحملة من تطورات أخرى مثيرة وغريبة، وفي مقدمتها إجبار رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على تقديم استقالته، وقراءة هذا الأخير حيثيات قرار الاستقالة عبر شاشة «العربية» نفسها، ومن ذلك الإشارة إلى تغلغل النفوذ الإيراني في لبنان ودول عربية أخرى وخصوصًا سوريا واليمن. وسرعان ما تلقفت «الجزيرة» حكاية الاستقالة هذه، مبرزة أبعادها وخلفياتها، ومتوقفة أيضا عند نقاط التناقض واللبس في كلام الحريري حول إيران، وذلك بالإشارة إلى كونه استقبل شخصيا ورسميا ـ الأسبوع الماضي ـ مستشار المرشد الأعلى الإيراني، ما أدى إلى «احتجازه» في السعودية وإجباره على تقديم الاستقالة.

«الشرق» تجلد مدربي الثنائي المصري!

في الرياضة كما في الإعلام تحضر السياسة بقوة، وقد تغيب أحيانا أخلاقيات المهنة.
سلوك بعض مسؤولي وأعضاء فريق «الأهلي» المصري لكرة القدم خير مثال على ذلك. إنهم يعانون من حساسية مفرطة تجاه قناة «بي إن سبورت». وتجلى ذلك على هامش المباراة التي جمعت الفريق المصري مع «الوداد» المغربي قبل أسبوع، فقبل بدء مؤتمر صحافي لـ«الأهلي» المنهزم، احتج مدربه حسام البدري على وجود مايكروفون لقناة «بي إن سبورت»، وأمر بإزالته، وإلا فإنه سينسحب ولن يتحدث، وصرخ بأعلى صوته أن الأمر يتعلق بسياسة الدولة المصرية، فما كان من بعض الصحافيين المغاربة إلا أن ردّ عليه بالقول: «إنك في المغرب ولست في مصر». الجواب نفسه وصل إلى مسامع مدرب «الزمالك» المصري في مشهد مشابه وقع من قبل في الجزائر، إذ رفض وجود مايكروفون «بي إن سبورت» متعللا بقرار سيادي، فجاءه الجواب المجلجل: الجزائر لها سيادتها، وأنت هنا في الجزائر ولست في مصر!
ووصلت الحكاية إلى قناة «الشرق» المصرية المعارضة، فقام الإعلامي معتز مطر بتخصيص حلقة للموضوع، مستغربا فيها الانحدار الكبير الذي وصلت إليه قيادتا الفريقين المصريين المذكورين المنهزمين في المغرب والجزائر، حيث صارت القيادتان بمثابة بوق وأداة في يد كبيرهم الذي علمهم… يرددون كلامه كالببغاوات، دون تمحيص. المعادلة واضحة في عُرف المستفيدين من مظلة «السيسي»: الرئاسة المصرية أقحمت نفسها في موضوع الحصار ضد قطر، و»بي إن سبورت» قناة قطرية، إذن النتيجة: لا بد من مقاطعة هذه القناة الرياضية… بئس التحليل، وبئس التفكير، وبئس الأخلاق الرياضية!

كاتب من المغرب
[email protected]

الدرع الإعلامي لمكافحة «الفساد» في السعودية يرتكب أخطاء قاتلة… مدرب «الأهلي» المصري و«بي إن سبورت»!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية